ما سر امتلاك البشر للغمازات؟
تُصنف الغمازات كواحدة من أكثر الملامح الجمالية جاذبية في الوجه البشري، ولطالما ارتبطت في الأذهان بالبراءة والجاذبية.
ولفترات طويلة امتدت لأجيال، ظلت فصول علم الأحياء والوراثة تقدم هذه الميزة الصغيرة في الخد بوصفها واحدًا من أوضح وأسهل الأمثلة الملموسة في "الصفات الوراثية السائدة".
وكان المعلمون يلجؤون إلى رسم مربعات "بانيت" الجينية لتوضيح كيف يورث الآباء هذه السمة لأبنائهم بسلاسة تشبه طريقة شرح وراثة ألوان العيون.
ورغم أن هذا الدرس ظل عالقًا في أذهان الملايين كحقيقة علمية ثابتة، إلا أن التطور التشريحي المعاصر يثبت أن التفسير الحقيقي لا يعيش في مخططات الجينات الموروثة، بل يكمن في تفاصيل عضلة فريدة داخل الوجه.
المخطط الهندسي الثابت لعضلات الوجه د
في الحالة الطبيعية، تتسم العضلات التي تشكل تعبيرات الوجه البشري باتساق مذهل وموحد بين البشر؛ إذ يسير المسار التشريحي لكل عضلة من العظام إلى الجلد وفق مخطط هندسي ثابت لا يتغير، سواء كان الوجه ينتمي إلى طفل رضيع أو رجل ثمانيني، وأيًا كان الموطن الجغرافي أو العرق.
لكن هناك عضلة واحدة تكسر هذا النمط الهندسي الصارم بشكل ملحوظ، ويحدث ذلك الانكسار في البقعة الأكثر لفتًا للانتباه على الإطلاق: عند زاوية الفم مباشرة، وفي كل مرة يقرر فيها الإنسان أن يبتسم.
هذه العضلة المسؤولة عن هندسة الابتسامة تُدعى علميًا (zygomaticus major)، وهي عبارة عن شريط متصل من الأنسجة العضلية يمتد في وضعه الطبيعي والتقليدي من عظمة الخد نزولاً حتى يصل إلى زاوية الشفتين ليتحكم في حركتها.
لكن عند نمو الأجنة وتطور البنية العضلية لدى بعض الأشخاص، يطرأ تغير على هذا المخطط؛ حيث ينقسم هذا الشريط العضلي إلى فرعين منفصلين. وأثناء هذا الانقسام، يتجه أحد الفرعين ليرتبط مباشرة بالجلد المبطن للخد، بدلاً من مساره المعتاد نحو زاوية الفم.
طفرة تشريحية موثقة علميًا تنفي الخرافة الجينية
وبناءً على هذا التوزيع، عندما يبتسم الشخص وتنقبض هذه العضلة، تعمل نقطة الارتباط الإضافية هذه بمثابة مرساة أو رباط يسحب الجلد ويجذبه بقوة نحو الداخل.
وما يراه الناس كغمازة ساحرة ليس في الحقيقة سوى طبعة غائرة تظهر على الخد نتيجة سحب الجلد وضغطه إلى الداخل بفعل تفرع عضلي غير معتاد في هذا الموضع.
هذا المفهوم العلمي يصحح الاعتقاد السائد، وينقل الغمازة من خانة الصفات الوراثية الناتجة عن "جين سائد" إلى مجرد اختلاف في نمو وتوزيع عضلات الوجه.
وهو اكتشاف قديم وموثق؛ إذ رصد علماء التشريح هذا الانقسام في عضلة (zygomaticus major) أثناء فحص الجثث منذ أكثر من قرن، أي قبل ظهور فرضية "جين الغمازات" بفترة طويلة.
وقد أكدت هذه البنية التشريحية دراسة علمية مرجعية نُشرت في مجلة (Journal of Craniofacial Surgery)، بعد جمع وتحليل الفحوصات التصويرية لعينات بشرية من مختلف الأعراق.
وأظهرت البيانات الإحصائية أن هذه العضلة المنقسمة المسببة للغمازات تتواجد بشكل طبيعي لدى نحو 20% من البشر (شخص واحد من كل خمسة)، لتظل هذه السمة دليلاً على أن الاختلافات العضلية البسيطة قد تصنع ملامح جمالية مميزة.
