في ذكرى رحيله.. أغرب معلومات عن الفيلسوف جان جاك روسو
يظلُّ الفيلسوف السويسري جان جاك روسو، في ذكرى رحيله، أحد أكثر أعمدة الفكر البشري إثارة للجدل والفضول؛ فرغم تصنيفه كأحد أهم ملهمي الثورة الفرنسية وواضعي أسس التربية الحديثة والحرية السياسية عبر نظريته الشهيرة في "العقد الاجتماعي"، إلا أن سيرته الذاتية تنضح بتناقضات سلوكية حادة ونزعات نفسية، تكاد لا تصدق أنها صدرت عن رجل صاغ بفكره ملامح العصر الحديث ودافع عن كرامة الإنسان.
مفارقة الطفولة.. رائد التربية يودع أبناءه الملاجئ
ويتجلى التناقض الأكبر والأكثر صدمة في مسيرة روسو عند عقد مقارنة بين نتاجه الفكري المرجعي وسلوكه الأبوي؛ إذ ألّف هذا الفيلسوف كتاب "إيميل"، والذي يُعد البوصلة التاريخية الأولى في مجال تربية الأطفال وحث الآباء على التعامل مع النشء برفق وصبر وتنمية استقلاليتهم الذاتية، لكنه على الصعيد الشخصي والعملي، أقدم على خطوة منافية تمامًا لكل ما دعا إليه.
أنجبَ روسو خمسة أطفال من شريكة حياته تيريز ليفاسور، وقام بإيداعهم جميعًا، واحدًا تلو الآخر فور ولادتهم، في ملجأ للأيتام في فرنسا القرن الـ18، وهو إجراء كان بمثابة حكم غير مباشر بالموت في ذلك العصر.
وبرر روسو هذا الموقف الصادم لاحقًا في كتابه التوجيهي (Confessions) بذرائع واهية، مدعيًا ضيق ذات اليد، وخشيته من أن يفسد أقارب زوجته أخلاق الأطفال، مفضلاً أن ينشأوا كعمال بسيطين في الملاجئ عوضًا عن مواجهة تعقيدات النخبوية.
البارانويا الحادة وسنوات العزلة النباتية
وداهم مرض البارانويا عقل الفيلسوف في أواخر سنوات حياته، حيث تملكه اعتقاد راسخ بوجود مؤامرة دولية كبرى تُحاك ضده، وتشارك فيها حكومات فرنسا وإنجلترا وسويسرا، وحتى أصدقاؤه الفلاسفة المقربون المقربون مثل ديفيد هيوم؛ ودفعتْه هذه الهواجس إلى العيش متخفيًا تحت أسماء مستعارة، وهجر الكتابة الفلسفية، معلنًا عدم ثقته في أي كائن حي باستثناء كلبه الخاص "سلطان".
انتهتْ حياة هذا العقل العبقري والمضطرب بطريقة غامضة في الثاني من يوليو 1778، بعد أن عزل نفسه تمامًا عن البشر في ريف فرنسا متفرغًا لعلم النباتات؛ حيث انهار فجأة وتوفي إثر سكتة دماغية أثناء خروجه الصباحي المعتاد لجمع الأعشاب البرية، تاركًا خلفه شائعات لم تُثبت حول إمكانية إنهاء حياته بسبب أزماته النفسية المتلاحقة.
قررتْ حكومة الثورة الفرنسية، تقديرًا لفكره الذي أسس لمفاهيم الإرادة العامة والعدالة الإنسانية، نقل جثمانه وتكريمه عبر دفنه في مقبرة العظماء "البانثيون" في باريس؛ وما يثير السخرية والدهشة أن تابوته وُضع مباشرة في مواجهة تابوت عدوه اللدود وخصمه الفكري التقليدي فولتير.
