من اللوحة إلى السوق ميساء الرويشد تبني اقتصادًا للفن "الموهبة تنتج لوحة… والمنظومة تبني استدامة"
في زمن تتسارع فيه المشاريع التقنية وتتصدر التطبيقات المشهد الاستثماري، اختارت ميساء بنت أحمد الرويشد طريقًا مختلفًا؛ طريقًا يبدأ من الفن لكنه لا يتوقف عند حدود الجماليات. دخلت إلى قطاع "المراسم المرخصة" في وقت لم يكن هذا النشاط مصنفًا تجاريًا بوضوح، لتؤسس نموذجًا اقتصاديًا لفكرة إبداعية غير مسبوقة محليًا.
في حوارها مع "الرجل"، تكشف سيدة الأعمال ميساء الرويشد، مؤسسة ورئيسة شركة مرسم كانفش بالعاصمة الرياض، كيف بنت سوقًا قبل أن تبني منتجًا، وكيف تحوّل الشغف إلى منظومة تشغيلية مستدامة، وجعلت من الفن أصلًا اقتصاديًا قابلًا للاستثمار.
بناء سوق قبل المنتج
-اخترتِ الدخول في قطاع غير مصنف تجاريًا بوضوح؛ ما أبرز الأخطار التي واجهتكِ عند استثمار رأس مالك في نموذج عمل غير مجرب محليًا؟
أكبر تحدٍ كان غياب المرجعية، لم يكن هناك تصنيف رسمي واضح، ولا نماذج تسعير، ولا حتى سلوك استهلاكي يمكن التنبؤ به. كان عليّ أن أستثمر في بناء السوق ذاته قبل الاستثمار في المنتج، من خلال توعية الجهات الرسمية والعملاء بطبيعة النشاط، في البداية تحمّلت تكلفة التجربة والتصحيح، لكن تلك المرحلة أسست لقاعدة صلبة للنمو اللاحق.
تصفين نفسك بسيدة أعمال قبل أن تكوني فنانة في السياق التجاري؛ كيف تحوّل الفن إلى منظومة ربحية مستدامة؟
التحول الحقيقي كان في الانتقال من "الفن كمنتج" إلى "الفن كنظام". أنشأت هيكلة واضحة للعمليات، اعتمدت تسعيرًا مدروسًا، صغت عقودًا احترافية، وبنيت فريق عمل متكاملاً، كما نوّعت مصادر الدخل بين (الورش، والخدمات، والاستشارات، وتنظيم المعارض)، لذا فالهواية تنتج عملًا جميلًا، أما المنظومة فتنتج استدامة مالية.
وصلت إلى التعادل سريعًا
كيف حقق مشروع "مراسم" نقطة التعادل في وقت قياسي؟
من خلال إدارة التكاليف الثابتة بدقة، والبدء بخدمات ذات هامش ربح مرتفع، وتجنّب التوسع قبل استقرار الطلب، ركزت على التدفقات النقدية بدلًا من الصورة الذهنية فقط، فكان الوصول إلى التعادل المالي أسرع مما توقعت.
هل تفكرين في التوسع عبر نموذج الفرنشايز؟
نعم، ولكن ليس بالصيغة التقليدية، أي توسع يجب أن يحافظ على الجودة والهوية الفنية، أميل إلى نماذج تشغيل مرنة أو شراكات استراتيجية مدروسة أكثر من التوسع السريع الذي قد يضعف التجربة.
إقناع المستثمرين بالفن
ما الاحتياج الذي يعالجه مشروعك الفني، وكيف أقنعتِ المستثمرين بأهميته؟
المدخل كان غياب البنية التحتية الاحترافية للفن، المشروع لم يكن نشاطًا إبداعيًا فرديًا، بل كيانًا اقتصاديًا وتنظيميًا يخدم قطاعًا غير مخدوم بالكامل. هذا ما جعل الفكرة استثمارًا استراتيجيًا لا مجرد مشروع فني.
كيف تُدار العمليات اللوجستية في مشاريعكم الكبرى؟
الأمر يتجاوز استيراد المواد الفنية، هناك إدارة للتخزين، وضبط التوقيت، وحماية الأعمال، والتنسيق بين الفنانين والموردين والجهات الرسمية.
الجمهور يرى النتيجة النهائية، لكنه لا يرى شبكة الإمداد المعقدة التي تقف خلفها.
استراتيجية التسعير
ما نصيحتك لتسعير الخدمة الإبداعية؟
الفنان لا يبيع لوحة فحسب، بل يبيع وقتًا وخبرة وقرارًا احترافيًا. أفرّق دائمًا بين سعر المنتج الفني وقيمة الاستشارة؛ الأولى عمل ملموس، أما الثانية فهي معرفة تختصر أخطاء وتكاليف قد تكون باهظة.
ما الذي يجعلكِ ترفضين صفقة مربحة؟
إذا تعارضت مع القيم، أو أضرت بالعلامة التجارية على المدى الطويل، أو اختزلت الفن في استهلاك سطحي بلا معنى. ليس كل ربح مكسبًا استراتيجيًا.
أنسنة المدن واقتصاد المكان
كيف يتحول مشروع فني حضري إلى نموذج مستدام؟
عندما يُدمج في التشغيل والسياحة والهوية البصرية للمدينة، لا يُترك كمبادرة مؤقتة، كما أن الفن إذا أصبح جزءًا من اقتصاد المكان، يحقق عائدًا مزدوجًا للمستثمر والمدينة.
كيف يمكن قياس مؤشرات الأداء في مشروع يعتمد على الإبداع؟
أعتمد مزيجًا من مؤشرات كمية ونوعية: رضا العملاء، الاستدامة المالية، جودة التنفيذ، وعدد الشراكات طويلة الأمد، الإنتاج وحده لا يكفي، فالقيمة تقاس بالأثر والاستمرارية.
حين يصبح الفن أصلًا استثماريًا
في ظل رؤية 2030 كيف تحولت الفرص إلى إنجازات فعلية؟
تتحول الفرص إلى إنجازات فعلية بالجاهزية المسبقة: تنظيم قانوني واضح، فريق مؤهل، ونماذج تشغيل جاهزة للتطبيق.
كثيرون شاركوا في المبادرات، لكن القليل استطاع تحويلها إلى مشاريع قائمة ومستدامة.
كيف يرفع "بروتوكول الفن" من قيمة الاستثمار في الأصول الفنية؟
عندما يُدار الفن بمعايير واضحة تشمل التوثيق والتقييم والحفظ والعرض، يصبح أصلًا قابلاً للتمويل، لا مجرد ذوق شخصي.
وهذا ما تبحث عنه البنوك والشركات الكبرى عند الاستثمار في الأصول الفنية.
إدارة 27 فناناً وموظفاً بنظام العمل الجزئي تتطلب قيادة مرنة جداً، كيف تُدار الأنا (Ego) الفنية لدى المبدعين ليعملوا تحت مظلة مؤسسة واحدة؟
أؤمن بأن كل فنان يحمل حساسية خاصة، وإذا لم تُحترم تتحول الأنا إلى صدام، أبدأ دائمًا بالاستماع، وأُشعر كل فرد بقيمة صوته وفنه، وأن النجاح الحقيقي يحدث عندما ننجح معاً لا بشكل فردي.
حين يدرك الفنان أن المؤسسة تحميه ولا تقيده، يتحول شعوره من الدفاع إلى الانتماء.
من فنانة إلى قائدة منظومة
ما اللحظة التي نقلتكِ من فنانة موهوبة إلى مستشارة ريادية؟ كيف بنيتِ هذا المشروع؟
حينما أدركت أن دوري لم يعد محصورًا في التعبير الفني في اللوحة، بل في بناء منظومة كاملة للفن.
واليوم أتحمل مسؤولية كبرى، كوني لا أعمل لنفسي فحسب، بل أمثل الفن السعودي في سياق اقتصادي عالمي، وأسعى لتقديمه بصورة احترافية تليق بقيمته الثقافية. ذلك التحول نقلني من فنانة تعبّر عن ذاتها، إلى قائدة تبني جسورًا بين الفن والاقتصاد والعالم.
بطاقة التعريف
ميساء بنت أحمد الرويشد
رائدة أعمال سعودية متخصصة في الفنون البصرية واقتصاديات الفن، ومؤسسة ورئيسة شركة «مرسم كانفش» في الرياض.
بكالوريوس إدارة الأعمال – جامعة الإمام عبدالرحمن بن فيصل (2017)
متخصصة في بروتوكول الفن والتقييم الفني المعتمد من لندن
عضو اتحاد الغرف السعودية – القطاع الترفيهي
عضو ومستشارة في «منشآت»
عضو منظمة رواد الأعمال العالمية EO
أبرز الإنجازات
الفوز بجائزة أفضل مشروع ريادي في «عقال»
تنفيذ أعمال فنية للأوبرا السعودية بالتعاون مع هيئة المسرح والفنون الأدائية
