سيرتك الذاتية للبيع.. كيف تتاجر منصات التوظيف الكبرى ببياناتك الشخصية؟
أرسلت سيرتك الذاتية إلى ثلاث منصات توظيف كبرى، وانتظرت أسابيع دون رد، ثم نسيت الأمر تمامًا' لكن بياناتك لم تُنسَ.. اسمك، رقم هاتفك، مسيرتك المهنية، مهاراتك، وربما عنوانك؛ كل هذا لا يزال يتداوله أشخاص لا تعرفهم، ولأغراض لم تفكر فيها قط.
هذا ليس سيناريو افتراضيًّا؛ بل دراسة أجرتها شركة Incogni المتخصصة في حماية البيانات الشخصية وإزالتها، كشفت أن 90% من منصات البحث عن عمل التي خضعت للتدقيق تبيع بيانات مستخدميها لأطراف خارجية.
المنصات المتهمة ليست مجهولة؛ بل تشمل: LinkedIn، وIndeed، وZipRecruiter، وMonster، وSimplyHired، أي المواقع التي يزورها يوميًّا ملايين الباحثين عن عمل حول العالم.
ما الذي يُباع بالضبط من سيرتك الذاتية؟
الأمر لا يتوقف عند بيانات بسيطة كالاسم والبريد الإلكتروني؛ إذ تشمل المعلومات المتاحة للبيع محتوى السيرة الذاتية كاملاً، ورسائل التغطية، والمستندات الوظيفية المرفوعة، فضلاً عن سجل النشاط على المنصة.
الشركات التي تشتري هذه البيانات تستخدمها لأغراض تراوح بين الاستهداف الإعلاني، والتحليل التجاري، وإعداد قواعد بيانات للعملاء المحتملين؛ لكن ما يجعل الأمر أكثر إثارة للقلق هو أن المعلومات الوظيفية تحمل طابعًا شخصيًا عميقًا.
السيرة الذاتية ليست مجرد ورقة، بل هي خريطة حياة كاملة: أين درست، وأين عملت، وكم عدد سنوات خبرتك، وما المهارات التي اكتسبتها، وهي معلومات يمكن استغلالها بطرق يجهلها أغلب الناس.
رد فعل الباحثون عن العمل حول بيع بياناتهم
اللافت في الدراسة ليس فقط حجم بيع البيانات، بل ردود فعل المستخدمين أنفسهم؛ فمن بين ألف مستخدم شملهم الاستطلاع، جاءت النتائج:
- نحو 40% قالوا إنهم لا يحذفون حساباتهم على منصات التوظيف حتى بعد انتهاء بحثهم عن عمل.
- أكثر من 34% قالوا إنهم رفعوا بياناتهم إلى أكثر من منصتين في آنٍ.
- قرابة ربع المشاركين اعترفوا بأنهم لا يتذكرون عدد الحسابات التي أنشؤوها ولا ما رفعوه عليها
يعكس هذا التساهل قناعة شائعة لدى 37% من المستطلَعين بأن مواقع التوظيف لا تشارك بياناتهم إلا مع أصحاب العمل المحتملين، وهي قناعة مريحة، لكنها مخالفة لما تقوله الوقائع.
سلبيات في كتابة سياسة الخصوصية
جزء من المشكلة يكمن في أن سياسات الخصوصية مكتوبة بلغة تقنية معقدة يصعب على القارئ العادي استيعابها.
وأظهرت الدراسة أن جميع المواقع المذكورة، ما عدا منصة LinkedIn، تستخدم لغة معقدة وصعبة، تحتاج إلى شخص بمستوى خريج جامعي ليفهمها، وذلك بناءً على مقياس "Dale-Chall"، وهو اختبار علمي يقيس صعوبة النص بناءً على طول الجمل ونسبة الكلمات غير المألوفة فيه لتحديد المستوى التعليمي المناسب لفهمه.
ويبلغ متوسط الوقت اللازم لقراءة سياسة خصوصية كاملة لأي من هذه المنصات 35 دقيقة، ما يفسر سبب اكتفاء نصف المستخدمين بالتصفح السريع لهذه السياسات أو تجاهلها كليًّا.
ما الذي يمكنك فعله لحماية البيانات؟
توصي الدراسة الباحثين عن عمل بجملة من الخطوات العملية:
التتبع والحذف: تتبع المنصات التي رفعت إليها بياناتك، وحذف تلك البيانات فور توقف البحث عن العمل.
القراءة المتأنية: قراءة سياسات الخصوصية بعناية قبل الاشتراك، بهدف معرفة ما تشاركه كل منصة مع أطراف ثالثة.
البحث عن عمل مرحلة ضاغطة تجعل الإنسان يركز على الهدف الأساسي ويتجاهل التفاصيل؛ لكن الحذر من مصير بياناتك الشخصية لا يتعارض مع جدية بحثك عن فرصة أفضل، بل هو جزء أصيل منه.
