كيف يخدعك الذكاء الاصطناعي ويوهمك بأنه صديق مقرب؟
هل شعرت يومًا أن روبوت الذكاء الاصطناعي (مثل شات جي بي تي) يفهمك بشكل شخصي، ويتذكر تفاصيل حياتك بدقة وكأنه صديق مقرب؟ في الواقع، هذا الشعور ليس دليلاً على وجود "رابطة حقيقية"، بل هو نتيجة خدعة سيكولوجية قديمة تُعرف في علم النفس بـ "تأثير بارنوم"، ممزوجة بآلية تقنية بحتة تعتمد على استدعاء البيانات لتبدو كأنها اهتمام حقيقي.
في المقابل، يحذر خبراء علم النفس من أن هذه الأنظمة الاصطناعية، التي قد تكون مجرد تسلية أو أداة مساعدة للبالغين، تشكل خطرًا حقيقيًا على الأطفال والمراهقين؛ لأنها تحبس هوياتهم المرنة والمتغيرة في قوالب غير مرنة ومؤرشفة.
تجربة 1948: كيف يخدعنا الشبه العام؟
في عام 1948، قام عالم النفس برترام فورير بتجربة شهيرة؛ حيث وزع على طلابه تحليلاً شخصيًا "مخصصًا" لكل طالب بناءً على اختبار سابق، وطلب منهم تقييم دقة التحليل. كانت النتيجة أن متوسط التقييم جاء مرتفعًا جدًا (4.26 من 5).
المفاجأة الصادمة كانت أن فورير أعطى جميع الطلاب النسخة نفسها دون تغيير، وهي عبارة عن جمل فضفاضة مأخوذة من كتاب أبراج يومي، مثل: "لديك ميل لانتقاد نفسك"، أو "تفضل قدرًا من التغيير والتنوع". هذا هو "تأثير بارنوم"؛ حيث يميل البشر إلى قبول العبارات العامة والفضفاضة على أنها موجهة إليهم خصوصًا إذا اعتقدوا مسبقًا أن النص صُمم لأجلهم.
ويقوم الذكاء الاصطناعي بالخدعة العكسية: فهو يدمج بياناتك شديدة الخصوصية (كاسمك أو وظيفتك) ليمرر لك عبارات عامة تشعرك بالألفة الزائفة.
آلية عمل الذاكرة الاصطناعية: استدعاء آلي للبيانات
عند تفعيل ميزة الذاكرة في نماذج الذكاء الاصطناعي، لا يحدث أي "تذكر" بالمعنى الإنساني العاطفي، بل هي عملية ميكانيكية بحتة تتلخص في خطوات مبرمجة؛ حيث يسحب النظام مقتطفات من محادثاتك السابقة (مثل اسمك، وظيفتك، تفضيلاتك، أو موضوع تكرره باستمرار)، ثم يخزن هذه المقتطفات في قاعدة البيانات.
ومع بداية كل جلسة جديدة، يقوم النظام بـ"تلقيم" هذه البيانات للمنتج اللغوي وكأنه يقرؤها لأول مرة، ليصيغ إجابات تمنحك إيحاءً بالاستمرارية وعمق العلاقة.
وقد كشفت دراسة أجراها باحث من جامعة سنترال متشجن وزملاؤه أن نصف المستخدمين لا يعرفون أصلاً بوجود هذه ميزة الذاكرة (لأنها تفعل تلقائيًا في الغالب)، وعند تحليل البيانات المخزنة تبين أن 38% فقط من المعلومات المخزنة تلبّي معايير الأمان، والدقة، والأهمية معًا، بينما كانت أغلب البيانات الباقية عديمة الأهمية أو قديمة وغير محدثة.
إذا كان البالغون يمتلكون وعيًا كافيًا لمقارنة الذكاء الاصطناعي بهويتهم المستقرة وتصحيحها، فإن الأطفال لا يملكون خط الدفاع هذا؛ لأن هوياتهم لا تزال في مرحلة تكوين وتتغير بسرعة مذهلة؛ فالطفل الذي يتشاجر مع صديقه يوم الاثنين قد يصالحه بحلول الأربعاء، والطفل الذي فقد تركيزه في جلستي دراسة ليس بالضرورة طفلاً "يعاني مشكلة مزمنة في التركيز".
