هل تؤثر "النينيو الخارقة" على كأس العالم 2026؟
في الوقت الذي تتجه فيه أنظار الملايين نحو صافرة البداية لكأس العالم 2026 المقرر إقامتها بين 11 يونيو و19 يوليو 2026 في الملاعب الموزعة بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، يتحرك خلف الكواليس وحش مناخي صامت يثير قلق المنظمين وصناع القرار الرياضي؛ إنها ظاهرة "النينيو" التي تطل برأسها هذه المرة بملامح استثنائية توصف بـ"الخارقة".
المفارقة المقلقة تتجسد في التزامن الشديد؛ فبدايات تشكل هذه الظاهرة المناخية الكبرى تتقاطع تمامًا مع الشوط الأول للمونديال، وفي صيف نصف الكرة الشمالي الارتدادي الساخن بطبيعته.
وتزداد المعضلة تعقيدًا بالنظر إلى الجغرافيا الواسعة للبطولة، والتي تتنقل بفرقها وجماهيرها بين أجواء الساحل الكندي المعتدلة نسبيًّا، وبين مدن جنوب الولايات المتحدة والمكسيك المعروفة بالحرارة الشديدة والرطوبة الخانقة.
لغز المحيط الذي يحرك طقس اليابسة
وفقًا للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية، تمثل "النينيو" الطور الدافئ لآلية مناخية أوسع تُعرف بالتذبذب الجنوبي. وفي الأحوال الطبيعية، تدفع الرياح المياه الدافئة نحو غرب المحيط الهادئ قرب أستراليا، مفسحة المجال للمياه الباردة العميقة لتنعش سواحل أمريكا الجنوبية.
لكن في سنوات "النينيو"، تصاب هذه الرياح بالوهن أو تغير وجهتها بالكامل، لتبدأ الكتل المائية الساخنة بالزحف شرقًا، مبعثرةً نظام السحب والعواصف المدارية. هكذا، يتسبب دفء بقعة محددة في المحيط الهادئ في إحداث فيضانات عارمة في قارة، وجفاف قاحل في أخرى، مغيرًا ملامح الطقس للكوكب بأكمله.
الأمر يتعلق بالسرعة المفاجئة التي تتطور بها الأحداث في أعماق المحيط؛ فالتقارير الرسمية الصادرة في منتصف مايو 2026 كشفت أن المياه هناك تسجل ارتفاعًا مستمرًا في الحرارة منذ أشهر، ما خلق قدرًا هائلاً من الطاقة الساخنة التي بدأت تصعد بالفعل إلى السطح.
ولتأكيد خطورة الموقف، أعلنت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية في 2 يونيو 2026 أن هناك نسبة 80% لاندلاع الظاهرة بكامل قوتها خلال أشهر الصيف الحالية، على أن ترتفع هذه الاحتمالية إلى 90% مع نهاية العام.
تأثير مباشر أم مجرد "حرارة ساخنة"؟
تتحرك "النينيو" كعملية تدريجية بطيئة وليست كعاصفة مفاجئة؛ إذ تبلغ ذروتها عادة بين نوفمبر وفبراير، وتظهر آثارها القصوى على حرارة الكوكب في العام التالي لبدايتها. وهنا مكمن الطمأنينة الحذرة؛ فكأس العالم 2026 سيمر في مرحلة تولد الظاهرة وتشكلها، وليس في مرحلة ذروتها العنيفة.
تأثير "النينيو" في فصل الصيف يكون أقل وضوحاً مقارنة بالشتاء، لأن طقس الصيف تحكمه عادةً عوامل محلية مباشرة؛ مثل موجات الحر المعتادة، والرطوبة العالية القادمة من خليج المكسيك، والحرارة المضاعفة التي تخزنها خرسانة المدن الكبرى المزدحمة.
ورغم ذلك، لن تمر الظاهرة مرور الكرام؛ بل ستعمل كمحرك خفي يرفع من سخونة الأجواء الجافة أصلاً، لتجعل صيف المونديال أكثر قسوة وتقلبًا من المعتاد.
إنها تمنح النظام البيئي الساخن بفعل المناخ العالمي دفعة حرارية إضافية، وتزيد من احتمالية حدوث تقلبات عنيفة ومفاجئة كالطقس المتطرف أو الأمطار الفجائية. لن تكون "النينيو" هي اللاعب الحاسم الذي يوقف المباريات بمفرده، لكنها بلا شك ستجبر مدربي المنتخبات والأجهزة الطبية على إعادة ترتيب أوراق اللياقة البدنية والتعامل مع ملاعب مرشحة لتسجيل درجات حرارة لاهبة.
