جيل زد والذكاء الاصطناعي.. هل أصبحوا عاجزين عن العمل بدونه؟
قبل عقود مضت، كان الموظفون يعتمدون على أجهزة الاستدعاء الآلي البسيطة للتواصل السريع، واليوم، إذا نسي أحدنا هاتفه المحمول في المنزل، يتملكه شعور فوري بالعجز نتيجة الاعتماد الكلي عليه.
هذا النوع من الاعتمادية ينتقل الآن بسرعة فائقة إلى بيئات العمل الحديثة عبر أدوات الذكاء الاصطناعي، وتحديدًا بين الموظفين الشباب من جيل زد.
وكشفت دراسة حديثة شملت 2500 موظف وقائد في قطاع تكنولوجيا المعلومات، أن 40% من موظفي هذا الجيل يشعرون بعدم القدرة على أداء وظائفهم دون الاستعانة بالذكاء الاصطناعي.
والمفارقة هنا، أن نصف هؤلاء الشباب تقريبًا يخشون أن يؤدي هذا الاعتماد المفرط إلى إضعاف قدراتهم الذهنية وتراجع آفاقهم المهنية على المدى الطويل.
هذا الواقع يضع القيادات الإدارية أمام معضلة جديدة؛ حيث أصبح الموظفون أكثر سرعة في الإنتاج، لكنهم في الوقت ذاته أقل ثقة في تفكيرهم وقدرتهم المستقلة على حل المشكلات.
كيف يتسلل الاعتماد الكلي إلى عقول الموظفين الشباب؟
العديد من موظفي جيل زد بدأوا مسيرتهم المهنية في بيئة عمل مدعومة كليًّا بالذكاء الاصطناعي؛ فبدلاً من خوض عصف ذهني أولاً ثم استخدام التقنية لتنفيذ الأفكار، بات الموظف الشاب يفتح منصات الذكاء الاصطناعي قبل أن يبدأ بالتفكير في أبعاد المشكلة المطروحة أمامه.
هذا التحول الجذري غيّر تمامًا طريقة التعامل مع الكتابة، والتواصل، وصناعة القرارات.
لقد بنت الأجيال السابقة ثقتها المهنية من خلال مواجهة المهام الصعبة، والبحث المستقل، والوقوع في الأخطاء، والتعلم عبر التكرار والمحاولة.
ورغم أن تلك التجارب كانت محبطة أحيانًا، إلا أنها صقلت مهارات الحكم السليم وحل المعضلات؛ ففي المقابل، تتدخل التقنية الحديثة اليوم لتلغي هذا المجهود تمامًا عبر الصياغة الفورية للرسائل، والتلخيص، وإعداد العروض التقديمية الجاهزة، ما يحرم الكفاءات الشابة من فرصة التطور الطبيعي.
فقدان الثقة بالتفكير الشخصي وتراجع الفضول
السهولة الفائقة التي توفرها هذه الأدوات تغير السلوك البشري تدريجيًّا؛ إذ يعترف الكثير من الموظفين الشباب بأنهم يثقون في مخرجات الذكاء الاصطناعي أكثر من ثقتهم في أحكامهم الشخصية، بل ويرون أن الآلة تؤدي وظائفهم بشكل أفضل ما يفعلون.
والأخطر من ذلك، أن الدراسة أظهرت أن 43% من الموظفين يقبلون المحتوى الذي تنتجه الآلة حتى وإن راودهم الشك في احتوائه على أخطاء أو معلومات ضعيفة الجودة، وذلك لمجرد مواكبة السرعة المطلوبة.
وعندما يتوقف الموظف عن مساءلة المعلومات واختبار الفرضيات، تضعف لديه مهارات التفكير النقدي والفضول المهني الذي يمثل المحرك الأساسي للابتكار والتطوير داخل المؤسسات.
مخاوف خفية تقود لتبني التقنية بشكل أعمى
وقد لا يدرك القادة دائمًا أن الخوف هو الدافع الأكبر وراء هذا الاعتماد المتزايد؛ فبعض الموظفين يخشون أن يظهروا بمظهر المتأخرين عن ركب التقنية إن لم يستخدموا الأدوات الحديثة بكثافة، بينما يخشى آخرون الاستبدال والتحييد إذا لم يجاروا زملائهم في سرعة الإنجاز.
هذا المناخ يخلق ثقافة صامتة تتجنب النقاش أو التشكيك في النتائج الآلية، ظنًا منهم أن الإدارات العليا تفضل السرعة المطلوبة على الدقة، وهو ما يفقد الشركات خط الدفاع الأول ضد القرارات الخاطئة والمبنية على بيانات غير دقيقة.
مع أتمتة المهام الفنية والتكرارية، سيكتشف الموظفون الشباب أن التميز المستقبلي لن يكون من نصيب من يولد الردود الأسرع عبر الآلة، بل سيكون حليفًا لمن يمتلك القدرة على قيادة حوارات مقنعة في المواقف المعقدة، والتعامل مع الغموض، ورصد نقاط الضعف في التحليلات، واتخاذ قرارات مدروسة في الأوقات الحرجّة.
