جهاز المناعة السلوكي.. ماذا يحدث في عقولنا عندما نمر بـ "الاشمئزاز"؟
تعد الاستجابة التلقائية بالنفور والاشمئزاز عند رؤية طعام فاسد أو استنشاق رائحة كريهة واحدة من أكثر الأنظمة العاطفية تعقيدًا وتطورًا في التاريخ البشري.
وفي الأصل، نشأ الاشمئزاز كآلية حيوية لتجنب مسببات الأمراض، مستندًا إلى مبدأ بيولوجي حاسم وهو منع استهلاك المواد التي قد تؤدي إلى الموت.
ويطلق العلماء اليوم على هذه المجموعة من الاستجابات النفسية والفسيولوجية اسم جهاز المناعة السلوكي، والذي يمثل خط الدفاع الأول الذي يرصد التهديدات المعدية ويبعد الإنسان عنها قبل أن يضطر جهاز المناعة البيولوجي الداخلي إلى التدخل والمواجهة.
ومع مرور ملايين السنين من التطور البشري، لم يعد هذا النظام مقتصرًا على تجنب الأطعمة الفاسدة، بل تمدد ليشكل البوصلة الأخلاقية والاجتماعية للمجتمعات.
ماذا يحدث للدماغ عند الاشمئزاز؟
عندما يسيطر شعور الاشمئزاز، تنشط منطقة محددة في الدماغ يركز عليها الباحثون بشكل كبير، وتُعرف باسم "الفص الجزيري الأمامي".
ويبدو أن العقول تمتلك طريقة مدهشة في التعامل مع مشاعر النفور؛ حيث أكدت دراسة تحليلية شاملة للتصوير العصبي نُشرت في مجلة علمية متخصصة تحمل اسم "نيوروساينس آند بيوبيهافيورال ريفيوز"، أن الدماغ البشري يعالج الاشمئزاز الجسدي الأساسي (مثل القرف من الأطعمة الفاسدة والملوثات) والاشمئزاز الاجتماعي (مثل النفور من التصرفات غير الأخلاقية كالخيانة) في نفس المكان وبذات الطريقة.
وتبين أن هناك أساسًا عصبيًا موحدًا في المخ يجمع بين منطقتين محددتين هما "الفص الجزيري الأمامي"، المسؤول عن توليد شعور النفور الداخلي، و"المنطقة التلفيفية المغزلية"، المختصة بمسح ملامح الوجوه وقراءة تعبيراتها.
هذا "الفص الجزامي" تحديدًا يتولى دور المايسترو الذي ينظم وينسق كل ردود الفعل الجسدية؛ فهو الذي يعطي الأوامر الفورية للعضلات لكي تتراجع إلى الخلف وتتجنب مصدر الخطر، وهو المسؤول عن رسم تعبيرات النفور الواضحة على ملامح الوجه، بل وهو المسبب الرئيسي لتلك الانقباضات والتقلصات المعوية والغثيان الذي يشعر به الشخص في معدته عند رؤية شيء مقزز.
أهمية منطقة الفص الجزامي
ولكي نفهم مدى أهمية هذه المنطقة الدماغية، درس الأطباء حالات طبية لأشخاص تعرضوا لتلف أو إصابة في هذا الجزء من المخ وفي منطقة أخرى متصلة به تُدعى "اللحاء" أو "النواة العدسية".
جاءت النتائج لتظهر خللاً واضحًا وغريبًا، حيث فقد أحد المرضى قدرته على التعرف على علامات الاشمئزاز على وجوه الآخرين رغم أنه ما زال يشعر بالاشمئزاز الجسدي الطبيعي، بينما أظهر مريض آخر مصاب بتلف في الفص الجزامي الأمامي عدم قدرة كاملة على إنتاج شعور الاشمئزاز أو الإحساس به من الأساس.
ووفقًا للأبحاث العلمية، فإن الأمر لا يتوقف عند التجربة الشخصية للفرد فحسب؛ فبمجرد مراقبة شخص آخر تظهر على وجهه علامات النفور، تنشط فورًا ذات النطاقات والمراكز العصبية في دماغ الشخص المشاهد، تمامًا كما يحدث عندما يُلاحظ شخص يمد يده ليمسك بشيء ما، حيث تتحرك مراكز الحركة في دماغ الرائي تلقائيًا.
هذه الميزة العبقرية تسمح لشعور الاشمئزاز بأن ينتقل بين البشر اجتماعيًا كإشارة تحذير، ما يحول تجربة النفور التي مر بها فرد واحد إلى إنذار جماعي سريع يحمي المجموعة كلها من المخاطر والأوبئة قبل الاقتراب منها.
أنواع الاشمئزاز
وينقسم هذا النظام الدفاعي إلى ثلاثة مجالات رئيسة: أولها اشمئزاز مسببات الأمراض المرتبط بالمواد الملوثة، وثانيها الاشمئزاز الجنسي المرتبط بالاختيار الإنجابي السليم، وثالثها الاشمئزاز الأخلاقي.
وعند الشعور بالنفور من القسوة أو الخيانة، يستعير الدماغ حرفيًا لغة التلوث الجسدي لتطبيقها على العالم الاجتماعي، حيث يساهم جهاز المناعة السلوكي في معاقبة مخالفي الأعراف بالإقصاء الاجتماعي.
متى يظهر شعور الاشمئزاز؟
يثير تأخر ظهور مشاعر الاشمئزاز لدى الأطفال حتى سن الخامسة تقريبًا تساؤلات عديدة لدى علماء النفس التنموي، خصوصًا أن الأطفال في المراحل العمرية المبكرة يميلون إلى وضع الأجسام الغريبة في أفواههم دون تمييز.
وفي هذا السياق، جادل عالم النفس التطوري جوشوا روتمان في دراسة علمية بأن هذا التأخر يثبت أن الاشمئزاز يتطلب بناءً معرفيًا واجتماعيًا متقدمًا، فهو ليس مجرد غريزة بيولوجية تولد مع الإنسان، بل هو نظام مرن يستقبل مدخلات ثقافية تختلف من مجتمع إلى آخر.
وبينما تتسم محفزات النفور الجسدي بالشمولية والعالمية، تختلف محفزات الاشمئزاز الأخلاقي والاجتماعي بشكل كبير بناءً على السياق الثقافي لكل مجتمع.
تطور آلية الاشمئزاز الدفاعية
وفي المحصلة، يثبت جهاز المناعة السلوكي أنه نظام متكامل بدأ كحارس للمعدة وتطور ليصبح المنظم الرئيس للحياة الاجتماعية.
وتتمدد هذه الظاهرة لتشمل العلاقات العاطفية الحديثة، حيث يُطلق على النفور المفاجئ من سلوكيات الشريك اسم "عامل النفور" أو (The ick)، والذي بات يخضع لاختبارات علمية دقيقة تحدد محفزات الاشمئزاز الاجتماعي، ما يؤكد أن التاريخ التطوري البشري ما زال يعمل بفاعلية لحماية الإنسان واستمراره.
