داخل العقل: كيف يتدرّب سائقو الفورمولا 1 على السيطرة على الدماغ تحت الضغط؟
قبل أن تحكم على هذا الموضوع، فكر في مشهد واحد: لاعب كرة التنس يانيك سينر، المصنَّف ثانيًا في العالم، يدمّر لاعبًا مصنَّفًا في المرتبة الثانية والعشرين، وعلى وجهه تعبير من يشرب قهوة صباحية.
لا توتر، لا انفعال، لا نظرة تنمّ عن جهد.. المدرجات تكاد تتثاءب، والمعلقون يتحدثون عن قوة ضرباته وكأن ذلك هو كل القصة.
لكن الحقيقة التي يغفل عنها الجميع أن ما يميّز سينر ليس في ذراعيه، بل في موجات دماغه.
سينر واحد من جيل جديد من الرياضيين النخبة، من بينهم السائق شارل لوكلير في الفورمولا 1 وميكايلا شيفرين في التزلج، يمضون وقتًا حقيقيًا في مختبرات تدريب الدماغ.
هدفهم شيء واحد يسمّيه المختصون "الاقتصاد الذهني": تعليم العقل أن يصرف طاقة أقل تحت الضغط، فيبقى التركيز حادًا، والعضلات خفيفة، والأداء سلسًا، حتى حين يرتفع الضغط للحدود القصوى، وذلك استنادًا إلى نشرته منصة Men's Health.
آلية إعداد اللاعبين المحترفين
وفي مركز بياتي للتنس بشمال إيطاليا، يقع أحد هذه المختبرات تحت إشراف الدكتور ريكاردو تشيكاريللي، طبيب الرياضة الإيطالي الذي كرّس أكثر من 30 عامًا لفهم تأثير الدماغ على الأداء الرياضي.
المكان يمزج بين تقنية سيارات السباق وأجواء غرف الألعاب الإلكترونية: شاشات تعرض بيانات مباشرة، وكراسٍ مريحة، وأجهزة استشعار ترصد النشاط الكهربائي للدماغ وتوتر العضلات.
الرياضيون هنا لا يرفعون أثقالاً ولا يركضون؛ بل يلعبون ألعاب فيديو مصمَّمة بعناية: إحداها تجعل السيارة الافتراضية تتسارع فقط حين تتحوّل موجات الدماغ نحو أنماط التركيز العميق.
وتضع أخرى اللاعب في غرفة مليئة بضوضاء الملاعب وحركتها، لاختبار قدرته على إبقاء تركيزه وسط الفوضى.
وقال مدير المختبر في جملة تلخّص فلسفة مختبره بالكامل، "إذا كان دماغك محرّكًا، فنحن نريد طاقة حصانية أكبر مع استهلاك وقود أقل".
أنماط الدماغ البشري من النشاط الكهربائي
للدماغ البشري خمسة أنماط أساسية من النشاط الكهربائي؛ فحين يسيطر نمط "بيتا المرتفع"، يعمل الدماغ في حالة توتر وقلق، العضلات تشتد، الأفكار تتشعّب، الطاقة تتسرب دون مردود.
لكن حين ينتقل إلى موجات "ألفا المتوسطة"، يدخل في حالة من الدقة والسيولة والاسترخاء الفعّال، وهذا تحديدًا ما يبحث عنه اللاعبون في كل نقطة.
التدريب الذهني لا يخلق هذه الحالة بشكل دائم؛ بل يعلّم الرياضي كيف يتعرّف على لحظة الانزلاق نحو التوتر، ثم يعود بسرعة إلى التوازن.
الأدوات أبسط مما تتخيّل: التنفس الحجابي العميق، وعبارات التحفيز الذاتي، وتمارين تثبيت الانتباه على حاسة اللمس أو الحساب الذهني.
وأكد غريغ أبيلباوم، أستاذ الطب النفسي في جامعة كاليفورنيا سان دييغو المتخصص في أداء الدماغ، أن هذا النوع من التدريب يغيّر فعليًا بيولوجيا الدماغ: يصبح استهلاكه من الجلوكوز والأكسجين أقل لأداء الحركة ذاتها.
التطبيق العملي لتقنيات الأداء في ملاعب التنس
ويستعرض نيك باتشيلي، الصحفي في موقع Men's Health، تجربته الشخصية عند تطبيق هذه التقنيات في ملاعب التنس وصالات رفع الأثقال؛ موضحًا أن الخطوة الاستهلالية تمثلت في رصد لحظات الذروة للتوتر بدقة، مثل لحظة ارتكاب خطأ في الملعب، أو تلك الثانية الحرجة التي يسيطر فيها الشك على العقل أمام بار الحديد حين يصرخ عقلك "لن تستطيع"، حيث كتب ودون هذه اللحظات والتعامل معها واحدة تلو الأخرى.
ويشير باتشيلي إلى أن الأداة التي نجحت معه أكثر من غيرها كانت "التأريض عبر اللمس"، والتي تتمثل في التركيز على ملمس الكرة قبل التسديد بدلاً من الاستغراق في التفكير في النتيجة، أو إغماض العينين وتحريكهما أفقيًا مع العدّ التنازلي الصامت، وهي تقنية قد تبدو غريبة بعض الشيء لكنها تعمل بفاعلية.
ويصف الهدوء الذي أحس به لاحقًا بأنه لم يكن غيابًا للشعور، بل كان حضورًا أعمق وصفاءً أكثر؛ فالألم ظل في مكانه لكنه لم يعد يصرخ، والأخطاء كانت تحدث لكنها لم تعد تحكم الجولة التالية أو تسيطر عليها.
ويخلص في النهاية إلى أن الأداء المثالي ربما لا يتطلب الإثارة، بل يكمن في هذا "الملل المُهندَس" الذي يبدو عليه سينر دائمًا.
