دماغ الإنسان ينكمش.. هل يفقد البشر ذكاءهم الفطري؟
كشفت مجموعة من الدراسات العلمية الحديثة عن ظاهرة تثير الكثير من التساؤلات حول مستقبل الجنس البشري، حيث تشير البيانات إلى أن دماغ الإنسان في حالة انكماش مستمر منذ عصور ما قبل التاريخ.
وبحسب ما نشر في موقع "لايف ساينس"، فرغم أن هذا التراجع في الحجم قد يبدو مقلقًا، إلا أن الخبراء يؤكدون أن حجم الجمجمة ليس معيارًا حتميًا لمستوى الذكاء، مستشهدين بارتفاع درجات اختبارات الذكاء عالميًا خلال القرن الماضي، الأمر الذي يضع العلم أمام لغز بيولوجي وتطوري تجري المحاولات لفك شفراته.
علاقة حجم الدماغ بالذكاء
ويوضح جيريمي دي سيلفا، أستاذ الأنثروبولوجيا في كلية دارتموث، أن حجم دماغ الإنسان يرتبط بعلاقة ضعيفة جدًا بمقاييس الذكاء الفعلية.
ويدلل على ذلك بدماغ العالم الشهير ألبرت أينشتاين، الذي كان صغيرًا في حجمه مقارنة بالمتوسط، لكنه تميز بأنماط طي استثنائية في القشرة المخية ساهمت في عبقريته.
وتؤيد أبحاث دي سيلفا، التي شملت تحليل أكثر من 5000 جمجمة من قارات مختلفة، وجود اتجاه عالمي واضح نحو صغر حجم الأدمغة في العصور الحديثة.
ومن جانبه، يؤكد البروفيسور ماسيج هينبيرج، من جامعة أديليد، أن حجم دماغ الإنسان تراجع خلال عصر "الهولوسين" بنسبة تصل إلى 10%، وهو ما يعادل 150 مللي تقريبًا.
ويرجع هذا التحول الذي بدأ قبل حوالي 11,700 عام إلى تغير نمط الحياة البشري؛ فمع ظهور الزراعة والاستقرار في مجتمعات كبرى، تراجعت الحاجة إلى القوة البدنية الهائلة والحواس الحادة التي كانت تتطلبها عمليات الصيد وحماية العائلة من المفترسين، ما أدى لانكماش الجسم والدماغ معًا لتوفير الطاقة.
لماذا انكمش حجم الدماغ؟
ويرى باحثون آخرون، مثل جيف ستيبل المتخصص في علوم الدماغ، أن انكماش دماغ الإنسان يعود إلى مبدأ "الذكاء الجماعي"؛ فالبشر اليوم لا يعتمدون على قدراتهم العقلية الفردية فقط، بل أصبحوا يعتمدون على شبكات معقدة من التكنولوجيا والثقافة وتقسيم العمل.
ويشبه ستيبل هذه الحالة بما يحدث في مستعمرات النمل والزنابير، وهي فصيلة من الحشرات تتبع رتبة غشائيات الأجنحة، حيث يقل حجم دماغ الفرد كلما زاد الحمل المعرفي الذي تتحمله المستعمرة ككل.
ورغم معارضة بعض العلماء، مثل براين ويلمور، الذي يرى عدم كفاية الأدلة على هذا التقلص، إلا أن الاتجاه السائد يربط صغر حجم دماغ الإنسان أيضًا بعوامل مناخية وفق قاعدتي "بيرجمان" و"ألن"، اللتين تشيران إلى أن الأجسام والأعضاء تميل للنحافة في المناخات الدافئة لتبديد الحرارة.
وفي نهاية المطاف، يبدو أن الجنس البشري قد استبدل جزءًا من قدراته الحسابية الفردية بالقدرة على توظيف المعرفة الجماعية، ما جعل استمرار النوع البشري مرتبطًا بشكل وثيق بمدى استقرار الأنظمة التكنولوجية والشبكات الثقافية القائمة.
