بعد نصف قرن من الحيرة.. العلماء يكشفون سر فصائل الدم
أعلن فريق بحثي من جامعة لوند في السويد حل لغز علمي ظل يؤرق العلماء لأكثر من خمسين عامًا، يتعلق بفصائل الدم واختلافها بين الأفراد.
الاكتشاف الذي نُشر في مجلة Nature Communications يوضح أن هناك طبقة خفية من التنظيم الجيني تتحكم في مستويات الجزيئات الموجودة على سطح كريات الدم الحمراء، ما لم تستطع الاختبارات التقليدية كشفه سابقًا.
فصائل الدم لا تقتصر على التصنيف المعروف A أو B أو AB أو O، بل تعتمد أيضًا على عدد الجزيئات المسماة "المستضدات" التي تغطي سطح خلايا الدم.
والمستضدات الموجودة على سطح خلايا الدم الحمراء تعمل مثل "بطاقة تعريف" للجسم، فهي تساعد جهاز المناعة على التفرقة بين خلايا الجسم الطبيعية التي تُعد "الذات"، وبين أي خلايا أو عناصر خارجية مثل دم شخص آخر أو ميكروبات والتي تُعد "الغريب".
لذا، فإن أي اختلاف في هذه المستضدات قد يؤدي إلى أن يتعامل الجهاز المناعي مع الدم المنقول على أنه جسم غريب ويهاجمه، ما يجعل مطابقة فصائل الدم بدقة أمرًا ضروريًا لضمان سلامة عمليات نقل الدم.
دور المفاتيح الجينية في تنظيم فصائل الدم
وركّز الباحثون على عوامل النسخ، وهي بروتينات تعمل كمفاتيح جزيئية تتحكم في قوة التعبير الجيني؛فباستخدام تقنية حسابية جديدة طوّرتها الباحثة غلوريا وو، تمكن الفريق من رسم خريطة تضم نحو 200 موقع ارتباط عبر 33 جينًا مرتبطًا بفصائل الدم.
وسمح هذا النهج لهم بتوقع أماكن التغيرات المحتملة في نشاط الجينات، ما لم تستطع الفحوصات التقليدية رصده.
أحد أبرز الأمثلة كان فصيلة "هليغسون" النادرة التي تظهر لدى نحو 1% من البشر، وتتميز بمستويات منخفضة من بروتين CR1 المسؤول عن الدفاع المناعي.
أوضح الاكتشاف أن السبب يعود إلى تغير صغير في تسلسل الحمض النووي يمنع عامل النسخ من الارتباط بشكل صحيح، ما يؤدي إلى ضعف نشاط الجين وانخفاض مستويات البروتين.
تأثير التغيرات الجينية على فصائل الدم
وأظهر البحث أن هذا التغير الجيني أكثر شيوعًا بين المتبرعين بالدم في تايلاند مقارنة بالسويد، ما يتوافق مع دراسات سابقة تشير إلى أن انخفاض مستويات CR1 يوفر حماية طبيعية ضد الملاريا.
هذا يوضح كيف يمكن أن يمنح اختلاف جيني ميزة للبقاء في مناطق ينتشر فيها المرض، رغم أنه يضيف تحديات أمام اختبارات توافق الدم.
وتفتح النتائج الجديدة الباب لتطوير أدوات تشخيصية أكثر دقة، حيث يخطط الباحثون لتحديث الشرائح الجينية المستخدمة في فحوصات فصائل الدم لتشمل هذه المتغيرات، ما سيجعل عمليات نقل الدم أكثر أمانًا.
وأظهرت دراسات لاحقة في عام 2024 أن التغيرات التنظيمية الخفية يمكن أن تؤثر أيضًا على فصيلة RhD، حيث تم تحديد طفرة جديدة تقلل من مستويات هذا المستضد بشكل كبير.
إضافة إلى ذلك، توسع الباحثون في رسم خريطة تنظيمية شاملة شملت 47 جينًا، وكشفوا عن أكثر من 800 موقع محتمل للتحكم الجيني.
