هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظيفتك؟ إليك إجابة الخبراء
يرى البعض أن استبدال وظائف البشر أصبح مسألة وقت، كيف لا والشركات تميل بطبيعتها إلى الاعتماد على الحلول الأكثر كفاءة والأقل كُلفة؟ لماذا قد تُعيّنك شركة وتُثقل كاهل ميزانيتها لتتحمل راتبك، بينما تستطيع استئجار أو شراء روبوت لإنجاز عملك بكفاءة أعلى وفي وقتٍ أقل؟
لكن رُغم كل السيناريوهات السوداوية، يظل هذا الحديث المتشائم محصورًا في عدد من الوظائف، صحيحٌ أنه قد يكون عددًا كبيرًا، لكن مقابله، هناك عدد مُعتبر من الوظائف البعيدة عن هذا التهديد.
نستعرض في السطور التالية آراء أشهر الخبراء في المجال التقني؛ سنتعرف إلى رؤاهم بشأن هذا الموضوع، ثم نسرد -سريعًا- قائمة بالوظائف الآمنة وغير الآمنة، وفقًا أيضًا لآراء المختصين.
جيف بيزوس يطمئن المبدعين
نبدأ بمؤسس أمازون، الذي استغل كلمته في أسبوع التقنية الإيطالي Italian Tech Week 2025، وهو من أكبر المؤتمرات التقنية في أوروبا، للتحدث عن طرحٍ قد يراه البعض متناقضًا، حيث تواصل شركته الاستغناء عن الموظفين لصالح الأتمتة والروبوتات، بينما يجلس ليوجّه نصائح لمكافحة تسريح الموظفين!
لم يتحدث بيزوس عن مجال أو وظيفة بعيدة عن بطش الذكاء الاصطناعي، لكنه قال إن "أصحاب المهن الإبداعية ما زالوا في منطقةٍ آمنة نسبيًاـ لأن الذكاء الاصطناعي لا يزال عاجزًا عن توليد الأفكار الإبداعية من تلقاء نفسه".
وللتأكيد على فكرته، قال: "ضعني أمام سبورة وسأطرح 100 فكرة خلال نصف ساعة". يقصد بيزوس بهذه العبارة أن الإنسان، في الظروف الطبيعية، يستطيع طرح عشرات الأفكار دون توجيه أو "برومت" كما هو الحال مع الذكاء الاصطناعي.
وتابع: "لا أفهم كيف يمكن لأي شخص على قيد الحياة ألّا يكون متحفزًا. سيرفع الذكاء الاصطناعي من جودة كل الأعمال التجارية ويزيد إنتاجيتها. كل شركة تصنيع، وكل فندق، وكل شركة للمنتجات الاستهلاكية ستستفيد من الذكاء الاصطناعي؛ قد يكون هذا صعب الاستيعاب الآن، لكنه حقيقي. إن الوقت الراهن هو أفضل وقت للحماس بشأن المستقبل".
إذا تحدثنا بشكل أكثر عملية وموضوعية، سنرى أن جيف بيزوس متفاءل للغاية. هذا ليس مُستغربًا كون الرجل رابع أغنى شخص في العالم -لحظة كتابة هذه الكلمات- لكن ما لم نتمكن من تطوير ذكاء اصطناعي قادر على دفع رواتبنا، سيكون من الصعب أن ننظر إلى المستقبل بهذا القدر من الحماس، فهل من آراء أكثر واقعية؟
سيرجي برين: علينا العمل 60 ساعة لنستبدلك!
لمن لا يعرف سيرجي برين، فهو عالم حواسيب أمريكي-روسي ومؤسس مشارك في جوجل.
كتب برين مقالًا ساخرًا منذ أكثر من عام أكد فيه أننا نقترب من الذكاء الاصطناعي العام AGI يومًا بعد يوم، وأن المنافسة اشتدت بشكل قد يدفع الموظفين للعمل 60 ساعة أسبوعيًا، على الأقل، لابتكار آلات تستبدلهم في النهاية!
الطرح ساخر كما أشرنا، لكن لو حاولنا النظر إليه بجدية سنراه متفائلًا ومتشائمًا بدرجات مختلفة. متفاءل لأن فكرة العمل لمدة 60 ساعة أسبوعيًا شبه مستحيلة إذا عُممت، ومتشائم لأنها "شبه" وليست مستحيلة!
بيل جيتس: الأمر خطير، لكن تحت السيطرة!
أما مؤسس مايكروسوفت بيل جيتس فأكد أن مخاطر الذكاء الاصطناعي حقيقية، لكنه لم ينفِ إمكانية السيطرة عليها وإدارتها.
في تدوينة بعنوان "مخاطر الذكاء الاصطناعي حقيقية، لكن يمكن إدارتها"، برر جيتس الخوف من الذكاء الاصطناعي والقلق من فقدان الوظائف قائلًا إن ذلك "أمرٌ مشروع"، لكنه أردف أن التاريخ أثبت أن البشرية نجحت سابقًا في التعامل مع تحديات تقنية كبرى مثل السيارات والإنترنت وغيرهما.
وقال جيتس إن الذكاء الاصطناعي لا يزال في مراحله المبكرة، حيث لا تزال النتائج النهائية غير واضحة، لكنه أوضح أننا نستطيع التعلم من تجارب الماضي. ولفت بيل النظر -مثل بيزوس- إلى أن الآلة ستحقق لنا فوائد كبيرة في مجالات مثل الصحة، والتعليم، والتغير المناخي، لكنه لم يستبعد مخاطرها أيضًا.
كما حذر مؤسس مايكروسوفت من سلبيات هذه التقنية المتقدمة، مثل انتشار المعلومات المضللة وتقنيات التزييف العميق، وغيرها.
فيما يخص سوق العمل تحديدًا، وهذا أكثرُ ما يهمنا الآن، يرى جيتس أن الذكاء الاصطناعي سيزيد الإنتاجية، وبينما يعترف بأنه سيستبدل الكثير من الوظائف، يُقر بأن بعضها -مثل التي تعتمد على التفاعل الإنساني كالتعليم والرعاية الصحية- لن يتأثر.
سام ألتمان والنظرة الأكثر تشاؤمية!
في مقالٍ خاص، استعرض المدير التنفيذي لـ OpenAI تجربته الشخصية مع تطور الذكاء الاصطناعي منذ تأسيس الشركة. أولًا، أكد ألتمان أن الهدف كان بناء ذكاء اصطناعي عام AGI يؤثر في تاريخ البشرية، ثم أشار إلى أن إطلاق ChatGPT في 2022 كان بمثابة نقطة التحول في عالم التقنية، وهذا نشهده جميعًا بأنفسنا.
أما على مستوى الرؤية المستقبلية فيما يتعلق بمستقبل الوظائف، فامتلك ألتمان نظرة سوداوية واضحة، حيث قال في مقالٍ آخر إن الذكاء الاصطناعي سيغير سوق العمل ويستبدل أو يعيد تشكيل ملايين الوظائف، خصوصًا القائمة على مهام روتينية ومتكررة.
ألتمان أوضح أن وظائفَ مثل إدخال البيانات ستصبح في خبر كان، وأشار إلى أن أنظمة الذكاء الاصطناعي قد تنضم فعليًا إلى سوق العمل وتؤثر على إنتاجية الشركات. ومع ذلك، لم يكن حديث الرجل كله سلبيًا، حيث أشار إلى إمكانية ظهور فرص جديدة وتحقيق نمو اقتصادي كبير بفضل الذكاء الاصطناعي الذي سيؤثر على الوظائف سلبًا!
إيلون ماسك: الذكاء الاصطناعي تسونامي!
أما أغنى رجل في العالم، فقدم رؤية لا تقل حدة عن ألتمان، وللمفارقة، يمتلك الاثنان تاريخًا مشتركًا مثيرًا كنا قد تحدثنا عنه سابقًا.
على خطى ألتمان، يرى ماسك أن الذكاء الاصطناعي سيجرف الوظائف المكتبية بسرعة كبيرة، مشيرًا إلى أن أي عمل روتيني يعتمد على الجلوس أمام الحاسوب وإنجاز مهام رقمية سيكون عرضة للاستبدال بسرعة "البرق"!
ماسك ربط بين ما حدث الآن وما حدث عندما استبدلت الحواسيب الحسابات اليدوية، وفي المقابل، أوضح أن الوظائف التي تعتمد على العمل الجسدي أو التفاعل الإنساني المباشر ستبقى لفترة أطول، وهذه الوظائف تشمل الزراعة، والطهي، وأعمال البناء، إلخ.
وقال ماسك شيئًا جميلًا للغاية يلخص رؤاه، وهو أن "تحريك الذرات" لا يزال أكثر تعقيدًا بالنسبة للآلات من التعامل مع البيانات الرقمية.
ساتيا ناديلا: جهّزوا أنفسكم!
يقدم الرئيس التنفيذي لمايكروسوفت ساتيا ناديلا رؤى واقعية وصريحة بشأن تأثير الذكاء الاصطناعي على الوظائف، إذ يؤكد أن الاستبدال قادم قادم، ويحذر من التخلّف عن الركب.
بخلاف من سبقه في هذا التقرير، يقول ناديلا إن الذكاء الاصطناعي سيؤثر بشكل خاص على مجالات تتطلب إبداعًا مثل تطوير البرمجيات، حيث سيسهم -على حد وصفه- في خفض الحواجز للدخول إلى المجال، وفي الوقت نفسه سيزيد من إنتاجية المطورين المحترفين ويؤثر على الأقل كفاءة، وهم الغالبية.
وقال ناديلا إن الحل مع الذكاء الاصطناعي ليس مقاومته، بل التكيف معه. ويرى أن أفضل وقاية من فقدان الوظيفة هي فهم هذه الأدوات الجديدة واكتساب المهارات المرتبطة بها.
ساندر بيتشاي: قد يستبدلني شخصيًا!
وبالنسبة للمدير التنفيذي لجوجل، العبقري الهندي ساندر بيتشاي، فقدم طرحًا مثيرًا للاهتمام ومختلفًا نسبيًا عن بقية قادة التقنية. ألمح بيتشاي إلى إن الذكاء الاصطناعي يمكنه استبدال كل الوظائف، وقال إن وظيفته قد تكون من "أسهل الوظائف" التي يمكن للآلة أن تستبدلها في المستقبل.
ومع ذلك، وكأي مدير أو مسؤول دبلوماسي، قال ساندر بيتشاي إن الذكاء الاصطناعي لن يُلغي الوظائف، لكنه "سيحولها" و"يطورها"، كما طرح إمكانية مساعدة الأشخاص مستقبلًا على تحسين جودة حياتهم وأكد أن قدرات الآلة التي يتحدث عنها لم تكتمل بعد وأن هناك مراحل تطوير لا تزال قيد التنفيذ قبل الوصول إلى المستوى المشار إليه.
مسؤولو آبل وبارقة الأمل
أخيرًا، يقدم مسؤولو آبل موقفًا مختلفًا نسبيًا عن كثير من قادة وادي السيليكون، إذ يميلون إلى تقليل فكرة استبدال البشر في القيادة رغم الاعتراف بقوة الذكاء الاصطناعي.
قال الرئيس التنفيذي للشركة تيم كوك إن آبل لا ترى الذكاء الاصطناعي بديلًا للإدارة البشرية، حتى على المدى الطويل. ويرى كوك أن البشر سيظلون المسؤولين عن وضع الرؤى واتخاذ القرارات المهمة، بغض النظر عن مدى تطور التقنية. وعلى الرغم من أنه لم يركز في حديثه على المناصب الأقل أهمية، فإن توجهه واضح، نوعًا ما.
وظائف شبه آمنة وأخرى مُهددة
نأتي الآن للحديث عن الوظائف نفسها، لكن قبل ذلك من المهم معرفة أن نحو 27% من الوظائف مُعرضة لخطر الأتمتة، وذلك وفقًا لتقرير من منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OCED لعام 2023. بالتأكيد تغير الوضع كثيرًا الآن ولا بد وأن النسبة قفزت إلى رقمٍ مخيف، لكن الفكرة تظل واحدة.
على الجانب الآخر، هناك مجموعة من الوظائف التي لا زالت آمنة من بطش الذكاء الاصطناعي، مثل:
1. التمريض والدعم النفسي
من أقل المهن عُرضة للاستبدال بوساطة الذكاء الاصطناعي، حيث تعتمد في المقام الأول والأخير على الإنسان والمشاعر البشرية. تخيل أن يخرج أحدهم من غرفة العمليات ويُفاجأ بروبوت يقدم له دعمًا نفسيًا أو يقيّم حالته! بالتأكيد سيكون الأمر غريبًا!
2. الأطباء والمختصون النفسيون
الفكرة نفسها تنطبق على الأطباء والمختصين النفسيين والاجتماعيين، لأن جوهرها قائم على العلاقة الإنسانية المباشرة. هذه الفئة تحديدًا لا يمكن الاستغناء عنها لأنها تؤتمن على المرضى وأسرارهم، أما الروبوتات، حتى لو صرّحت شركاتها المطورة بأنها تقدس الخصوصية، فقد تتعرض للاختراق بسهولة، فضلاً عن غرابة الجلوس أمام روبوت للبوح بما في خاطرك، أليس كذلك؟
3. معلمو الطفولة المبكرة
يعتمد التعليم في هذه المرحلة على التفاعل الإنساني المباشر والارتباط العاطفي بين المعلم والطفل. كذلك يعتمد هذا النوع من التعليم على تهدئة الأطفال ودعمهم عاطفيًا وطمأنتهم بشأن بيئتهم الجديدة، كما يلاحظ التغيرات الإنسانية مثل الانعزال أو التنمر ويقوّم الأطفال، وهذه أشياء يصعب تخيل الذكاء الاصطناعي يفعلها.
4. الوظائف الحرفية
الواضحات لا توضّح، لكن الحرف الفنية مثل السباكة والنجارة وما إلى ذلك هي حرف مقاومة للأتمتة، على الأقل في الوقت الراهن. ربما تغزو الشركات العالم بروبوتاتها وتصنيع "فني كهربائي آلي" أو "سباك آلي"، لكن هذا مُستبعد حاليًا.
5. المبدعون
كما قال جيف بيزوس، وغيره، فإن استبدال الذكاء الاصطناعي للمبدعين ليس بهذه السهولة، فبالرغم من التطور الكبير للآلة، لا تزال بعيدة عن قدرات البشر وأصالتهم في معظم المجالات مثل الأدب، والسينما، والصحافة التحليلية والفكرية، والموسيقى، والقائمة تطول.
وظائف معرضة للخطر
على النقيض، هناك وابل من الوظائف المهددة بالانقراض قريبًا. معظم هذه الوظائف يمكن وصفها بالروتينية، حيث تتبع قالبًا معينًا يمكن محاكاته، على سبيل المثال:
1. موظفو إدخال البيانات
2. موظفو خدمة العملاء
3. موظفو الكاشير والاستقبال
4. وكلاء السفر التقليديون
5. عمال الخطوط الإنتاجية المتكررة
بعض الشركات لا تستطيع الاستغناء عن بعض هذه الوظائف حاليًا، مثل خدمة العملاء، حيث يفضل الزبائن التعامل مع بشر بدلًا من آلات، لكن هذا قد يتغير في المستقبل القريب مع تطور قدرات الآلة.
