المهام التي لا يحبها أحد: فن إدارتها وتوزيعها بذكاء
في بيئات العمل غالباً ما ينصب الاهتمام على المشاريع الإستراتيجية والإبتكار وعلى المبادرات التي تتضمن الإنجاز والتغيير. غير أن القادة الأكثر خبرة يعرفون أن استقرار أي مؤسسة لا يقوم على هذه المشاريع وحدها، بل يعتمد أيضاً على ما يمكن تسميته بـ“أعمال الظل”، تلك المهام الروتينية المرهقة وغير المرغوبة التي لا يتسابق أحد لتوليها و لكنها ضرورية لاستمرار العمل.
قد تكون هذه المهام إدخال بيانات، أو تدقيقًا في تقارير طويلة، أو متابعة عميل صعب أو تحمل أعباء إضافية لتعويض غياب زميل. هذه المواقف تتكرر يومياً في مختلف المؤسسات، من الشركات الكبرى إلى الفرق الصغرى ومن القطاعات التقليدية إلى غير التقليدية.
في مثل هذه المواقف يواجه القادة معضلة مألوفة: العمل يجب أن ينجز، ولكن لا يوجد من سيتطوع للقيام به. كثير من المديرين يحاولون “تسويق” المهمة إما بإبراز أهميتها، أو تقديم الحوافز أو التلويح بفرص مستقبلية. وفئة أخرى تعتمد على السلطة المباشرة مستخدمة التسلسل الهرمي لفرض الامتثال.
غير أن الأبحاث تشير إلى أن هذه الأساليب رغم اختلافها غالباً ما تفشل في تحقيق الالتزام الحقيقي. فوفق دراسة حديثة نشرت في مجلة “هارفرد بيزنس ريفيو” ما يصنع الفرق هنا، ليس الإقناع ولا الحوافز، بل عامل آخر هو القبول.
لماذا نتجنب بعض المهام رغم أهميتها؟
عادةً يميل الموظف إلى تجنّب المهام التي يراها “غير مبررة”، والتي قد تكون إما غير ضرورية مثل الأعمال المكررة أو الروتينية التي لا تضيف قيمة حقيقية، أو غير المعقولة، كالمهام المستحيل إنجازها أو التي تتعارض مع الواجبات الأساسية. هذا الواقع يولّد إحساسًا ويؤدي إلى الإحباط.
كما تتعارض هذه المهام مع رغبة الأفراد في القيام بأعمال ذات معنى وقيمة تستفيد من مهاراتهم وخبراتهم. عندما يتم تكليف الموظف بها، غالبًا ما يشعر بالملل أو الغبن، خصوصًا إن ارتبطت بوصمة “متدنية المكانة”. أما المهام الكبيرة والمستحيلة فتثير القلق والتوتر، ما يؤثر على الروح المعنوية.
باختصار، تجنّب القيام بهذه المهام ليس كسلًا، بل هو رد فعل طبيعي تجاه بيئة عمل لا تتوافق مع التوقعات المهنية والشخصية، ما يجعل توزيعها مسؤولية قيادية حساسة تتطلب ذكاءً ومهارة.
علم نفس القبول وأثره على الالتزام بالمهام غير المحببة
يميل البشر بطبيعتهم إلى تبرير خياراتهم بعد اتخاذها، حيث يركزون على الإيجابيات ويتجاهلون السلبيات، ومن ثم يشعرون بالرضا عن قرارهم. هذا يساعدهم على التكيف والشعور بالراحة مع ما اختاروه، وذلك وفق دراسة Cognitive Consequences of Forced Compliance. يحدث هذا لأن أدمغتنا تسعى للحفاظ على الانسجام بين الأفعال والأفكار، وعندما يحدث تعارض بينهما، تتغير المواقف لأجل إعادة هذا الانسجام.
حتى عندما لا يختار المهمة بنفسه، يمكن أن يحدث شيء مشابه: إذا قبل المهمة واعتبرها جزءًا من عمله اليومي، سيبدأ بالتعامل معها بجدية. القبول هنا لا يعني بالضرورة الإعجاب بالمهمة، بل يعني الاعتراف بها كواقع حتمي يجب التعامل معه.
وكلما زاد القبول، أصبح الموظف أكثر التزامًا وأقل تذمرًا. هي بكل بساطة تحول عقلية الموظف من “هذا لن يحدث” إلى “هذا يحدث”، مع تغير في طريقة التعامل معها.
وقد أثبتت دراسة “المهام غير المشروعة، إخفاء المعرفة وتآكل الأداء: Bounded Rationalization: The Role of Acceptance in Postchoice and Postassignment Rationalization” هذه النظرية عمليًا. ففي 7 تجارب شملت أكثر من 2,500 موظف طُلب منهم تقييم خيارين متشابهين، ثم أُسند لكل واحد منهم أحد الخيارين. بعد فترة طُلب منهم إعادة تقييم الخيارين، وأظهرت النتائج تحول المواقف لصالح الخيار الذي أُسند إليهم، وكان هذا التغير أقوى عندما شعر المشاركون بالقبول للنتيجة.
التكلفة الخفية لتجاهل المهام غير المحببة على الأداء العام
قد يظن المدير أن المشكلة الكبرى في المهام غير المرغوب بها هي مجرد تأخر الإنجاز، لكن الحقيقة أعمق بكثير؛ فهذه المهام تهدد ثقافة التعاون في المؤسسة.
عندما يُكلَّف الموظف بمهمة يراها بلا معنى أو غير منطقية، يشعر أن كفاءته ومهاراته لا يجري تقديرهما، وهنا يتحول الموظف إلى سلوك دفاعي، بحيث يحتفظ بخبراته ومعلوماته عن الفريق كنوع من الانتقام الصامت أو للحفاظ على قيمته المهنية.
دراسة حديثة شملت 250 موظفًا حملت عنوان Illegitimate Tasks, Knowledge Hiding, and Performance Erosion (المهام غير المشروعة، وإخفاء المعرفة، وتآكل الأداء)ونُشرت في “ناشيونال ليبراري أوف ماديسن” أظهرت أن الموظف الذي يشعر بالاستياء من نوعية مهامه يميل إلى إخفاء معلوماته وخبراته عن الفريق بنسبة تصل إلى 32٪، ما يؤدي إلى انخفاض جودة الأداء العام بنسبة 14٪.
ويمكن تقسيم أثر المهام غير المحببة وفق نوعيتها كالتالي:
المهام غير الضرورية: المهام التي يمكن أتمتتها أو التي تبدو بلا هدف واضح تُعد المحرك الأكبر لإخفاء المعلومات، فالموظف يشعر أنه يتم هدر وقته فيرد المعاملة بالمثل.
المهام غير المعقولة: وهي المهام التي تقع خارج نطاق تخصص الموظف، وهي عادة لا تسبب انخفاضًا فوريًا في الأداء، لكنها تبني حواجز نفسية طويلة الأمد. الموظف قد ينجز المهام، لكنه سيتوقف عن المبادرة، ما يؤثر على العمل الجماعي.
تآكل الأداء مع مرور الوقت: الانخفاض الذي ذكرناه في الأداء، والذي بلغت نسبته 14٪، هو تراكمي وليس لحظيًا، مثل كرة الثلج التي تبدأ بتململ بسيط من مهمة إدارية وتنتهي بانخفاض حاد في الإنتاجية.
ولعل أخطر ما توصلت إليه الدراسة هو أن إخفاء المعلومات يقلل جودة النتائج للفريق ككل، ما يضطر المدير إلى طلب تعديلات أو مهام إضافية لإصلاح الأخطاء، فتُضاف مهام “غير محببة” إضافية إلى المهمة غير المحببة الأصلية، وهكذا ندخل في حلقة مفرغة من الاستياء وتراجع الأداء.
ولكن يمكن للقادة تقليل هذه الأضرار من خلال تعزيز ثقافة القبول، حيث يبدأ الموظف بتقبل المهام غير المحببة كواقع حتمي، ويصبح أكثر استعدادًا للالتزام والأداء بكفاءة حتى في المهام الأقل جاذبية.
اقرأ أيضًا: الانضباط المالي: الفرق بين النجاح المؤقت والدائم
استراتيجية القادة في التعامل مع المهام غير المحببة
لا يستطيع القادة جعل كل مهمة جذابة بالقدر نفسه، فالمهام المملة او الصعبة جزء لا يتجزأ من أي عمل. ومحاولة بث الحماس القسري في هذه الأعمال مثل وصف مهمة روتينية مملة على أنها “فرصة رائعة” قد تبدو ادعاء مبالغًا به، ما يضعف المصداقية ويجعل الموظفين يرفضون القيام بها لفترة أطول.
ما هو دور القيادة في إدارة الأعمال غير المرغوبة؟
القيادة الحقيقية لا تعتمد على الإقناع أو “بيع” المهام، بل تقوم على 3 أمور أساسية، وهي الوضوح والحسم والعدالة، وذلك وفق مقالة “عندما عليك توزيع المهام التي لا يريد أحد القيام بها” المنشورة في مجلة “هارفرد بيزنس ريفيو”.
الوضوح: شرح السبب المنطقي للمهمة بوضوح تام، مثل: “نحتاج إلى هذا التقرير لتجنب غرامات الامتثال، وسيستغرق يومين من وقتك”. هذا يجعل الموظف يفهم الصورة الكاملة دون غموض.
الحسم: على القائد أن يظهر أن القرار نهائي، مع لمسة مرونة بسيطة مثل السماح باختيار توقيت التنفيذ أو طريقة التعامل. هذه المقاربة تقلل من إمكانية الدخول في نقاش طويل حول المهمة.
العدالة: على القائد أن يضمن أن التوزيع يعتمد على معايير موضوعية، مثل تدوير المهام بين الفريق أو ربطها بالمهارات. ويمكن تحقيق هذه العدالة من خلال 3 مقاربات:
المقاربة الأولى تقوم على نظام التدوير، بحيث يعلم الجميع أن دورهم في المهام الروتينية مؤقت، ما يزيل الشعور بأن الاستهداف شخصي.
المقاربة الثانية هي ربطها بالتطوير، كتحويل المهمة إلى فرصة للتعلم، مثل أتمتتها من خلال الذكاء الاصطناعي لتوفير الوقت على الفريق مستقبلًا.
المقاربة الثالثة هي الشفافية الكاملة، من خلال إظهار حجم العمل الخفي ليدرك الفريق أهمية مساهمتهم.
وتبقى المقاربة الأفضل، والتي لا تحتاج إلى دراسات لإثبات فعاليتها، هي القيادة بالمثل؛ أي مشاركة القائد نفسه في أداء مهام بسيطة، بحيث يظهر للموظفين أنه لا يوجد عمل “أقل قيمة”، فتنظيف قاعدة البيانات يحمي سمعة الشركة، ومراجعة الأرقام تمنع الغرامات.
وقبل التكليف، على القائد أن يسأل نفسه إن كانت المهمة فعلًا ضرورية، فبعض المهام غير المرغوبة قد تكون إرثًا إداريًا قديمًا، وإلغاؤها هو أفضل مكافأة للجميع.
باستخدام هذه المقاربات تُبنى ثقافة احترام وشفافية، تحول الامتثال المتردد إلى أداء موثوق. المهام غير المرغوبة أمر لا مفر منه في أي مؤسسة.
والمطلوب ليس جعلها محببة، بل كيف نضمن التعامل معها بجدية. ومن خلال اعتماد المقاربات الصحيحة، يمكن تحويل الامتثال المتردد إلى أداء موثوق يدعم الفريق بأكمله.
