ما هي الفخامة الهادئة Quiet Luxury ولماذا تستحق اهتمامك؟
في الماضي، ارتكز تعريف الموضة على الشعارات الضخمة، والألوان الصاخبة، حتى ترندات وسائل التواصل الاجتماعي؛ حيث كانت الأناقة تُقاس بمدى جذبها للانتباه لا بعمق قيمتها.
ورغم وجود استثناءات بطبيعة الحال، ظلّ هذا التصوّر هو السائد، فيما بقي كل ما يخرج عنه خارج الإطار العام.
ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: على أي أساس ينبغي أن تُقيَّم الموضة حقًا؟ ولماذا ارتبط مفهوم «الثمن المرتفع» في وعينا بالضجيج البصري أكثر من ارتباطه بالجودة والقيمة الحقيقية؟ هذا بالضبط ما تسعى الفخامة الهادئة (Quiet Luxury) إلى إعادة تعريفه والإجابة عنه.
ما هي الفخامة الهادئة؟
"الفخامة الهادئة Quiet Luxury" -كفكرة- موجودةٌ منذ عشرات السنين. لكن المصطلح بدأ يشيع في عصر وسائل التواصل منذ 3 أعوام تقريبًا، تحديدًا عندما ظهرت صانعة المحتوى "صوفيا ريتشي Sofia Richie" على تيك توك في فيديو من نوع "Get Ready with Me".
صوفيا كانت تصور نفسها وهي تتجهز لعشاء في جنوب فرنسا قبل حفل زفافها الفخم، وفي الفيديو، كانت تشرح لمتابعيها كيف تختار الملابس والاكسسوارات.
أسلوبها واختياراتها كانا بسيطين وأنيقين في الوقت نفسه، وعلى الرغم من أن القطع كانت تبدو عادية، فإنها كانت راقية للغاية.
هذا جوهر المفهوم؛ أن تكون الملابس فاخرة وعالية الثمن والقيمة دون أن تبدو كذلك شكليًا (لا بأس من الجمع بين الاثنين).
كيف أسهمت التقنية في نشر مفهوم الفخامة الهادئة؟
في منتصف العقد الماضي، تحوّلت منصات التواصل، وعلى رأسها إنستجرام، إلى محرك أساسي لعالم الفخامة. في تلك الفترة، ولا يزال إلى حد ما اليوم، كان كل شيء مبالغًا فيه، وإذا أعدت النظر ستلاحظ أن عالم الموضة كان حينها مُصمّمًا للانتشار كالفيروسات.
لكن الانتشار المبالغ فيه أتى بنتائج عكسية وقتل مفهوم الندرة، ومع تكرار الأنماط نفسها على الشاشات، بدأ المستهلك يشعر بالملل ويبحث عن العناصر المميزة حقًا، التي غالبًا ما كانت بعيدة عن التسوق الرقمي.
بلغت هذه الظاهرة ذروتها مع فترة الجائحة التي سرعت التحول الرقمي في الشراء، لكنها في الوقت نفسه فضحت حدوده، إذ عندما عادت المتاجر الحقيقية، بدأنا نبحث عما يستحق، وليس عما هو جديد.
تطور مفهوم الفخامة الهادئة
في التسعينيات وبداية الألفية، ظهر مفهوم "الثراء الخفي Stealth Wealth"، إذ أصبح التركيز على جودة القطعة وقيمتها الحقيقية أهم بكثير من شكلها الخارجي الصارخ؛ وصار إظهار المكانة وقتها من خلال الخامة والإتقان، وليس الاستعراض.
أما اليوم، فقد بدأ المفهوم يرتبط بقيم أكثر حداثة من الموضة نفسها، وأصبح يتقاطع مع مفاهيم مثل "الاستهلاك الواعي"، والاستدامة، وغيرهما. إن اختيار الملابس لم يعد يعكس الذوق فحسب، بل أسلوب الحياة وطريقة التفكير بشكل عام.
هل "الفخامة الهادئة" مرادف لرخص السعر؟
الواقع بخلاف ذلك، فمن المعايير التي تؤهل قطعة الملابس أو العلامة لتجسيد مفهوم "الفخامة الهادئة":
1. السعر المرتفع نسبيًا: وهنا لا يكون السعر مرتفعًا للاستعراض، لكن نتيجة طبيعية لجودة الخامات ودقة التنفيذ وطول عمر القطعة.
2. غياب الشعارات المبالغ فيها: تفترض العلامة أن من يعرفها جيدًا لا يحتاج إلى تذكير بصري مباشر بها.
3. التمسك بهوية تصميمية ثابتة: تُركز العلامات على القصات الكلاسيكية والهوية الأساسية بدلًا من الصيحات المؤقتة التي تختفي بمجرد اختفاء التريند.
اقرأ أيضًا: خلف فخامة بيركين.. اتهامات تضع هيرميس تحت مجهر الخصوصية
علامات تُجسد "الفخامة الهادئة"
من العلامات التي تُطبق مفهوم الفخامة الهادئة بوضوح هيرميس Hermès وشانيل Chanel. فيمكن التعرف على هذه القطعة أنها من هيرميس بمجرد رؤية عناصرها المعدنية المستوحاة من عالم الفروسية، سواء في أحذية مثل Loafer، أو القفل الصغير الذي يُعلَّق أحيانًا على حقائب مثل Birkin أو Kelly.
كذلك يمكنك أن تُميز شانيل بقماش التويد الواضح في الجاكيتات والبدل النسائية أو الجلد المحيك على شكل "المُعين"، والمميز لحقائب مثل "Classic Flap" و"2.55".
المشترك بين هيرميس وشانيل، وبقية العلامات التي تُجسد المفهوم نفسه، أنها مميزة بتفاصيلها الدقيقة وخاماتها القوية، ولا تحتاج أن تُبرز الشعار حتى تُعرَف لدى الجميع، هذا ليس ما تهدف إليه هذه العلاملات.
هذه العلامات تستهدف فئة معينة من المستهلكين، ويمكننا أن نقول إنها من تنتقيهم وليس العكس. انظر مثلًا إلى "لورو بيانا Loro Piana" التي تُعرف بقوائم انتظارها الطويلة والتي يقال إنها تتبع خلفية المُستهلك وتاريخ مشترياته قبل الموافقة، أو " برونيلو كوتشينيلي Brunello Cucinelli" التي تختار زبائنها بناءً على قيمهم الشخصية والتوافق مع فلسفتها الهادئة.
كيف تنتهج "الفخامة الهادئة"؟
العملية بسيطة؛ اسأل نفسك قبل شراء قطعة جديدة:
1. هل يمكنني أن أستخدم هذه القطعة في أكثر من مناسبة؟ هل ستكون عملية ومريحة حقًا؟
2. هل تتماشى هذه القطعة مع الصورة التي أود أن أبدو عليها بعد 5 سنوات، أم ستفقد قيمتها مع الوقت؟ هل هذه القطعة تتبع مفهوم "التصميم الخالد Timeless design"؟
هل "الفخامة الهادئة" تقتصر على فئة معينة؟
يمكنك أن تبدأ بتطبيق مفهوم الفخامة الهادئة بالبحث عن خيّاط محترف في بلدك أو مدينتك. ما دام هذا الخياط يستطيع أن يصنع لك قطعة فريدة بالكامل مع التزام المعايير التي ناقشناها خلال هذا التقرير، فأنت تسير على النهج الصحيح.
في النهاية، تذكر أن الفخامة الهادئة ليست مجرد أسلوب أو طريقة في ارتداء الملابس، بل فلسفة حياة تدعو إلى الوعي في الاختيار وتحقيق مفاهيم أوسع وأعمق مثل الاستدامة وتقليل الهدر واحترام المورد والجهد الإنساني.
