لماذا يصبح «الدخيل» عنصرًا حاسمًا في استدامة الشركات العائلية؟
تبنى الشركات العائلية على الثقة، وعلى الروابط العائلية، وعلى قصص تنتقل من جيل لآخر. قوتها الحقيقة تكمن في القيم والالتزام والشعور بالمسؤولية تجاه الاسم والإرث. ولكن هذه القوة نفسها قد تتحول، في بعض المراحل، الى نقطة ضعف خفية.
لفترة طويلة كان الاعتقاد السائد أن بقاء الإدارة داخل العائلة هو الضمان للاستمرار. لكن عالم الأعمال تغير، والأسواق أصبحت أسرع وتسير على إيقاع عالم تقني متغير يفرض قواعد جديدة كل يوم، وباتت المنافسة عالمية وشرسة.
كل هذه العوامل تقود الى خلاصة واحدة وهي أن ما كان ناجحاً بالأمس، قد لا يكون كافياً اليوم.
المدير الخارجي للشركات العائلية
وهنا يبرز دور “الدخيل” أو المدير الخارجي أو الشريك من خارج العائلة، ليس لإقصاء العائلة ولا المساس بقيمها، بل لإضافة منظور مختلف وخبرة مهنية وقرارات أقل تأثراً بالعاطفة والعلاقات العائلية.
كثير من الشركات العائلية الناجحة اليوم لم تحافظ على مكانتها إلا عندما فتحت الباب لشخص من خارج العائلة وفي اللحظة المناسبة.
ولكن قبل أن نتطرق إلى الفرق الذي يمكن أن يحدثه “الدخيل”، من الأهمية بمكان فهم التحديات التي تواجه هذه الشركات.
تحديات الشركات العائلية
تمثل الشركات العائلية ما بين 80 الى 90٪ من الشركات حول العالم، وتسهم بأكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي العالمي. ورغم قوتها تواجه تحديات تهدد من نموها واستمراريتها، خصوصاً عندما تتحول قوتها الحقيقية المتمثلة بالثقة والقيم والإرث إلى نقاط ضعفها.
ومن أبرز هذه التحديات:
قصر الرؤية الجيلية: بسبب اختلاف نظرة الأجيال إلى الاستراتيجية والاستثمارات.
صراع العواطف والعلاقات: القرارات أحياناً تتخذ بناء على الولاء العائلي وليس الأداء.
محدودية الخبرة الخارجية: قلة التعرض لأفضل الممارسة العالمية في التسويق مثلاً أو سلاسل التوريد العالمية أو الابتكار.
صعوبة التغيير والتمسك بالتقاليد: الإصرار على التمسك بالطرق القديمة يعيق التكيف مع الأسواق الحديثة.
فقاعة الثقة العائلية: الترقية بناء على القرابة تقلل التنوع في القيادة والتفكير.
تنعكس هذه التحديات في أرقام صادمة؛ إذ إن نحو 70% من الشركات العائلية لا تصل إلى الجيل الثاني، بينما لا يتجاوز من يصل إلى الجيل الثالث 30% فقط، وفقًا لدراسات عالمية، من بينها أبحاث نشرتها مجلة “هارفرد بيزنس ريفيو”.
والحل الإستراتيجي الذي أثبت فعاليته هو “ الدخيل” أو المدير الخارجي الذي يضيف منظوراً مختلفاً وخبرة مهنية لتعزيز الشركة في اللحظة المناسبة.
فما الذي يمكن للدخيل او المدير الخارجي فعله للشركات العائلية؟
ملء فجوة المهارات
كثير من الورثة ينشأون داخل الشركة ويعرفون تفاصيل إداراتها داخلياً، لكنهم غالباً ما يفتقرون الى المهارات المتخصصة التي تتطلبها الأسواق المعقدة والسريعة اليوم. حتي أكثر أفراد العائلة تفانياً قد يواجهون فجوة في المهارات، ولا يتوقع أن يكونوا على دراية كاملة بكل تفاصيل التوسع في أسواق جديدة، خصوصاً تلك التي تتطلب خبرة متخصصة.
هذه الفجوة خطيرة لأنها تمنع الشركة من التوسع أو تجعلها تكرر الأخطاء القديمة، ما يؤدي إلى خسائر متكررة وتراجع تنافسي. هنا، يأتي دور المدير من خارج العائلة ( الدخيل) الذي يمتلك الخبرة في الأسواق الناشئة، وسلاسل التوريد العالمية، أو الاستراتيجيات التشغيلية المتقدمة، ليملأ هذه الفجوة بسرعة ويساعد الشركة على النمو بثقة.
على سبيل المثال، في عام 2006، سلّم “بيل فورد” منصب الرئيس التنفيذي لشركة “فورد” إلى “آلان مولالي”، القادم من شركة “بوينج“. كانت “فورد” حينها تخسر مليارات الدولارات وتواجه خطر الإفلاس.
استحدث “مولالي” خطة “فورد واحدة One Ford” التي ركزت على إنتاج نماذج سيارات أقل عالمياً، ومشاركة الأجزاء بينها وتحسين الجودة، مع ثقافة اجتماعات أسبوعية يعترف فيها المديرون بمشكلاتهم بدلاً من إخفائها. والنتيجة؟
ارتفاع المبيعات وتجنب الإنقاذ الحكومي الذي امتد إلى “جنرال موتورز” و” كرايسلر”.
اقرأ أيضًا: برامج الولاء: استراتيجية الشركات الناشئة للاحتفاظ بالعملاء
دعم النمو السريع والتوسع
عندما تنتقل الشركة العائلية من السوق المحلي إلى التوسع العالمي تتضاعف التعقيدات، لأن فتح فروع جديدة أو إطلاق تطبيق للعملاء أو إدارة 10،000 موظف بدلاً من 1،000 يتطلب أطر عمل ثابتة، وخططًا جاهزة مستفادة من تجارب شركات عملاقة أخرى. فالحدس العائلي الذي نجح في العمل محلياً غالباً ما يفشل عند التعامل مع توسع بهذا الحجم.
المدير الخارجي أو الدخيل يجلب هذه المعرفة من شركات معروفة ويضيف مصداقية تجذب المستثمرين الكبار الذين يثقون بالسيرة المهنية العالمية “للدخيل” اكثر من القرابة العائلية. بدون هذه الخبرة، تفشل حوالي 60٪ من محاولات التوسع العالمي للشركات العائلية خلال السنوات الخمس الأولى وفقاً لتقرير “ماكينزي” حول الشركات العائلية.
وأبرز مثال على ذلك هو شركة “أديداس” التي واجهت منافسة قوية من “نايكي” في التسعينيات. وجاء “روبرت لويس - دريفوس”، الدخيل السويسري، رئيسًا تنفيذيًا، وقاد توسع الشركة في أمريكا وآسيا، وأدار التسويق بكفاءة، ما جعل الشركة عالمية دون أن تعرقلها الخلافات العائلية.
المدير الخارجي هنا لا يمثل بديلاً للعائلة، بل هو المهندس الذي يبني جسور النمو محافظاً على القيم الأساسية.
إدارة الأزمات بالحياد والهدوء
تضرب الأزمات مختلف الشركات: من ركود اقتصادي أو وفاة المؤسس إلى فضائح أو منافسين جدد. لكن في الشركات العائلية، تتحول هذه الأزمات إلى كوارث بسبب الصراعات العاطفية.
فقد يتأخر طرد مدير تسبب بمشكلة كبيرة لأنه “قريب المؤسس”، أو يتمسك الجميع بمسار ثابت لأنها “طريقة الجد”. هذه الأنماط من التفكير تؤخر اتخاذ القرارات الحاسمة.
المدير الخارجي في هذه الحالة يعمل كحكم محايد، يعتمد على الأرقام والحقائق بدل العلاقات. هو أشبه بجراح، يزيل ما يعرقل تقدم الشركة بسرعة ودقة دون تردد.
الحياد يمكن “الدخيل” من تقييم الأخطار، ووضع خطط فعالة، وإعادة هيكلة العمليات بسرعة، ما يحمي الشركة من الخسائر ويحافظ على استقرارها.
أبرز مثال على ذلك هو الفوضى التي وقعت فيها “فيرساتشي” عقب مقتل “جياني فيرساتشي” عام 1997. فحدثت خلافات عائلية، وظهرت تصاميم متضاربة واهتزت ثقة السوق بالشركة.
تدخل مستشارون خارجيون لتثبيت الاتجاه التجاري، وتوحيد الأسعار، وإعادة بناء الشراكات واستعادة ثقة العملاء، ما مهد لاحقاً للبيع الناجح للشركة مع الحفاظ على اسمها الأيقوني.
كذلك واجهت شركة “مارس إنك” ركوداً في النمو عام 2015، فاستعانت ”بجرانت ريد” رئيسًا تنفيذيًا ليعيد هيكلة الشركة بعض النظر عن الروابط العائلية. اتخذ ريد قرارات جريئة بتنويع المنتجات وبيع العلامات الأقل ربحية، ما أعاد للشركة نموا مستداماً رغم المنافسة الشرسة.
بهذه الطريقة يصبح الدخيل أداة استراتيجية لإنقاذ الحركة من خلال حسم القرارات بسرعة وإعادة هيكلة الشركة بناء على الحقائق لا النسب.
الابتكار والرؤية الجديدة
غالباً ما تبنى الشركات العائلية الناجحة قوتها على التقاليد والنهج الذي أثبت فعاليته على مر السنين تحت قناعات مثل “طريقتنا الخاصة” أو علاقات طويلة الأمد مع الموردين. لكن الاعتماد الكامل على هذه الطرق القديمة يمكن أن يحد من الابتكار، ويجعل الشركة أقل قدرة على الاستجابة لتغيرات السوق السريعة.
كذلك يمنع التمسك بالطرق القديمة استغلال ما توفره التقنية اليوم من فرص كاستخدام الذكاء الإصطناعي، أو اللحاق بركب الاستدامة البيئية، أو توفير تجارب غامرة للزبائن.
المدير الخارجي يسأل ببساطة: “لماذا لا نجرب؟” كما يجلب أفضل الممارسات العالمية من شركات رائدة، محترماً الجذور العائلية ولكنه يدفع الشركة إلى المستقبل.
يُعدّ الابتكار أمرًا ضروريًا للغاية، إذ إن العديد من الشركات العائلية التقليدية تفقد حصتها السوقية لصالح المنافسين الرقميين خلال عشر سنوات، وفقًا لتقرير “قيادة الإرث: كيف يمكن للدخيل النجاح كمدير تنفيذي للشركات العائلية؟” الصادر عن ريسِل رينولدز.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك دار شانيل، التي توظف رؤساء تنفيذيين من خارج العائلة تحت إشراف مباشر منها. وقد تمكن هؤلاء المديرون من توسيع سوق العلامة عالميًا في العطور والساعات، مستفيدين من خبراتهم في عمليات الاندماج والاستحواذ.
تنظيم القيادة وخطة التتابع لضمان الاستمرارية
من أبرز التحديات التي تواجه الشركات العائلية إدارة القيادة وانتقالها بين الأجيال. ففي كثير من الأحيان، تُتخذ القرارات بناءً على القرابة بدل الكفاءة، ما يخلق صراعات داخلية ويؤخر اتخاذ القرارات المهمة.
هنا يظهر دور الدخيل كخبير محايد يساعد العائلة على وضع نظام إدارة واضح ومنظم، يضمن معرفة الجميع من المسؤول، ومتى وكيف تُتخذ القرارات بشكل موضوعي وعادل.
يسهم المدير الخارجي أو الدخيل في تأسيس مجلس إدارة فعال، وتحديد قواعد واضحة للترقيات والتعيينات، ووضع خطة تتابع للقيادة المستقبلية. ولا يقتصر دوره على تقليل الصراعات فحسب، بل يعزز ثقافة احترافية تجعل الشركة أكثر مرونة واستعدادًا لمواجهة التحديات، مع الحفاظ على قيم العائلة وإرثها.
أحد أبرز الأمثلة على هذا النهج نجده في شانيل، حيث تحتفظ العائلة بالمسؤولية عن الهوية الإبداعية، بينما يتولى التنفيذيون من خارج العائلة إدارة العمليات اليومية واتخاذ القرارات الاستراتيجية.
يضمن هذا التوازن استمرارية واستقرار الشركة على المدى الطويل. وبهذه الطريقة، يصبح الدخيل بمثابة حامي الاستقرار ومرشد النمو في الوقت نفسه، مع تعزيز الاحترافية، وتقليل الأخطار، وتحضير الشركة لمستقبل مستدام دون المساس بإرث العائلة.
