إشارات غامضة في أعماق المريخ.. هل يخفي ماءً سائلًا؟
أثار مسح راداري عميق أجري على كوكب المريخ موجة جديدة من الجدل العلمي حول مدى جفاف الكوكب الأحمر، وإمكانية احتفاظه ببيئات قد تكون صالحة للحياة الميكروبية حتى يومنا هذا، بعد عقود من الاعتقاد بأنه شديد البرودة والجفاف بما لا يسمح بوجود ماء سائل.
كشفت بيانات جهاز الرادار المتقدم (MARSIS) عن انعكاسات رادارية شديدة القوة على نحو غير معتاد، مصدرها منطقة تمتد قرابة 12 ميلًا عند قاعدة الغطاء الجليدي في القطب الجنوبي لكوكب المريخ.
وتُظهر هذه الأصداء اختلافًا واضحًا عن أي إشارات رُصدت سابقًا في المنطقة نفسها، إذ تشبه إلى حد كبير التواقيع الرادارية التي يتوقع العلماء ظهورها عند وجود مياه سائلة محصورة أسفل طبقات الجليد.
وإذا ما ثبتت هذه الفرضية، فستشكل تحولًا جذريًا في الفهم القائم لمناخ المريخ الحالي، ولمستوى برودته وجفافه، كما ستعيد طرح احتمالية وجود بيئات تحت سطحية قد تكون قادرة على احتضان أشكال من الحياة الميكروبية.
هل يتدفق الماء على المريخ؟
ورغم الطابع المثير لهذه النتائج، يحذّر الباحثون من القفز سريعًا إلى استنتاج وجود بحيرة سائلة تحت جليد القطب الجنوبي للمريخ؛ إذ إن الحفاظ على ماء في حالته السائلة في ظل درجات الحرارة المتطرفة على الكوكب يبدو أمرًا بالغ الصعوبة.
ويؤكد العلماء أن بقاء الماء سائلًا يتطلّب إما محلولًا عالي الملوحة إلى حد كبير يشكّل "محلولًا ملحيًا فائق التركيز"، أو وجود جيوب من حرارة جوفية قادرة على منع الماء من التجمد، وهما شرطان غير مؤكّدين حتى الآن في تلك المنطقة.
لذلك، يعمل عدد من فرق البحث حاليًا على دراسة تفسيرات "جافة" بديلة للانعكاسات القوية التي رصدها جهاز (MARSIS)، من بينها احتمال وجود طبقات متعاقبة من جليد الماء وثاني أكسيد الكربون، أو مزيج من الجليد المالح والمواد الطينية التي قد تزيد من انعكاسية موجات الرادار، من دون الحاجة إلى افتراض وجود بحيرة سائلة حقيقية تحت السطح.
ومثل هذه التركيبات يمكن أن تنتج إشارات رادارية قوية تشبه في مظهرها توقيع الماء السائل، ما يفرض حذرًا إضافيًا قبل إعلان اكتشاف تاريخي.
تحليل بيانات رادار المريخ
وللتحقق من النتائج التي توصل إليها جهاز (MARSIS)، استعان العلماء بجهاز رادار آخر هو (SHARAD)، المثبت على متن مركبة استطلاع المريخ Mars Reconnaissance Orbiter.
ويعمل (SHARAD)، بترددات أعلى من (MARSIS)، لكنه كان عاجزًا في السابق عن بلوغ قاعدة الغطاء الجليدي السميك في القطب الجنوبي، نتيجة محدودية زاوية توجيه الهوائي.
وتغيّر هذا الوضع مؤخرًا بعد أن نفّذ فريق المهمة مناورة مبتكرة وجريئة تُعرف باسم "الانقلاب الكبير جدًا" (Very Large Roll – VLR)، حيث جرى تدوير المركبة بنحو 120 درجة حول محورها، مقارنة بزاوية سابقة لم تتجاوز 28 درجة.
وسمحت هذه المناورة الاستثنائية بتوجيه حزمة الرادار إلى عمق أكبر داخل الجليد، لتعزيز قدرة جهاز (SHARAD) على اختراق طبقاته والوصول إلى المنطقة نفسها ذات الانعكاسية العالية التي رصدها (MARSIS).
وفي دراسة حديثة نُشرت في مجلة Geophysical Research Letters، قام الباحث غاريث مورغان وفريقه بتحليل 91 عملية رصد أجراها رادار (SHARAD) مرّت مباشرة فوق المنطقة المعنية، في محاولة لتحديد طبيعة هذه الانعكاسات الرادارية غير المعتادة، وما إذا كانت تشير فعلًا إلى وجود ماء سائل أم تفسَّر بعوامل أخرى.
أظهرت نتائج (SHARAD) صورة أكثر تحفّظًا؛ إذ لم يرصد الجهاز انعكاسات قوية مماثلة لما سجله (MARSIS). بدلًا من ذلك، ظهر صدى قاعدي ضعيف فقط أثناء تطبيق مناورة الانقلاب الكبير جدًا، وكان هذا الصدى أدنى بكثير في شدّته مما يُتوقّع من بحيرة سائلة مدفونة تحت الجليد.
ويرجّح فريق البحث أن الإشارة الضعيفة تتوافق أكثر مع وجود سطح ناعم أو أملس نسبيًا تحت الجليد، بدلًا من وجود خزان من الماء السائل.
