خيوط النّخبة: خمسة مصممين يشكّلون وجه الموضة السعوديّة المعاصرة
منذ عقودٍ طويلةٍ كانت الموضة تُعرَّف بأنها لغة باريس وميلانو، غير أنّ مشهدها اليوم يعاد صياغته بأصواتٍ آتية من الخليج، وبالأخص من السعودية.
بين خيوط الفخامة التراثية التي نسجها عدنان أكبر في السبعينيات، وصولاً إلى الحداثة التي يعبّر عنها يوسف أكبر في فساتين الهولوغرام، تمتدّ رحلةٌ تكشف تحوّل الهوية السعودية من التلقّي إلى التأثير، ومن الهامش إلى المنصّة العالمية.
وإذا كان يحيى البشري قد فتح الباب أولاً، حين أطلّ باسم المملكة في أسبوع الموضة بباريس، فإنّ محمد آشي ولؤي نسيم ويوسف أكبر أكملوا المسار كلٌّ من زاويته: الأوّل عبر الهوت كوتور الرومانسي الغربي، والثاني من خلال تحديث الثوب التقليدي، والثالث بتفكيك الفستان الكلاسيكي وإعادة بنائه برؤية تجريبية.
لكن ما يوحّد هذه المسارات ليس اختلافها في الشكل، بل اتفاقها في الجوهر: سعيها إلى إعادة تعريف الهوية السعودية المعاصرة في عالم الأزياء، بين إرثٍ متجذّر وطموحٍ نحو الاستدامة والابتكار.
من هنا، تبرز أهمية تسليط الضوء على التحوّل من “التمثيل الفردي” إلى “المنظومة الإبداعية” التي تصوغ اليوم صورة الموضة السعودية بوصفها جسرًا بين التراث والتقنية، بين الأصالة والعالمية.
يحي البشري.. أول مصمم سعودي في أسبوع الموضة
يُعَدّ يحي البشري أوّل مصمّم سعودي يظهر رسميًّا في أسبوع الموضة بباريس، والقصّة بدأت أبكر من ذلك.
بعد تخرّجه من “الأكاديمية الأمريكيّة في باريس” سنة 1988 عاد إلى المنطقة ليقدّم أوّل عرض في القاهرة، ثم الأردن، ثم مسقط وبيروت، قبل أن يتّخذ من جدّة والرياض محطتَيْ نشاط دائم.
سنة 1990 أسّس "دار يحي البشري لتصميم الأزياء" فبدأ بخط فساتين الزفاف، وبعد نجاحه أضاف قسمًا لملابس الرجال ولاحقًا اعتمد خطًا تجريبيًّا لملابس الأطفال.
اختارته شخصيات بارزة، من بينها الأمير تشارلز والأميرة ديانا والملك عبدالله بن عبدالعزيز، لابتكار قطع تُلبَس في مناسبات رسميّة، ما رفع قيمته الإعلامية.
اللافت أنّ دوقة كورنوال كاميلا أعادت ارتداء “دَقْلة” قدّمها البشري للأمير تشارلز سنة 1998خلال حفل اليوبيل البلاتيني للملكة إليزابيث الثانية عام 2022، فانتشرت الصور في كلّ القنوات العالمية وأعادت الضوء على الدار.
في الداخل ارتبط اسمه طويلاً بأزياء مهرجان الجنادرية التراثي، ما أبرز قدرته على مزاوجة التطريز النجدي والحجازي مع قصّات غربيّة راقية.
وخلال أسبوع الرياض للموضة 2024 قدّم عرض الحبّ والحرّية (٤٠ إطلالة) مُستخدِمًا أقمشة معالجة لتوفير الماء في الصباغة، وكشف لاحقًا أنه يعمل على خطّ "Eco-Couture" للربيع/الصيف 2026 بأقمشة عضوية وأصباغ نباتيّة ليبقى مواكبًا لاتجاه الاستدامة.
محمد آشي: هوت كوتور باريس يرحِّب بأوّل خليجي
محمد آشي، ابن جدّة، درس في ESMOD باريس وعمل فترة مع جيفنشي وإيلي صعب، ثم أطلق "Ashi Studio" سنة 2007 من السعودية، قبل أن يستقرّ في فرنسا ابتداءً من 2018.
الجائزة الحقيقية جاءت حين اختاره اتحاد الهوت كوتور في باريس ضيفًا رسميًّا ابتداءً من يوليو 2023، ليكون أول مصمّم خليجي يضع اسمه في الرزنامة العريقة.
يعرّف آشي أسلوبه بأنّه “رومانسية داكنة” تجمع أثوابًا تماثيليّة بتطريزات باروكيّة وأقمشة ميتاليكيّة.
مجموعة خريف/شتاء 2025-26 عُرضت في Théâtre du Châtelet بباريسونالت صدىً واسعًا، خصوصًا بعد أن لبست الممثلة جينا أورتيغا فستان الإطلالة 27 في افتتاح الموسم الثاني لمسلسل Wednesday، فتصدّر الفستان الترند على إنستغرام وتيك توك.
آشي لم يكتف بالمنصّة. في سبتمبر 2025 أنهى تصميم الزيّ الرسمي لطواقم “طيران الرياض”.
هذا الزي، الذي سيظهر على الرحلة الافتتاحية في ديسمبر، يضمّ بدلات خفيفة مضادّة للبكتيريا وجلابيات بأكمام قابلة للفصل، وهو مثال على دمج الجمال بالوظيفة.
آشي سبق أن فاز عام 2020 بجائزة Fashion Trust Arabia لفئة الأزياء المسائية وجائزة Franca Sozzani للإبداع، ويخطّط لاستخدام أقمشة نباتية مشتقة من ألياف الذرة في مجموعته المقبلة صيف 2026.
لؤي نسيم: ثوبٌ بنَفَس رياضيّ
تعارف واناقة. @majidalmohandis pic.twitter.com/mXt7ogtQo5
— Loai Nassem لؤي نسيم (@lmnassem) October 8, 2022
النجاح الكبير الذي حققه لؤي نسيم لم يمر مرور الكرام. فقد حصد جوائز هامة في ريادة الأعمال، لكن الإنجاز الأهم الذي يرسم ملامح مستقبله هو اختيار علامته "لومار" ضمن برنامج "100 براند سعودي" في عام 2022.
هذا البرنامج ليس مجرد جائزة، بل خطة عمل متكاملة لمساعدة "لومار" على التوسع والوصول إلى الأسواق العالمية. هذا الاختيار هو اعتراف رسمي بأن فكرة "الثوب العصري" التي ولدت في السعودية أصبحت الآن مشروعًا وطنيًا جاهزًا للتصدير، وخطوة كبيرة ومستحقة لمسيرة مصمم نجح في تغيير ثقافة مجتمع بأكمله.
اقرأ أيضًا: من الأزياء إلى أسلوب الحياة: جوناثان أندرسون يرسم ملامح جديدة للفخامة
يوسف أكبر: تفكيك الفستان التقليدي
وُلِد يوسف أكبر في جدّة، وسافر إلى أستراليا لدراسة اللوجستيات، قبل أن يكتشف شغفه بعالم الموضة ويغيّر مساره، حيث نال بكالوريوس الأزياء من سيدني عام 2016. ثم أطلق علامته الخاصة سنة 2017، وبرز بتصاميم تؤكد الأنوثة، لكنها تتسم بالابتكار عبر قصّات غير متناظرة وأكمام قابلة للتحوّل إلى قفّازات.
عرفه العالم أكثر عندما ارتدت شارون ستون فستانه الزيتوني المجنح في مارس 2023 على سجادة حفل Women’s Cancer Research Fund في بيفرلي هيلز.
وفي أكتوبر 2023، قدّم خلال “أسبوع الرياض للموضة” مجموعة «SHIFT // REBIRTH» بألوان نيون وقصّات درامية، مؤكدًا حضوره المحلي القوي.
كانت آخر خطواته تقديم فساتين زفاف وسهرة من أقمشة معاد تدويرها بالتعاون مع جامعة سيدني، والتي ظهرت في أسبوع باريس سبتمبر 2025. كما أصبح أكبر في مايو 2025 “سفيرًا إبداعيًا” لمبادرة Ithra Horizons، وابتكر فستانًا بتقنية الهولوغرام يغيّر لونه مع الحركة، من المقرر عرضه نهاية العام في الظهران.
ويُضاف إلى ذلك فوزه بجائزة Fashion Trust Arabia عام 2020، ما منح تصاميمه ومشاريعه مصداقية لدى صُنّاع القرار في صناعة الموضة العالمية.
عدنان أكبر: “إيف سان لوران الشرق”
بعد عقود، تولّت ابنته أضوى أكبر منصب المديرة الإبداعية للدار وشارك المصمّم السعودي العالمي عدنان أكبر في النسخة الثالثة من "أسبوع الرياض للأزياء" (16–21 أكتوبر 2025)، حيث كشف عن مجموعته الراقية ذات الطابع الملكي، محتفيًا بأصالة التراث وفخامة التفاصيل في أجواء ساحرة بقلب العاصمة.
