الذكاء الاصطناعي: مهندس الفرص الجديدة
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية واعدة، بل أصبح ركيزة أساسية لإعادة تشكيل البنية المؤسسية وتحقيق قيمة حقيقية من الاستثمار التقني.
في ظل التسارع الهائل في التحولات الرقمية وتزايد المنافسة، أصبحت المؤسسات مطالبًة بتبني استراتيجيات ذكية تدمج التكنولوجيا بشكل فعّال لتعزيز الأداء وتحقيق النمو المستدام.
هذا التقرير يستعرض بعمق كيف يمكن للمؤسسات أن تعظّم من القيمة المستخلصة من التكنولوجيا، مع تسليط الضوء على نماذج ناجحة من الواقع العملي، ويبحث في التحديات الرئيسية التي تعيق التبني الكامل للذكاء الاصطناعي، لتمكين صناع القرار من صياغة خطط مستقبلية مدروسة وفعالة.
ركائز التحوّل الذكي في المؤسّسات
في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، أصبح الذكاء الاصطناعي حجر الزاوية في تطوير التكنولوجيا المؤسسية وتعظيم قيمتها. إذ تعتمد المؤسسات الرائدة اليوم على استراتيجيات متكاملة تعيد هندسة بنيتها التقنية وتستثمر البيانات بفعالية، مع تبني نماذج تشغيل ذكية تدعم الابتكار وتعزز الكفاءة.
في هذا الإطار، نسلط الضوء على ستة مرتكزات رئيسة تساعد المؤسسات على تعظيم القيمة المستخلصة من استثماراتها التقنية، وتحقيق نمو مستدام في بيئات عمل متغيرة.
هندسة المنصّات التقنية من جديد
تسعى المؤسسات المتقدمة إلى تسخير الذكاء الاصطناعي كأداة استراتيجية للتخلص من التراكمات التقنية التي تراكمت عبر السنوات، وبناء منصات ذكية ذات نطاق واسع ومرونة عالية.
فرغم ما بُذل من جهود ضخمة في السابق، لا تزال الديون التقنية تمثل عبئًا ثقيلا يعيق النمو، ويزيد من تكاليف التشغيل، ويبطئ عجلة الابتكار.
غير أن الذكاء الاصطناعي يفتح آفاقًا جديدة لتسريع عمليات التحديث، إذ يُمكنه تقليص الجهد اليدوي بنسبة تصل إلى 50%، وخفض التكاليف التشغيلية بنحو 40%، مع تحقيق تحسّن ملحوظ في جودة المخرجات وكفاءة الأداء.
تحديث منظومة البيانات المؤسّسية
يرتكز الذكاء الاصطناعي على كميات ضخمة من البيانات، لكنه لا يكتفي بالاعتماد عليها، بل يفتح آفاقًا جديدة لاستثمارها بطرق أكثر ذكاءً وفعالية.
فالمؤسّسات الرائدة تدرك أن جودة البيانات هي حجر الأساس لأي منظومة ذكية، لذا تسعى إلى تحسينها باستمرار، وتطوير طبقات دلالية ورسوم معرفية تُمكّن من تحليل المعلومات بعمق، وتحويلها إلى رؤى قابلة للتطبيق، تُسهم في تحقيق قيمة تجارية ملموسة.
اقتصاد تقني برؤية جديدة
شهدت النظرة إلى تكلفة التكنولوجيا المؤسّسية وتحقيق العائد منها تحولا جوهريًا في ظل تطور أدوات الذكاء الاصطناعي.
هذه الأدوات باتت تقلل من كلفة تطوير الوظائف الجديدة وصيانة الأنظمة القديمة، لكنها في المقابل تفرض تحديات مالية جديدة، أبرزها تكاليف المعالجة الذكية.
ومن هنا، أصبح من الضروري أن تعيد المؤسسات النظر في توزيع استثماراتها التقنية، بحيث توجه جزءا أكبر من ميزانياتها نحو أدوات الأتمتة.
إذ إن زيادة الإنفاق التقني بنسبة 4% سنويًا على مدى أربع سنوات، مع حسن توجيه الموارد، كفيلٌ برفع الإنتاجية وخفض التكاليف التشغيلية بشكل ملموس.
إدارة المخاطر بذكاء
يُقدّم الذكاء الاصطناعي إمكانات متقدمة لإعادة تعريف إدارة المخاطر داخل المؤسّسات، إذ يتيح بناء أنظمة مراقبة مستمرّة تواكب سير العمل وتتكامل مع الأداء البشري والذكي، ما يسهم في تقليل الأخطاء وتعزيز الكفاءة التشغيلية.
ويمكن توظيف الذكاء الاصطناعي أيضًا في تحليل التهديدات الأمنية وتحصين البنية التقنية، بما يتماشى مع قيم المؤسّسة وأهدافها طويلة المدى.
شراكات تقنية أكثر فاعلية
على القادة التقنيين أن يُحسنوا توظيف نفوذهم في إدارة العلاقة مع الموردين، بما يضمن بناء بنية تقنية تتمحور حول الذكاء الاصطناعي وتخدم أهداف المؤسسة الاستراتيجية.
فقد بدأت بعض الشركات الرائدة في الاستعانة بوكلاء أذكياء أكثر مرونة وكفاءة، كما اتجهت إلى تعزيز استخدام البرمجيات مفتوحة المصدر للحصول على شروط تعاقدية أكثر ملاءمة.
وفي هذا السياق، يُوظَّف الذكاء الاصطناعي لتعظيم الاستفادة من الوظائف الجاهزة، وتحقيق مستويات أعلى من الكفاءة التشغيلية والابتكار التقني.
الذكاء التوليدي في خدمة الأعمال
إلى جانب الاستراتيجيات العامة لتعظيم القيمة التقنية في المؤسسات، يبرز الذكاء الاصطناعي التوليدي بوصفه أحد التطبيقات الحديثة التي تُحدث تحولا ملموسًا في قطاعات متعددة.
لا سيما في مجال توليد فرص المبيعات وتأهيل العملاء، بحيث يلعب دورًا محوريًا في تسريع دورة الإيرادات وتحسين كفاءة العمليات التشغيلية.
على سبيل المثال، تمكّنت إحدى الشركات العالمية المتخصّصة في تقنيات المياه من تحسين عملياتها التجارية بشكل كبير من خلال نشر حل تحليلي لما بعد البيع يعتمد على الذكاء الاصطناعي التوليدي.
وقد ساهم الذكاء الاصطناعي في الوصول إلى هذه الفرص وتأهيلها بطريقة شبه آليّة، ما أتاح تسريع وتيرة تحقيق الإيرادات بشكل ملحوظ.
إضافة إلى ذلك، بدأت بعض المؤسسات دمج وكلاء المبيعات الافتراضيين المعتمدين على الذكاء الاصطناعي التوليدي ضمن أنظمة إدارة علاقات العملاء (CRM)، إذ يمكن لهؤلاء الوكلاء إعداد وإرسال اتصالات مخصّصة تلقائيًا لمئات أو آلاف العملاء عبر قنوات متعدّدة مثل البريد الإلكتروني والرسائل النصية، ما يعزز فعالية التواصل ويزيد من فرص التحويل التجاري.
عوائق تبنّي الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع
رغم إدراك المؤسّسات لأهمية الذكاء الاصطناعي كأداة استراتيجية لتحسين الأداء وتعزيز الابتكار، إلا أن تبنّيه على نطاق واسع لا يزال يواجه عقبات جوهرية.
فضعف جودة البيانات وتشتتها يمثل أحد أبرز التحديات، إذ تشير دراسة لكلية إدارة الأعمال MIT Sloan إلى أن 42٪ من الشركات تفتقر إلى بيانات موثوقة مملوكة لها، فيما يبدي 48٪ منها قلقًا من دقة المخرجات أو انحيازها نتيجة ضعف الأساسيات البيانية.
إلى جانب ذلك، تواجه كثير من المؤسسات صعوبة في جذب الكفاءات المتخصّصة في الذكاء الاصطناعي، وهو ما تؤكده بيانات المنتدى الاقتصادي العالمي التي تشير إلى أن 42٪ من المؤسسات تعاني نقصًا في المواهب المناسبة، فيما ترتبط 70٪ من حالات النجاح في تبنّي الذكاء الاصطناعي بوجود إدارة فعالة للتغيير.
المقاومة الداخلية للتغيير تمثل عائقًا إضافيًا، خاصة في المؤسّسات التي تفتقر إلى دعم قيادي واضح. فبحسب استطلاع أجرته شركة ماكينزي، لا تمتلك سوى 21٪ من الشركات استراتيجية مؤسسية شاملة للذكاء الاصطناعي، بينما تحظى 30٪ فقط بدعم تنفيذي قوي لتلك المبادرات.
كما أن المخاوف المتعلقة بالخصوصية والامتثال التنظيمي تُبطئ من وتيرة التبنّي، لا سيما في القطاعات الحساسة مثل الرعاية الصحية والتمويل.
وفي كثير من الحالات، يصعب على المؤسسات قياس العائد المباشر من تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ما يجعل القرار الاستثماري أكثر تحفظًا.
أما على المستوى التقني، فإن دمج الذكاء الاصطناعي في الأنظمة القائمة يُعد تحديًا كبيرًا، خاصّة في المؤسسات التي تعتمد على بنى تحتية قديمة أو تعاني من تفكك في سير العمل.
وأخيرًا، فإن غياب آلية مستدامة للابتكار بعد إطلاق المشاريع الأولية يؤدي إلى فقدان الزخم، بحيث تكشف شركة أكسنتشر أن 29٪ فقط من المؤسسات تواصل توسيع استخدام حالات الذكاء الاصطناعي، فيما تتراجع معظمها بسبب ضعف الاستثمار في تنمية المواهب أو بناء قنوات الابتكار المستقبلي.
