You are here

×

السدحان لـ"الرجل":تعبت راعياً للغنم.. حتى كتب الله لي النجاح

الرياض- علي المقبلي:

ستشعر بفيض من الوفاء يحمله هذا الرجل تجاه كل من له فضل عليه ، هي سيرة حياة تستحق ان تروى لرجل عصفت به هموم الحياة ونوائبها ، لكنه أبى أن يستسلم ،واضعا نصب عينه ان لا يرضخ لكل تلك الضغوط ، هي قصة ذلك الطفل اليتيم الراعي للغنم الذي أصبح احد ارفع الشخصيات الحكومية السعودية. ليس هذا فحسب ، فهو مالئ مواقع التواصل الاجتماعي بمواقفه المثيرة للجدل في احيان كثيرة، انه عبدالرحمن السدحانأمين عام مجلس الوزراء السعودي الذي يخجلك بقربة وبدفء تواصله, يكسر كل الحواجز ليصل إليك, من أبها لجازان كانت الانطلاقة.. وبين الطائف وجدة كان البحث عن الهوية, وفي الرياض مروراً بلبنان بدأت الملامح في التشكل, ومن لوس انجلوس عاد محملاً بالعلم ليبدأ رحلة العمل الأجمل..

سيرد ذكر والدته مرارا خلال الحوار لما لها من عمق الاثر في تكوين شخصيته ، يلخص السدحان مسيرة حياته بالقول "تعبت راعياً للأغنام وساقياً للزرع في صدر طفولتي، لأجنيَ ثمار هذه التجربة في أمريكا دارساً، حتى قيّض الله لي النجاح" ، "الرجل" التقته وكان هذا الحوار الذي يحاول سبر أغوار هذه الشخصية المؤثرة؟

 

 

من أين كانت البداية؟

وفد سيدي الوالد، رحمه الله، لأول مرة إلى أبها، قبل أكثر من ستين عاماً لتنفيذ مهمة خالها بادئ الأمر تستغرق أياماً، ثم يعود إلى مرتع صباه شقراء في شمالي نجد، لكن المهمة لم تنقضِ في حينها، وطاب له المقام هناك بعد أن أسّس علاقات اجتماعية وتجارية طيبة مع بعض الوجهاء والأعيان من أهل المنطقة، إضافة إلى التجار، خاصة أولئك الذين ينحدرون من جذور نجدية، كالبسام والدغيثر والحيلي وغيرهم، أسهمت في تجذير رغبته في البقاء، وجذبته عروض التجارة هناك فاستجاب لها بحماس ونجاح.

وشاء القدر أن يقترن بسيدتي الوالدة، وأكون بكرهما الأول، وأعيش في تلك البيئة ما شاء الله لي، قبل أن يفترق والداي بالطلاق، وأخوض نتيجة لذلك تجربة صعبة من عدم الاستقرار، حملتني إلى قرية (مشيّع) مقرّ إقامة جدي لأمي، رحمهما الله، لأعيش في كنفه فترة من الزمن، عملت خلالها معه فلاحاً وراعيَ غنم، ولمّا أبلغ الثامنة من العمر، وأحاول أن أجمع بين طقوس الفلاحة وهمّ الدراسة الابتدائية في أبها، فأدرك نصيباً من هذا وذاك.

ولا شك أن هذه الملحمة الشخصية بكل محطاتها وأطيافها قد أسهمت بقدر كبير في تشكيل المعالم الأولية لنموي نفسياً واجتماعياً ووجدانياً، ومن خلالها عشت حراكاً طفولياً جادّاً رسم بصماته إيجابياً على شخصيتي، ومن يرد تفصيلاً أدق لهذه المرحلة من سيرتي، فليقرأ كتابي "قطرات من سحائب الذكرى" الصادر عن دار العبيكان عام (1427هـ)، ففيه رصد دقيق لنشأتي الأولى في أبها التي لم تتجاوز تسع سنوات، قبل أن أبدأ "ماراثوناً" طويلاً من الترحال بدْءاً من جازان فالطائف فمكة المكرمة فجدة فلبنان - لعام دراسي واحد - ثم جدة مرة أخرى، فالرياض ثم لوس انجلوس الأمريكية للدراسة الجامعية وقدر من الدراسة العليا انتهت بشهادة الماجستير، قبل أن أعود إلى الرياض في عام 1970م واستقر بها حتى اليوم.

 

السؤال الثاني:

- ما الصفات المكتسبة التي تجدها في شخصيتك من والدك وكذلك من والدتك؟

اكتسبت من والديّ رحمهما الله قدراً من السمات والصفات، وأكسبتني الحياة بدورها قدراً أكبر من ذلك كثيراً، فمن سيدي الوالد التقطت "عدْوى" القراءة والشغف بها، بدءاً بـروايات جرجي زيدان الشهيرة، مروراً بمجلتيْ "الهلال" المصرية و"العربي" الكويتية في عهد أول رؤساء تحريرها المرحوم الدكتور  أحمد زكي ، وانتهاءً ببعض مصنفات المرحوم عباس محمود العقاد، التي كان عصياً عليّ فهمُها ناهيك الاستفادة منها، لكنني كنت في المقابل، أتمنَّى استقطاب انتباه والدي واهتمامه ببعض روائع كل من الدكتور طه حسين وأحمد حسن الزيات ومصطفى لطفي المنفلوطي وتوفيق الحكيم، وبعض روايات إحسان عبدالقدوس، فلم أفلح، فيما اصطفى والدي الجاحظ وصاحب "الأغاني" قديماً، وبعض رواد الفكر الأدبي والفلسفي الحديث في حقبتي الخمسينات والستينات الميلادية. وكان راوية للتاريخ لا يشقّ له غبار سرداً ومضموناً.

باختصار شديد، أقول بكل فخر إن والدي رحمه الله هو من غرس جذور الذائقة الأدبية في وجداني، رغم أنه لم يشجعني قط خلال دراستي الثانوية على الكتابة في الصحف، خشية أن أصْلى جمرهَا  فيما بعد.

اما سيدتي الوالدة طيّب الله ثراها، فقد علمتني أموراً كثيرة، منها إحسان الظن بالناس، ما لم ألـمسْ من احدهم شراً، فأتقيه بالصبر، المنتهي بالتسامح، ومن ذلك كله تعلمت فضيلة الحب بعيداً عما يغضب الله، ثم أقيم جسوراً من الود مع الناس، بعد تجاوز مرحلة "حسن الظن"، وكسب الثقة المزدوجة معهم وبهم؛ كما علمتني (سيدة الأحباب) حب العمل الجاد المتوج بالإنجاز، والصبر على شروطه وتكاليفه، والتضحية أحياناً في سبيله، والتمتع بنتائجه. عندئذ يتحول "شقاء" النجاح إلى "شهد".

 

السؤال الثالث:

عشت في طفولتك مسيرة موجعة من شتات الذهن بحثاً عن حنان الأم ورعاية الأب؟ صف لنا تلك المرحلة وكيف تجاوزتها؟

كانت مرحلةً شاقةً ومثقلةً بالحرمان من حنان الأم وعطف الأب، بسبب ابتعادهما بادئ الأمر بالطلاق، واختيار كل منهما سبيله بعيداً عن الآخر، ولجوئي إلى حضن جدي لأمي - رحمهما الله - أملاً في شيء من الحنان وأمن النفس التي شتتها ألمُ انفصال الوالدين، ولم أكن وقتئذ في سنّ تمنحني القدرة على استيعاب ثقل التجربة وتبعاتها، فتحملت كل شيء من ذلك في صمت وسكون، مسلّماً أمري لله وحده، ولم يحرمني الله في القادم من أيامي تلك من إطلالات متكررة من حنان الأم واهتمام الأب، وكنت حريصاً اشد ما يكون الحرص على سعادة أمي في بيتها الزوجي الجديد، فلا أشقيها بشقائي، ولذا، فضلت الرحيل إلى جازان على ظهر جمل مع قافلة تجارية لحاقاً بوالدي هناك، ولما أبلغ سن التاسعة بعد، ولقد وجدت في ذلك كله صيانة لذاتي وترميماً لوجداني، وكانت هذه التجربة وحدها درساً رائعاً في بناء الذات والصبر على الأذى، حتى بدّل الله عسري يسراً.

 

السؤال الرابع:

ما أول مؤسسة تعليمية في حياتك؟

أزعم أن القصد من السؤال التعرف إلى من "ألهمني" دروساً من الحياة وعنها، بجحيمها ونعيمها، وهناك قائمة طويلة من الاسماء، يتصدرها والداي الغاليان محمد السدحان وفاطمة بنت محمد بن سليمان طيب الله ثراهم جميعاً، وكان جدَّي لأمي هو الذي أنقذني حبه من سطوة الشيخ عبدالرحمن المطوع غفر الله له، مدرسي في الصف الأول الابتدائي، حين استقبلني في منزله الريفي ذات يوم لاجئاً إنسانياً، وهناك قامات كبيرة منحتني الفضل اقتداءاً بأصحابها، منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، من بينهم، تمثيلاً لا حصراً، سمو "مجموعة الإنسان" المبدع أدباً وإدارةً وخلقاً خالد الفيصل، وفقيد الأدب والأدباء وعلامة البيان الجميل، شعراً ونثراً، الدكتور غازي القصيبي طيّب الله ثراه، وغيرهم كثير.

 

السؤال الخامس:

مارست تجربة  الرعي والزراعة في صغرك؟ ماذا منحتك تلك التجربة؟

منحتني كل منهما الكثير مما لم اكتشفه بين سطور حياتي إلا في مرحلة لاحقة، تعلمت منهما الصبرَ والجَلدَ ترقباً لما هو أفضل، وتعلمت منهما مهارة الاستمتاع حد الرضا بالقليل من الزاد والكساء، لأن (الحلول) البديلة لإشباع الحاجة منهما كانت متعذرة زماناً ومكاناً ومورداً. أدركت وأنا طالب في أمريكا خلال عقد الستينات ميلادي فوائد اصطحاب الأغنام وحيداً كل يوم إلى المراعي المجاورة لمنزل جدي رحمه الله، منذ أن تفتح الشمس جفنيها صباحاً حتى توشك أن تغلقهما مساء.

كان في مقدمة تلك الفوائد نعمة الانفراد بالذات بعيداً عن الزحام، و"الحوار" معها عن أمور بعضها مؤنس للذات، وبعضها الآخر مؤرق، ثم نعمة التفاؤل بما هو آت، وأنه مهما اشتدت الحال على امرئً عسراً، فإن اليُسْر من عند الله قريب، ولذا، قررت وأنا طالب في الجامعة بمدينة لوس انجلوس المذهلة بكل مباهج الدنيا وملذاتها أن "أهجر" اثنين من أعز الرفاق السعوديين كنت أقاسمهما العيش بمسكن واحد في واحد من أرقى أحياء تلك المدينة، وأن اصطفي العيشَ وحيداً في "شقة" متواضعة من بقايا أطلال القرن الماضي، قيمتها الحقيقية أنها كانت مجاورة للجامعة، أبلغها سيراً على الأقدام كل يوم، لأنقذ نفسي بذلك من أرق حافلات النقل العام، والتعرض بسببه لحفنة من المخاطر البشرية والآلية، التي يزخر بها الحي المجاور للجامعة.

أجل .. تعبت راعياً للأغنام وساقياً للزرع في صدر طفولتي، لأجنيَ ثمار هذه التجربة في أمريكا دارساً، حتى قيّض الله لي النجاح.

 

السؤال السادس:

أنتقل بك إلى محور حياتك العلمية، حدثنا عنها ؟

تحررت من أُميّة الحرف صغيراً في المدرسة السعودية في أبها، ثم تابعت دراستي الابتدائية والمتوسطة والثانوية متنقلاً وحيداً حيناً وبرفقة الأسرة أحياناً، بين عدد من مدن المملكة ، بدءاً من جازان فالطائف فمكة فجدة ثم الرياض، التي حصدت منها شهادتي الكفاءة المتوسطة والثانوية العامة (أدبي)، محرزاً في كلتيهما المركز الأول على مستوى المملكة، ثم ارحل إلى أمريكا مبتعثاً للدراسة الجامعية، بجامعة جنوب كاليفورنيا، فأنال شهادتي البكالوريوس والماجستير (بتفوق) عبر مشوار علمي مضنٍ دام سبع سنوات تقريباً، وأعود بعد ذلك لأبدأ خدمة بلادي الغالية عبر معهد الإدارة العامة عام 1970، ثم اتدرج في المناصب والمواقع حتى صرت إلى ما أنا فيه الآن بحمد الله وفضله شرفاً ورفعةً.

 

السؤال السابع:

توقفت عند بوابة الدكتوراه، بعد تجاوز مرحلة الماجستير بتفوق، حدثنا عن أسباب التوقف عن أكمال دراستك.

لم أفكر قط في "اقتران" اسمي بحرف "الدال" السحرية إلا بعد أن نلت إجازة الماجستير في أواخر عام 1969، هنا، سألت نفسي جاداً: لِمَ الدكتوراه؟ وجاء الجواب همساً من أعماق الوجدان: إن كنت يا شاب "تحلم" بالعمل في جامعة بلادك "أستاذاً"، فليس لك من ذلك ملاذ يعصمك من فتنة السعي لنيل الدكتوراه، وإلاّ فأقتصر على الماجستير وعد إلى بلادك وخض تجربة العمل في معهد الإدارة العامة، وفيه ستنال من الخبرة والمعرفة قدراً غير يسير يغنيك أو ينسيك بريق "الدال" وزهوه.

ولذا، لا أنفك انصح شباب بلادي الجادين في خدمة بلادهم أن يحددوا أولوياتهم ورغباتهم ثم يرسموا خارطة مستقبلهم في ضوء ذلك، فإن كان العمل الأكاديمي في الجامعة مأربهم، فليخوضوا التجربة العلمية حتى النهاية.

 

السؤال الثامن:

بعد إكمال دراستك دخلت معهد الإدارة بخطاب بعثته من مقر إقامتك في أمريكا، حدثنا عن سيناريو وقصة ذلك الخطاب ؟

لهذا الخطاب قصة تستحق ان تُروى، فحين اقتربت من خط النهاية في دراستي الجامعية (لما قبل الماجستير) استشرت بعض أساتذتي في كلية الإدارة العامة بجامعة جنوب كاليفورنيا عن العودة إلى المملكة للعمل الحكومي واكتساب أرضية من الخبرة في شئون التنمية تساعدني في التحضير للدراسة العليا، ام الاستمرار في الدراسة لنيل الماجستير، وبعدئذ، لكل حدث حديث . وجاءت النتيجة مؤيدة لفكرة العودة المبكرة إلى المملكة ، ثم العودة إلى أمريكا في وقت لاحق لتحقيق ما كنت أتمناه.

ثم تساءلت بعد ذلك عن الجهة التي يمكن أن ابدأ منها مشواري الوظيفي، مع وعد يقين بالابتعاث للدراسة العليا، فأجمعت الآراء على أن معهد الإدارة العامة هو الخيار الأنسب لخدمة ذلك الطموح. وهنا، لم أتردد فـي كتابة عرض مدير عام المعهد آنذاك، الأستاذ  فهد بن سعود الدغيثر - رحمه الله - أعرض من خلاله الرغبة في خدمة المعهد بعد تخرجي في الجامعة، لم تربطني بأبي زياد معرفة من قبل، لكنني سمعت من الإشادة به والإطراء ما حملني على كتابة العرض وإرساله بالبريد، دون شفيع لي ولا وسيط، وكم كانت دهشتي وسروري أن تلقيت منه رداً يرحب بي عضواً فـي أسرة المعهد، وأن "أراجعه" شخصياً حال عودتي.

عدت إلى المملكة في صيف عام 1967، لأفاجأ بأن جهة حكومية أخرى قد سعت على مستوى الوزير إلى "إخْلاء طرفـي" من وزارة المعارف مبتعثاً للعمل لديها موظفاً في مجال "سكرتاري" بمكتب "معالي الوزير"، وكانت صدمة نفسية محرجة لي خلت أن وظيفة "السكرتارية" سترغمني آثارها على التخلي عن حلم العمل بمعهد الإدارة العامة وعبثاً حاولت إقناع معالي الوزير بعدم الرغبة للعمل في وزارته رغم تقديري الجم لرغبته وثقته ، وبدأت (عملية شد الحبل) مع تلك الوزارة ، فلا يزيدها إصراري على إعفائي مما تريده إلاّ تمسكاً بموقفها .

وأخيراً، وبعد نحو شهرين لم أدعْ خلالهما أحداً ذا حظوة لدى معالي الوزير المعنيّ إلاّ التمست منه الشفاعة، ولكن بلا جدوى، مما اضطرني في النهاية إلى اتخاذ قرار حاسم وجازم بالعدول عن فكرة العمل في المملكة والعودة مباشرةً إلى أمريكا للدراسة، وساعدني في ذلك موقف نبيل من وزير المعارف وقتذاك، الشيخ حسن بن عبدالله آل الشيخ، طيب الله ثراه، الذي تفهم موقفي، خاصة حين أسمعته مبتسماً مقولة "اللّي شبكنا يخلّصنا" من قيد الوظيفة التي رغبت عنها في الوزارة الأخرى، وكان لي ما أردت بموافقة الوزيرين، وبعد أيام كنت أسجل مواد الفصل الأول من برنامج الماجستير في الجامعة التي نلت منها إجازة "البكالوريوس"، وفي عام 1970، عدت من جديد إلى المملكة متخرجاً لأتجه فوراً إلى معهد الإدارة وأسعد بصدور قرار تعييني به مدرساً في اليوم نفسه.

 

السؤال التاسع:

من أبها إلى جازان كانت الانطلاقة.. وبين الطائف وجدة كان البحث عن الهوية، وفي الرياض مروراً بلبنان بدأت الملامح في التشكل ومن لوس انجلوس عدت محملاً بالعلم، كيف تصف تلك المحطات؟

لكل من هذه المحطات نكهة خاصة من الإثارة والتعدد في التجربة عمقاً ومحتوى ثم الدروس المستفادة، وقد نقشت كل هذه المحطات في وجداني ملامحَ وصفاتٍ وخصالاً تشكلت من خلالها شخصيتي على  نحو ما عرفته وعُرِفْتُ به، وأحسب أن تعدّد الأماكن التي عشت بها، والثقافات التي تعاملت معها تفاعلاً مباشراً، وما استصحبه ذلك من تجارب وخبرات ومواقف، كل ذلك رسم (خارطة طريق) داخل عقلي الباطن سنيناً ليفرز عبرَها كياني الحالي، تربوياً وثقافياً وسلوكياً، وأحمد لله أن هيأ لي كل هذا القدر من التعدد في التجارب والخبرات التي بدونها ربما كنت اليوم إنساناً آخر، لا يعرف نفسه ولا يعرفه الناس.

 

السؤال العاشر:

من راعي للغنم حتى أصبحت أميناً عاماً لمجلس الوزراء بمرتبة وزير، رحلة ليست بالسهلة تخللتها أحداث وأحداث، هل توقعت أن تكون في هذا المكان؟

لم أتوقع يوما ان أكون في هذا الموقع ولم يطرأ لي قط على بال حلماً كان أو خيالاً، لكنها قدرة الله وحكمته ومشيئته قادتني إلى هذا المكان الرائع بعد مشوار طويل من العمل الجاد بدأته من نقطة الصفر في 1970، عقب عودتي من أمريكا مبتعثاً، لأعمل في معهد الإدارة العامة خمس سنوات تباعاً، وانتقل إلى ديوان رئاسة مجلس الوزراء لأعمل مستشاراً إدارياً لعام ونصف العام تقريباً، ثم أمضى ثمانية عشر عاماً متواصلة أميناً عاماً لمجلس الخدمة المدنية، تلا ذلك الانتقال إلى مجلس الوزراء، حيث عملت نائباً للأمين العام آنئذٍ، معالي الوالد الشيخ عبدالعزيز السالم، لأخلفه بعد عشر سنوات في المنصب، عام 1426هـ أميناً عاماً، وخلاصة القول أن المرء منا يسيّره قدرُه والمشيئةُ الإلهية، وعليه قبل ذلك وبعده أن يعمل ويجتهد ويحلم بالنجاح ويعمل ما في وسعه لإدراكه، ويتعلم من الإخفاق حتى يبلغ ما شاء الله له أن يبلغَ من شأن.

الطريف في الأمر أن مشوار تجربتي العملية على مدى أربعين عاماً جعلني في مواجهة مع ثلاث (أمانات)، أولاها أمانة اللجنة العليا للإصلاح الإداري خلال ارتباطي بمعهد الإدارة العامة للفترة من 1390 ـ 1395هـ، ثم أمانة مجلس الخدمة المدنية من 1397هـ حتى 1416هـ، وأخيراً، أمانة مجلس الوزراء، نائباً فأميناً عاماً، خلال الفترة من عام 1416هـ حتى الآن، وأحسب أنني كنت ذا حظ اقترن بالنجاح والحمد لله في المحطات الثلاث المشار إليها.

 

السؤال الحادي عشر:

ماذا يعني لك منصب الأمين العام لمجلس الوزراء السعودي؟

يعني لي هذا المنصب الكثير من المعاني والقيم، فهو أغلى وأسمى محطة ثقة في حياتي، وهبني إياها وليُّ الأمر أيده الله، ليخلع علي بذلك وساماً من الفخر يعطر سيرتي الوظيفية التي بدأت قبل أكثر من أربعين عاماً.

وهو مهمة مشحونة بالهم والتحدي والرغبة في الإنجاز، ولذلك أحبّها وأخشاها في آن، فهي تضعني بالقرب من صاحب القرار ولاء له واجتهاداً في خدمته، وطمعاً في رضاه بعد الله، وهذا مرتكز الحب لهذه المهمة، لكنني في الوقت نفسه أحسب لهذا الشرف الرفيع كل حساب تجنُّباً للخطأ غير المقصود، حتى ولو كان لمماً، وتبقى براءة ذمتي معلقةً كلما كانت المسافة التي تفصلني عن تحقيق الإنجاز بنجاح أكثر مما أنا قادر عليه ومؤهل له، وهنا تكمن خيفتي من عبء هذه المهمة وتحدياتها.

أنا، هنا لا أزعم باطلاً القدرة على بلوغ ما لست مؤهلاً له ولا قادراً عليه، لكنني أتحدث هنا عن (إنجاز) يتوافق مع قدراتي المتاحة، واستشرافـي لواجبات الوظيفة ، و(سننها) و(نوافلها)، مما لا يجوز التفريط به ولا التساهل معه، تحت أي ظرف من زمان أو مكان أو إمكانات.

باختصار: أن تكون أميناً لمجلس رفيع بهذا الحجم، وأن تؤتمن على الكثير مما لا يتاح لسواك معرفته، وأن تكون في موقع لخدمة هذا الكيان الجميل، شرعيةً وإنساناً وأرضاً، فتلك هي المهمة التي تعاف الجبال حملها ويحملها الإنسان، وأرجو ألاّ أكون بقبول هذا الشرف ظلوماً لنفسي ولا جهولاً، وأن أدرك حظاً من التوفيق في ترجمة الأماني والأقوال إلى أفعال تنطق بالإنجاز.

 

 

السؤال الثاني عشر:

هل كل مناصبك توقعتها؟

لو كنت أعلم الغيب، لاستكثرت من الخير، لكن المرء منا يحلم ويتمنّى ويريد، والله وحده يفعل ما يريد.

 

 

السؤال الثالث عشر:

هناك عمل كبير يجري في دهاليز أمانة مجلس الوزراء، وهي الجهة المسؤولة عن إعداد الملفات وتقديمها لطاولة الحكومة في جلستها الأسبوعية، صف لنا طقوسك يوم الاثنين.

الطقوس التي يتحدث عنها السؤال تتم، أصولاً وفروعاً، قبل يوم الجلسة بأيام وليال، ويأتي يوم الاثنين الموعد كي (أزف) مع زملائي في الأمانة ما تم إنجازه إلى المجلس الموقر في جلسته الأسبوعية. ورغم ذلك يلازمني قدر من القلق في ذلك اليوم، خشية الإخفاق في أمر يسير أو جليل لم يدركه البصر ولا البصيرة أثناء التحضير له، ولذا، يحرص فريق العمل معي وبمتابعة مني شخصياً ـ بالاشتراك مع معالي الصديق نائبي المستشار صالح الهدلق ـ نحرص جميعاً على (مراجعة) نصوص العرض مراجعة دقيقة مرات عدة ، بدْءاً من ترتيبها داخل ملفاتها، وانتهاءاً - وهو الأشق والأدق - بمحتواها، ثم نسأل الله بعد ذلك الستر والتوفيق .

 

السؤال الرابع عشر:

الجلسة الأسبوعية متى يتم التحضير لها ؟

التحضير لجلسة قادمة يتم متزامنا - قدر الامكان -  مع التحضير للجلسة التي تليها في ذات الوقت تقريباً، لذا، فزملائي الكرام في الأمانة العامة وأنا في سباق لاهث مع الزمن للحفاظ على إدراك الإنجاز المنشود في كلا المساريْن عبر وقت قياسي، نستبعد به مخافة الدخول في رهان قاسِ مع الزمن، وليبقى هو حليفاً لنا لا خصماً، اما  التحضير  - في اللحظة الأخيرة - فهو خيار قائم للطوارئ والمفاجآت التي لم نحسب لها حساباً، ورغم ذلك يزداد خوفنا من الخطأ، بقد ما يعمر أنفسنا الأمل في تحقيق المطلوب بنجاح.

 

السؤال الخامس عشر:

كيف تبدأ جلسة مجلس الوزراء؟ وكم تستمر من وقت ؟

تبدأ ككل الجلسات، بوصول رئيس المجلس، سيدي الملك المفدى أو سمو سيدي نائبه حفظهما الله إلى مقر الجلسة، وعندما يأذن الرئيس بتلاوة مواد العرض، يكون ذلك البداية الحقيقية لها، وما قبل ذلك، تُستعرض أحدث المستجدات السياسية والاقتصادية وغير ذلك، المحلي منها والإقليمي والدولي. وقد تتخلل ذلك مداخلات ومداولات يتوج بعضها بتوجيهات سامية، أما عن مدة الجلسة، فذاك أمر مرهون " بكم وكيف" ما هو معروض على المجلس الموقر.

 

السؤال السادس عشر:

وهل يعقد مجلس الوزراء في حال عدم اكتمال النصاب؟

أحياناً، يقلّ نصاب الحضور عن ثلثي الأعضاء، عندئذ، يتحول الاجتماع إلى "جلسة استثنائية" ولكن صحيحة شريطة حضور نصف أعضائه، وهنا يأتي دور المادة الرابعة عشرة من نظام المجلس التي تتيح عقد الجلسة استثناء في حال قلّ نصاب الحضور عن ثلثي الأعضاء، شريطة إلا يقلّ عدد الحاضرين عن النصف، وفي مثل هذا الحال، لا تكون قرارات الجلسة نظامية إلاّ بموافقة ثلثي الأعضاء الحاضرين.

 

السؤال السابع عشر:

خلال فترة الصيف كيف يتم ترتيب إجازات أعضاء مجلس الوزراء ؟

هناك قدر من التنظيم والتنسيق بين معظم السادة الوزراء والأمانة العامة للمجلس، خاصة فـي موسم الصيف، لترتيب مواعيد إجازاتهم السنوية، كل على حدة، بحيث لا يخل الغياب فـي أي جلسة عن النصاب النظامي المطلوب كي تكون نظامية وصحيحة.

 

السؤال الثامن عشر:

كم هي عدد الملفات المطروحة في جلسات مجلس الوزراء؟

هناك ملفّان رئيسَان لكل جلسة يحويان مواد العرض مصنفة إلى شقين: مشروعات القرارات، والموضوعات العامة التي تعرض على المجلس امّا للإحاطة فحسب، أو طلباً للتوجيه، ولكن دون قرار، وقد يصدر التوجيه فيما بعد بأمر كريم، وفق ما يقتضيه الحال.

التعليقات

أضف تعليق