جوني إيف.. مبدع التصميم الصناعي في آبل
دبي – قصي المبارك :
عندما يدور الحديث عن شركة آبل سرعان ما يتبادر إلى الأذهان الراحل ستيف جوبز الذي مثّل الوجه الإعلامي البارز لشركة آبل عند الإعلان أو الحديث عن أي منتج من منتجات الشركة، وكثيرون هم من ينظرون إلى جوبز كشخص غيّر وجه العالم بالعديد من أفكاره وابتكاراته.
ولكن بالتأكيد الأمر لا يتوقف عند جوبز عند الحديث عن آبل، فهناك الكثير من الأشخاص ضمن أروقة آبل ممن يجهلهم كثيرون ولكنهم في الواقع أعمدة أساسية في الشركة وجزء كبير من نجاحاتها، وجوبز لم يكن سوى قدوة لهم وملهم لإبداعاتهم، من هؤلاء جوني إيف رئيس وحدة التصميم الإبداعي في شركة آبل.
جوناثان بول إيف، مصمم بريطاني الجنسية وحاصل على رتبة الامبراطورية البريطانية، ويشغل الآن منصب رئيس التصميم الصناعي في آبل، فهو المسؤول عن تصميم العديد من أجهزة آبل مثل آي ماك وماك بوك وآي بود وهواتف آيفون ومؤخراً الساعة الذكية آبل ووتش.
ولد جوناثان إيف في كينج فورد في ضواحي لندن سنة 1967 من والد حرفي بارع في صناعة المنحوتات من الفضة.
ظهر اهتمام جوني بالتصميم وهو في الرابعة عشرة من عمره، فكان ينظر إلى الاشياء بنظرة أخرى تتعمّق بكيفية صنع هذه الاشياء، فكان يقوم بفك أجهزة الراديو وأشرطة الكاسيت لمعرفة ما بداخلها ومما صنعت ومحاولة إعادة تركيبها مرة أخرى.
وفي إحدى اللقاءات معه في متحف التصميم في لندن سنة 2003 قال إيف "أتذكر دائما فضولي فى طفولتي حول كيفية صنع الأشياء، فكنت أقوم دائما بفك الأجهزة لمعرفة مابداخلها ومما صُنعت وأفشل فى إعادة تركيبها مره أخرى.
لم تتوقف موهبته هنا، بل لفت أنظار جميع مدرسيه فى مدرسته الثانوية بستافورد من خلال رسمه وتصميماته الرائعة التي لم يشاهد أي مدرس مثلها من أي طالب آخر.
ويقول أحد معلمي إيف "كان لجوني موهبه خاصه، كان يقوم برسم نماذج أولية على الورق لأشياء وأجهزة لم نعتد رؤيتها بهذا التصميم الرائع من قبل، وكان بارعا أيضا فى تقديم فكرته إلى الجميع بشكل مبتكر وأنيق.
ويضيف قائلاً : "المفاجأة أننا كمدرسين تعلمنا كثيرا من موهبة جوني، فمهمة المصمم الأولى والأصعب هي إخراج تصميم بسيط يستطيع من خلاله إخبار الناس بالفكرة بدون أي تعقيد، وجوني كان قادرا على ذلك ببراعه.
في السادسة عشرة من عمره أتيحت لجوني فرصة لعرض تصميماته وأعماله أمام كبار رجال الأعمال من خلال مؤتمر سنوي لتعزيز مناهج التصميم فى المدارس الثانوية، ولحسن حظه كان "فيل جراي" حاضرا آنذاك، وهو المدير الاداري لإحدى شركات التصميم الرائدة فى لندن.
كان المؤتمر مليء بالكثير من أعمال الطلبة من مدارس مختلفه، ولكن استطاع جوني أن يلفت الأنظار لتصميماته وخاصة أنظار جراي مدير شركة التصميم، وعلى إثرها طلب جراي من جوني إجراء مقابلة معه في مقر الشركة، وبالفعل تمّت المقابلة وأعرب جراي عن إعجابه بمواهب جوني وعرض له تقديم كافة المساعدات اللازمة.
في المدرسة الثانوية كانت إحدى المشاكل التي تواجه مدرسته عرض المحتوى من خلال العارض الضوئي "بروجكتور" إذ كانت أجهزة البروجيكتور آنذاك كبيرة الحجم ويصعب التنقل بها، ففكر جوني في تصميم فريد لبروجكتور بحيث يكون صغير الحجم يسهل التنقل به وحمله، وبالفعل قام جوني برسم التصميم بالكامل وقام بتصنيعه بنفسه من الورق المقوى وبعض المواد المتاحه له وقام بعرضه على مدرسيه مما أثار دهشتهم وإعجابهم بذكاء جوني وبراعته.
بإنهائه المرحلة الثانوية حصل إيف على درجات عالية أهّلته لدخول جامعة نيوكاسل البوليتكنيك في شمال بريطانيا والمعروفة بجامعة نورثمبريا حاليا وقام رسميا بدراسة التصميم الصناعي فيها.
في سنته الجامعية الأخيرة قدّم جوني إيف تصميما رائعا لهاتف محمول ليتم استبداله بالهواتف الأرضية، وكمكافأة له نال إيف جائزة مالية قدرها 1500 باوند من الجمعية الملكية للفنون.
بعد التخرج من الجامعة أصبح إيف مولعاً بالتكنولوجيا، وخاصة أجهزة الكمبيوتر التي بدأت بالانتشار بشكل كبير في ذلك الوقت وخاصة أجهزة آي ماك من آبل.
وفي تلك الأثناء صرح إيف قائلاً "كنت مهتماً بآبل بدرجة كبيرة، لدرجة أنني قمت بمعرفة كل شيء عن الشركة مثل تاريخها وتأسيسها وكافة المعلومات عن جهاز آي ماك، كنت أعلم جيدا أن آبل لا تعمل من أجل المال، وإنما من أجل هدف حقيقي وهذا مادفعني إلى الاهتمام بها بشكل أكبر وتمنيت زيارتها".
تخرج جوني إيف من الجامعة سنة 1989 وفي العام ذاته قرر الذهاب إلى الولايات المتحدة مع صديقه ديفيد تونج في رحلة لزيارة وادي السيلكون حيث مقر شركة آبل، وبالفعل ذهب جوني إلى كاليفورنيا وأجرى اتصالاته مع استوديوهين للتصميم في وادي السيليكون لزيارتهما.
خلال زياراته لاستديوهات التصميم التقى جوني بروبرت برانر مدير إحدى الاستديوهات آنذاك وواحد من أبرز نجوم التصميم في وادي السليكيون حينها، و الذي انتقل بعدها إلى شركة آبل للعمل بها كرئيس لقسم التصميم الصناعي.
أجرى جوني اتصالاته مع برانر وبالفعل ذهب لمقابلته حاملاً معه تصميم الهاتف المحمول الذي كوفئ من أجله من الجمعية الملكية للفنون بلندن، وعندها أعرب برانر عن دهشته وإعجابه ببراعة جوني وذكائه قائلاً "كان الأمر رائعا وابداعيا بالنسبة لطالب صغير السن حديث التخرج من الجامعة، ولا يملك حتى وظيفة، فكل الطلاب الذين أراهم يسعون فقط الى وظيفة ويقومون برسم التصميمات على الورق فقط ولا يهتمون بما سيوجد بالداخل، ولكن جونى كان مختلفا كليا".
قدّم برانر عرض عمل لجوني ولكن الأخير قابله بالرفض وعاد إلى لندن ليعمل في شركة صديقه حتى سنة 1991، بعدها عاود جوني الاتصال ببرانر بعد شغله منصب رئيس التصميم الصناعي بآبل، وكانت الشركة آنذاك تعمل على تصميم جديد لجهاز ماك وذلك بعد تمسّكها بتصميم واحد طيلة ست سنوات دون أدنى تغيير.
في شهر أيلول سبتمبر سنة 1992، انتقل جوني إلى كاليفورنيا مع زوجته هيذر بيج وذلك في السابعة والعشرين من عمره، استقر الزوجان في منزلهم الجديد فى سان فرانسيسكو بعد أن تلقى إيف عرض عمل من آبل وقبوله، وبدأ العمل رسميا مع الشركة تحت قيادة روبرت برانر وبدأت سلسلة إنجازات جوني مع آبل إلى أن تمت ترقيته إلى منصب نائب الرئيس للتصميم الصناعي وذلك سنة 1997 وذلك في فترة عودة ستيف جوبز من آبل بعد خروجه مؤقتا منها بعد خلاف بسيط مع الإدارة وجاءت عودته حينها ليشغل منصب الرئيس التنفيذي للشركة.
وفي أول اجتماع لجوبز بعد توليه منصب الرئيس التنفيذي صرخ بالجميع معبراً عن استيائه من المنتجات وافتقارها لأي عنصر من عناصر الجاذبية من ناحية التصميم، ومن هنا قرر جوني وضع لمسته في الشركة بعد رؤيته للمستقبل في حديث ستيف جوبز، حيث علم أن جوبز سيكون مفتاح تغيير آبل إلى الأفضل، وبالفعل نجح إيف في مهمته ووضع لمسة من الأناقة والجاذبية على جميع منتجات آبل التي صممها مما عكس عبقريته وبراعته في مجال التصميم.
يمتلك جوني إيف مكتبا مميزا على شكل مكعب زجاجي في ستوديو التصميم الخاص بشركة آبل لا يسمح لأي شخص بدخوله، ويشرف إيف على فريق التصميم المكون من 20 شخص ولم يتغير أعضاء فريق التصميم إلا قليلاً منذ أواخر التسعينات.
أقنع إيف ستيف جوبز بضرورة استخدام اللونين الأبيض والأسود في منتجات آبل، إذ كان جوبز ضد استخدام هذه الألوان، لكنه اقتنع عندما قدم له جوني اللون الرمادي بين الأبيض والأسود في البداية على أجهزة الحاسوب المختلفة وقام جوبز بتطبيقه على العديد من منتجات الشركة.
حصل جوني إيف على لقب فارس من المملكة المتحدة لإنجازاته في مجال خدمات التصميم و المشاريع بالعالم، كما حصل على عدد كبير من الجوائز منها جائزة Design Museum لأفضل مصمم عام 2003 وحصل على National Design Award كأفضل مصمم منتجات عن دوره في تصميم آيفون كما تم تسميته من قبل صحيفة ديلي تليغراف كأكثر البريطانيين تأثيرا في الولايات المتحدة في عام 2008، ويحمل جوني ايف أكثر من 730 براءة اختراع في الولايات المتحدة متعلقة بتصميم المنتجات فضلا عن العديد من براءات الاختراع في جميع أنحاء العالم.
في شهر مايو 2015 تمت ترقية إيف ليصبح الرئيس التنفيذي لوحدة التصميم الصناعي في شركة آبل.
قام جونى باعادة تصميم جهاز الماك والاى ماك عدة مرات ليلائم موضة العصر، وقام بعمل تصميم الاى بود أيضا واعادة تصميمه على مر سنوات عديده، إلى أن جاء العام الذهبى لابل 2007 واطلاق أول هاتف ذكى فى العالم وهو الاى فون وكان من تصميم جونى ايف أيضا إلى أن وصل حتى الان إلى الاى فون 6.
