سوراب تيواري لـ«الرجل»: فهم الضيف سرّ الفخامة.. والسعودية سوق واعدة
وراء كل تجربة فندقية استثنائية حكاية من التفاصيل والقرارات التي تصنع الفارق، بدءًا من فلسفة الخدمة وفهم تطلعات الضيوف، وصولًا إلى استشراف مستقبل الفخامة.
وفي حواره مع "الرجل"، يتناول سوراب تيواري، نائب الرئيس في مجموعة الفنادق الهندية المحدودة (IHCL)، أبرز التحولات التي يشهدها قطاع الضيافة، من إرث علامة تاج العريق إلى آفاق النمو في المملكة العربية السعودية.
من خبرات الأسواق العالمية إلى فلسفة القيادة
بدأت رحلة تيواري المهنية في الهند، قبل أن تمتد إلى أوروبا والشرق الأوسط وجزر المالديف وسريلانكا، تلك التجارب منحته فرصة لفهم الاختلافات التي تصنع ملامح الضيافة في كل سوق، بدءًا من أساليب التشغيل وصولًا إلى توقعات الضيوف وطبيعة التجارب التي يبحثون عنها.
وفي حديثه عن أثر هذه المحطات في تكوين شخصيته المهنية، يقول تيواري: "علّمتني أوروبا الانضباط والدقة التشغيلية، بينما علّمني الشرق الأوسط الطموح وأهمية السعي المستمر إلى رفع المعايير. أما العمل في وجهات متنوعة، فقد علّمني أنه لا يوجد نهج واحد يناسب الجميع".
وقد أشار إلى أن التجارب الثقافية المختلفة لا تغير أساليب العمل فحسب، بل توسع فهم القائد لطبيعة الضيافة نفسها، فالهند، كما يوضح، علمته الدفء والاهتمام الصادق، بينما عززت أوروبا لديه قيمة الدقة والانضباط والصرامة المالية. أما إسبانيا، فقد أظهرت له أهمية التصميم والارتباط بروح المكان، في حين رسخ الشرق الأوسط لديه الطموح وعقلية الفوز.
لكن هذه الخبرات، على اختلافها، قادته إلى قناعة واحدة يصفها بأنها الدرس الأهم في مسيرته: "الضيافة في جوهرها صناعة قائمة على الإنسان أولًا، إذ يمكنك امتلاك أفضل المنتجات وأحدث التقنيات، لكن أفراد فريقك هم من يصنعون تجربة الضيف الحقيقية".
ومن هذا المنطلق، تغير أسلوبه القيادي مع اتساع مسؤولياته، فبعد أن كان تركيزه في بداية مسيرته منصبًا على متابعة العمليات اليومية وضمان تنفيذ المهام بالشكل المطلوب، أصبح اهتمامه اليوم أكبر بتهيئة بيئة تمكّن الآخرين من النجاح، وتمنحهم الثقة لاتخاذ القرارات وتطوير قدراتهم.
في النهاية، اختصر تيواري فلسفته القيادية في عبارة واضحة: "دور القائد هو صناعة قادة جدد، لا أشخاص يعتمدون عليه في كل شيء".
وهي رؤية تجعل بناء القدرات البشرية جزءًا من مسؤولية القيادة، لا مجرد مهمة إدارية موازية للعمل اليومي.
"تاجنِس".. الفلسفة التي تقف وراء تجربة الضيافة
عندما سُئل سوراب تيواري عن مفهوم "تاجنِس" Tajness، الذي كثيرًا ما تستخدمه علامة تاج للتعبير عن هويتها في عالم الضيافة، أوضح أن الأمر يتجاوز مجرد مجموعة من معايير الخدمة أو التعليمات التي يلتزم بها الموظفون.
المفهوم، بحسب وصفه، يمثل "عقلية ونهجًا في التعامل مع الضيوف"، يقومان على الدفء، واستباق الاحتياجات، والاهتمام الصادق، وتقديم ما يتجاوز التوقعات.
كما يؤكد تيواري أن هذه الروح لا يمكن اختزالها في إجراءات ثابتة، قائلًا: "لا توجد قائمة تحقق تحدد معنى تاجنِس، فإذا كنت بحاجة إلى قائمة تعليمات لكي تُظهر اهتمامًا صادقًا بالآخرين، فإن هذا الاهتمام يفقد عفويته وحقيقته".
ويعني ذلك أن الحفاظ على هوية تاج لا يقتصر على تطبيق معايير موحدة في جميع فنادقها، بل يتطلب منح الموظفين مساحة للتعبير عن قيم العلامة بصورة طبيعية تتناسب مع ثقافة الوجهة وخصوصيتها.
فقد تختلف طريقة إظهار الاهتمام بالضيف بين دبي وجزر المالديف وسريلانكا، لكن الهدف يظل واحدًا: أن يشعر الضيف بأنه موضع رعاية حقيقية.
ترتبط هذه الفلسفة بإرث علامة تاج، التي افتتحت فندق تاج محل بالاس في مومباي عام 1903، لتصبح جزءًا من تاريخ الضيافة الفاخرة في الهند.
لكن الحفاظ على هذا الإرث، كما يراه تيواري، لا يعني التمسك بالماضي على حساب التطور، بل معرفة القيم التي ينبغي أن تبقى ثابتة، مع الاستعداد لتطوير كل ما عداها.
وقد أوضح رؤيته بقوله: "الحفاظ على الإرث لا يعني الوقوف في مكانك، بل يعني أن تعرف ما الذي يجب ألا يتغير أبدًا، وأن تكون مستعدًا لتغيير كل ما عدا ذلك".
ومن هذا المنطلق، تظل قيم الدفء والنزاهة والاهتمام الصادق أساسًا لهوية تاج، فيما تتطور الخدمات والتصميم والتقنية والعافية والاستدامة لمواكبة تطلعات الضيوف المتغيرة.
التقنية والإنسان.. المعادلة التي تصنع الضيافة الاستثنائية
مع التوسع في استخدام التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في قطاع الضيافة، كان من المهم سؤال تيواري عن كيفية توظيف هذه الأدوات الحديثة دون أن تفقد الضيافة طابعها الإنساني.
في هذا الأمر، يرى تيواري أن التقنية ينبغي أن تدعم تجربة الضيف لا أن تحل محل التواصل البشري، قائلًا: "أرى التقنية أداة تمكين، لا بديلًا عن الإنسان".
بهذه الجملة البسيطة يوضح تيواري أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد الفنادق على فهم تفضيلات الضيوف، وتحسين الكفاءة التشغيلية، وتوفير تجربة إقامة أكثر سلاسة، لكنه لا يستطيع أن يحل محل التعاطف أو حسن التقدير أو الحوار الإنساني الصادق.
بل يعتقد أن مهارات التواصل ستزداد أهمية مع اتساع الاعتماد على التقنيات الحديثة، قائلًا: "الأشخاص الذين يمتلكون مهارات حوارية متميزة ستكون لهم ميزة أكبر في عالم يعتمد بصورة متزايدة على التقنية".
غير أن تحقيق هذه المعادلة يبدأ من اختيار الأشخاص القادرين على تقديم الخدمة بروح حقيقية؛ إذ يقول تيواري: " عندما أختار أفراد فريقي أبحث عن الموقف والسلوك الإيجابي قبل أي شيء آخر، فالمهارات يمكن تعليمها، أما الدفء الصادق والفضول والتعاطف والرغبة الحقيقية في تقديم الخدمة، فمن الصعب اكتسابها بالتدريب وحده".
كما تزداد أهمية هذا النهج في بيئة عمل متعددة الثقافات، مثل الأسواق التي تشرف عليها مجموعة الفنادق الهندية المحدودة (IHCL).
فالحفاظ على هوية علامة تاج، بحسب تيواري، لا يتطلب أن يقدم جميع الموظفين الخدمة بالطريقة نفسها، بل أن يتشاركوا القيم الأساسية مع التعبير عنها بما يتناسب مع ثقافة كل وجهة.
ويختصر هذه الفكرة بقوله: "ثبات في القيم، وتنوع في التعبير عنها"، الدفء والنزاهة والاحترام والاهتمام الصادق تظل مبادئ مشتركة، بينما يمكن أن تختلف أساليب تطبيقها بين دبي وجزر المالديف وسريلانكا.
وهكذا، لا تقوم الضيافة الاستثنائية على المفاضلة بين التقنية والإنسان، بل على توظيف الأولى لدعم الثاني؛ بدءًا من تسهيل العمليات وفهم التفضيلات، وصولًا إلى بناء فرق تمتلك التعاطف والمرونة والقدرة على تحويل قيم العلامة إلى تجربة يشعر بها الضيف.
المملكة العربية السعودية.. ما وراء التوسع الفندقي
لا ينظر سوراب تيواري إلى سوق الضيافة في الشرق الأوسط باعتبارها مجموعة متجانسة من الضيوف ذوي التفضيلات المتشابهة، بل يرى أن فهم دوافع السفر واحتياجات الأفراد يمثل نقطة الانطلاق لتصميم تجارب فندقية أكثر ملاءمة.
يقول: "أعتقد أنه من المهم ألا نضع الضيوف في قوالب نمطية بناءً على جنسيتهم فحسب، الأهم هو فهم أسباب سفرهم وما يقدّرونه ويبحثون عنه".
انطلاقًا من هذه الرؤية، تبرز المملكة العربية السعودية بوصفها إحدى الأسواق التي تستدعي فهمًا دقيقًا لطبيعة الوجهة وتحولاتها، في ظل ما تشهده ضمن رؤية 2030 من تطورات متسارعة في قطاع السياحة والضيافة.
وعند سؤاله عن أهمية السوق السعودية بالنسبة إلى مجموعة الفنادق الهندية المحدودة (IHCL)، يوضح تيواري أن الفرصة تتجاوز التوسع في الطاقة الفندقية، قائلًا: "بالنسبة إلى مجموعتنا، لا تتمثل الفرصة في مجرد زيادة عدد الغرف الفندقية، بل في فهم الوجهة والمساهمة في مسيرة تطورها".
يعكس هذا التصور توجهًا نحو بناء حضور يرتبط بطبيعة السوق المحلية وخصوصيتها، بدلًا من الاكتفاء بنقل نموذج تشغيلي موحد إليها.
المجموعة، بحسب تيواري، تمتلك إرثًا عريقًا وثقافة راسخة في الخدمة، لكن نجاحها يتطلب أيضًا فهم السياق المحلي واحترامه، وتقديم تجارب تتناسب مع طبيعة الوجهة وتطلعات زوارها.
وقد أعلنت IHCL عن دخول علامة تاج إلى مكة المكرمة ضمن مشروع طريق الملك عبدالعزيز، كما أعلنت عن توقيع فندق تاج في الدرعية بالتعاون مع هيئة تطوير بوابة الدرعية.
هذان المشروعان يعكسان بشكل واضح توجّه المجموعة نحو التوسع في وجهات سعودية ذات مكانة دينية وتاريخية وثقافية بارزة.
إرث يتطور.. وفخامة تترك أثرًا
بعد أكثر من 20 عامًا في قطاع الضيافة الفاخرة، كان من المهم سؤال سوراب تيواري عمّا تعنيه الفخامة الحقيقية بالنسبة إليه على المستوى الشخصي، بعيدًا عن المفاهيم التقليدية المرتبطة بالمظاهر والرفاهية المادية.
وفي إجابته، أعاد تيواري التأكيد على أن قيمة التجربة لا تكمن في امتلاك المزيد، بل في الحصول على ما يلائم احتياجات الشخص وتفضيلاته بدقة، قائلًا: "بالنسبة لي، لا تتعلق الفخامة الحقيقية بامتلاك المزيد، بل بالحصول على ما تحتاج إليه تحديدًا، وغالبًا قبل أن تطلبه".
وقد وضع تيواري الوقت والخصوصية والتخصيص في صميم هذا المفهوم، موضحًا أن الفخامة قد تتجسد في عشاء خاص تحت النجوم، أو إعداد طبق من المطبخ المفضل للضيف على نحو خاص له، أو تصميم تجربة تعكس طابع الوجهة وخصوصيتها.
هذه الإجابة على بساطتها تعكس فلسفة تتجاوز المظاهر المادية إلى الاهتمام بالتفاصيل التي تمنح كل إقامة طابعًا شخصيًا.
كما تنسجم هذه الرؤية مع فلسفته الأوسع في إدارة الضيافة؛ إذ لا ينظر إلى الحفاظ على إرث تاج العريق باعتباره تمسكًا بالماضي، بل بوصفه مسؤولية تتطلب صون القيم الأساسية للعلامة مع تطوير وسائل تقديم الخدمة ومواكبة تطلعات المسافرين.
وبين إرث تاج العريق وطموحاتها التوسعية في السوق السعودية، تتبلور رؤية تيواري في معادلة تجمع بين الحفاظ على هوية راسخة ومواصلة التطور، مع إبقاء الإنسان في قلب تجربة الضيافة، والاستفادة من التقنيات الحديثة لتعزيزها لا استبدالها.
