من الأزياء إلى المحركات.. كيف انعكس ذوق رالف لورين على شغفه بالسيارات؟
في أواخر الستينيات، بدأ رالف لورين يعرض تصميماته تحت اسم "بولو"، قبل أن تتسع الفكرة لتصبح واحدة من أشهر العلامات في عالم الأزياء.
وحين التفت لورين إلى السيارات، لم يغيّر هذه اللغة، بل تعامل مع السيارة بعين المصمم؛ إذ التفت إلى الخطوط والنسب والخامات والحرفية، وإلى الشخصية التي تمنح الطراز مكانته، بقدر اهتمامه بالمحرك والأداء.
في ذكرى ميلاده السابع والثمانين، يتوقف هذا التقرير عند جانب من أكثر جوانب شخصية رالف لورين خصوصية: شغفه بالسيارات، الذي دفعه على مدى عقود إلى جمع نماذج نادرة واستثنائية، وتحويلها إلى مجموعة تحمل بصمته الخاصة.
البداية.. من شغف شخصي إلى مجموعة استثنائية
بدأت علاقة رالف لورين بالسيارات من شغف عميق يتجاوز اقتناء المركبات الفاخرة، فقد ارتبط اهتمامه بتصميمها ودقة صناعتها وتاريخها، إلى جانب الإحساس الذي تمنحه لكل من يقودها أو يتأمل تفاصيلها.
ومع مرور السنوات، تطور هذا الاهتمام إلى مجموعة تعد اليوم من أبرز مجموعات السيارات الخاصة في العالم، وتضم نماذج نادرة واستثنائية تنتمي إلى مدارس تصميم وعصور وشركات مختلفة.
اختار لورين أن يبني مجموعته حول مفهوم أوسع من الانتماء إلى علامة تجارية أو حقبة زمنية بعينها، مستندًا إلى ثلاث قيم رئيسة شكّلت رؤيته للسيارة: السرعة، والأناقة، والجمال.
السرعة والأناقة والجمال تمثل الركائز التي شكّلت رؤية لورين في اختيار سياراته، ولذلك تبدو مجموعته أقرب إلى رحلة عبر تاريخ السيارات، تتجاور فيها التحف الأوروبية التي سبقت الحرب العالمية الثانية مع سيارات السباق الشهيرة وطرز الأداء العالي التي أصبحت لاحقًا علامات بارزة في عالم السيارات الرياضية.
هذا التنوع منح المجموعة قيمة نادرة مختلفة عن باقي المجموعات التي نعرفها، فقد أصبحت سيارات لورين جزءًا من المشهد العالمي للسيارات الكلاسيكية، وظهرت نماذج منها في معارض وفعاليات كبرى، حيث اجتمعت الحرفية الهندسية مع التصميم والتاريخ في مجموعة تعكس ذائقة صاحبها ورؤيته الخاصة للسيارة كقطعة تحمل شخصية وهوية.
مجموعة سيارات رالف لورين.. أبرز القطع الفنية
داخل مجموعة سيارات رالف لورين الواسعة، تحتفظ بعض السيارات بمكانة خاصة، سواء لما تحمله من قصص استثنائية أو لما تركته من أثر في تاريخ صناعة السيارات.
"Mercedes-Benz SSK "Count Trossi
تحتل "Mercedes-Benz SSK "Count Trossi من عام 1930 مكانة خاصة بين أندر السيارات في مجموعة رالف لورين، فهي نسخة فريدة ارتبط تصميمها باسم السائق الإيطالي الشهير كارلو فيليس تروسي، الذي تولى لاحقًا رئاسة فريق فيراري.
من النظرة الأولى، تفرض السيارة حضورها بتصميم شديد التميز؛ مقدمة طويلة، ورفارف تنساب بانحناءات واضحة نحو الخلف، ومؤخرة ذات خطوط انسيابية تمنحها هيئة أقرب إلى السيارات المصممة كقطعة فنية.
يجمع هذا المظهر بين الهندسة الألمانية المتقدمة التي ميزت سيارات مرسيدس-بنز في تلك الحقبة وهيكل صُنع وفق مواصفات خاصة، في انعكاس لمرحلة كانت تتيح لأصحاب الثروات وعشاق السيارات ابتكار هياكل شخصية واستثنائية في الوقت نفسه.
وقد عزز تاريخ السيارة في مسابقات السيارات الكلاسيكية مكانتها بين أبرز النماذج في المجموعة، بعدما حصدت جائزة Best in Show في كل من معرض بيبل بيتش ومسابقة فيلا ديستي للأناقة، وهما من أبرز الفعاليات العالمية المخصصة للسيارات التاريخية.
Bugatti Type 57SC Atlantic
بخطوطها المنحوتة وارتفاعها المنخفض وظهرها الذي يبدو كامتداد متصل للهيكل، تبدو Bugatti Type 57SC Atlantic موديل 1938 أقرب إلى عمل فني خرج من مرسم آرت ديكو منه إلى سيارة تقليدية.
تحمل السيارة توقيع جان بوجاتي، نجل إيتوري بوجاتي، الذي منحها تصميمًا جريئًا جمع بين النسب غير المألوفة والخطوط الهندسية الحادة، ليصبح طراز Atlantic واحدًا من أكثر التصاميم تميزًا في تاريخ السيارات الكلاسيكية.
وراء هذا التصميم الاستثنائي تقف ندرة تكاد تكون أسطورية؛ فقد أنتجت بوجاتي أربع سيارات فقط من Type 57SC Atlantic، ولم يبقَ منها سوى اثنتين معروفتين حتى اليوم.
وقد وصلت نسخة رالف لورين إلى مجموعته عام 1988، ثم خضعت لترميم شامل أعاد إليها رونقها مع الحفاظ على أكبر قدر ممكن من مكوناتها الأصلية وتفاصيلها التاريخية.
ندرة سيارة Bugatti Type 57SC Atlantic وتصميمها الأنيق، تجسد حقبة ازدهر فيها التعاون بين الهندسة وفنون التصميم، وتحولت فيها السيارة لدى نخبة المصممين والصنّاع إلى مساحة للتجريب والابتكار.
McLaren F1 LM
بعد استعراض نماذج تنتمي إلى العصر الذهبي للسيارات الأوروبية، تأخذ مجموعة رالف لورين منعطفًا مختلفًا تمامًا مع McLaren F1 LM من عام 1996.
هنا تنتقل الحكاية من الهياكل المصممة يدويًا والمحركات التي صنعت أسطورة السيارات في بدايات القرن العشرين، إلى عصر جديد أصبحت فيه التقنية والمواد خفيفة الوزن جزءًا أساسيًا من فلسفة الأداء.
خمس سيارات فقط خرجت إلى الطرق باسم McLaren F1 LM، وكل واحدة منها تحمل صلة مباشرة بإحدى أشهر لحظات مكلارين في سباق لو مان.
وقد وصلت نسخة لورين إلى مجموعته بعد شرائها في مزاد عام 2004، وهي مطلية بلون Papaya Orange الشهير، الذي ارتبط بتاريخ بروس مكلارين وظهور سياراته في عالم السباقات.
يمنح هذا اللون السيارة حضورًا لافتًا داخل المجموعة، خصوصًا بجوار النماذج الكلاسيكية ذات الطابع الأوروبي التقليدي.
وتكشف هندسة F1 LM عن التحول الكبير الذي شهدته صناعة السيارات خلال العقود الفاصلة بين تلك السيارات الكلاسيكية وعصر مكلارين.
فقد اعتمدت على البناء خفيف الوزن والاستخدام المكثف لألياف الكربون وحلول هندسية موجهة نحو الأداء، بينما جاءت نسخة LM أكثر تركيزًا على قدرات الحلبات من سيارة F1 الأصلية، مستفيدة من الخبرة التي راكمتها مكلارين في سباقات التحمل.
هذا الانتقال من Mercedes-Benz SSK وBugatti Type 57SC Atlantic إلى McLaren F1 LM يوضح اتساع الرؤية التي تحكم مجموعة لورين. فيبدو الفرق الزمني والتقني بين السيارات هائلًا، بينما يجمعها تقدير واضح للندرة والتصميم والأهمية الهندسية والتاريخية.
من المرآب إلى منصات العرض
حين خرجت سيارات رالف لورين من مرآبه الخاص إلى أنظار الناس، بدا الأمر كأن نظرته إلى التصميم وجدت أخيرًا مساحة أوسع تتحرك فيها.
جاءت اللحظة الكبرى عام 2005 في متحف الفنون الجميلة في بوسطن، مع معرض Speed, Style, and Beauty: Cars from the Ralph Lauren Collection الذي شاركت فيه 16 سيارة.
اختار المتحف أن يقرأ هذه السيارات بوصفها شاهدًا على عصورها، فتتبّع كيف تبدّلت الخطوط والأجسام عبر العقود، وكيف سار ذلك جنبًا إلى جنب مع تقلبات الموضة وقفزات التقنية وتغيّر المجتمع نفسه.
بعد ست سنوات عبرت المجموعة إلى باريس، وهناك اقتربت من عالم الفن أكثر، حين ضم معرض "فن السيارات" L'Art de L'Automobile عام 2011 سبع عشرة سيارة مختارة، وحمل عنوانه وحده إعلانًا عن الزاوية التي يُنظر منها إلى هذه الآلات.
في تلك القاعات التقت هندسة الأداء بجماليات الشكل، وبدت كل سيارة عملًا يُقاس بانسيابية خطه وإتقان صنعته بقدر ما يُقاس بقوة المحرك.
هذا الالتقاء يشبه ما بناه لورين طوال مسيرته، حيث تتجاور الموضة والفن والحرفة دون انفصال.
أما في عالم رالف لورين نفسه، فقد وجدت السيارات طريقها إلى المشاهد التي تشكل هويته البصرية، فمن خلال تقديم مجموعة ربيع 2025 عام 2024، ظهرت سيارات كلاسيكية إلى جوار الإسطبلات في بريدجهامبتون، ضمن أجواء جمعت الأزياء والفروسية والطابع الأمريكي المرتبط بعلامة لورين.
وامتد الحضور إلى ما هو أقرب إلى الضيف والمنتج، فقد دخلت سيارات من مجموعة لورين في بعض تجارب العلامة داخل عالم الموضة، وانتقلت تفاصيل المقصورات الكلاسيكية إلى الجلود والأخشاب والتشطيبات اليدوية التي تحملها منتجاته، حتى صار ملمس مقعد قديم أو لمعة خشب لوحة القيادة يُستعاد في قطعة تُلمس باليد.
وهكذا اتسع موقع السيارات في عالم لورين إلى ما هو أبعد من مجموعة تُقتنى وتُحفظ، إذ صارت مفردة أساسية في القاموس الذي يكتب به عالمه.
لماذا بقيت السيارات جزءًا من هوية رالف لورين حتى اليوم؟
بقيت السيارات جزءًا أساسيًا من هوية رالف لورين لأنها تنسجم بصورة طبيعية مع العالم الذي بناه حول التصميم والحرفية والتراث والأداء وأسلوب الحياة الفاخر.
بالنسبة إلى لورين، لا تنحصر جاذبية السيارة الاستثنائية في قدراتها الميكانيكية، بل تمتد إلى ما تمثله من جمال وحرفية وتاريخ.
هذه النظرة قريبة جدًا من الأساس الذي قامت عليه أزياء رالف لورين طوال عقود، فالعلامة لم تكتفِ بطرح قطع منفردة تُباع وتُنسى، بل بنت عالمًا كاملًا تسكنه الحياة الريفية الأمريكية والفروسية والأزياء المفصلة والسفر والرفاهية الهادئة.
السيارات الكلاسيكية بدورها تُعد جزءًا من هذا العالم، وحضورها فيه لا يحتاج إلى تبرير، لأنها تتحدث اللغة البصرية والعاطفية نفسها التي أسس عليها لورين علامته.
مع الوقت، تجاوز أثر السيارات حدود المجموعة الخاصة ووصل إلى المنتجات والتجارب ذاتها، في تصاميم حديثة، استعارت العلامة تفاصيل من مقصورات السيارات الكلاسيكية: أنواع الجلود والأخشاب، والمقابض، والأشكال الهندسية، وطريقة تنفيذ التفاصيل الصغيرة.
من هذه الزاوية تعمل السيارات مصدرًا متجددًا للأفكار في شؤون الفخامة والتصميم، إلى جانب كونها مقتنيات شخصية يعتز بها صاحبها.
ومن هنا يمكن فهم استمرار السيارات داخل هوية رالف لورين حتى اليوم؛ فهي تمثل طريقته في الحفاظ على شخصية الماضي وإعادة تقديمها ضمن أسلوب حياة معاصر وفاخر.
