«دراكولا» بحبر مون بلان.. تكريم استثنائي لبرام ستوكر
لا تكتفي مون بلان بتخليد أسماء كبار الأدباء عبر سلسلة «Writers Edition»، بل تسعى في كل إصدار إلى إعادة سرد إرثهم بلغة التصميم والحرفية.
وبعد أن كرّمت على مدار السنوات نخبة من أعظم الكتّاب، اختارت الدار هذه المرة الكاتب الإيرلندي برام ستوكر، صاحب رواية دراكولا، لتقدم مجموعة جديدة تستوحي تفاصيلها من إحدى أكثر الروايات تأثيراً في الأدب العالمي.
ولا يقتصر هذا الإصدار على استحضار شخصية مصاص الدماء الأشهر في التاريخ، بل يترجم عالم الرواية بكل تناقضاته؛ بين العلم والأسطورة، والخوف والاكتشاف، إلى مجموعة من أدوات الكتابة التي تحمل قيمة فنية وثقافية بقدر ما تعكس براعة مون بلان الحرفية.
أكثر من تكريم لبرام ستوكر
حين نشر برام ستوكر رواية دراكولا عام 1897، لم يكن يدرك أنه يؤسس لواحدة من أكثر الشخصيات حضوراً في الأدب والثقافة الشعبية؛ فقد تجاوزت الرواية حدود الكتب لتلهم عشرات الأفلام والمسرحيات والأعمال الفنية، وتصبح المرجع الأبرز لأسطورة مصاصي الدماء كما يعرفها العالم اليوم.
ومن هذا الإرث الأدبي، انطلقت مون بلان لتقدم إصداراً يحتفي ليس فقط بالرواية، بل أيضاً بقوة الكتابة بوصفها وسيلة لحفظ الأفكار، وصناعة الخيال، ونقل القصص بين الأجيال، وهي الرسالة التي تقوم عليها سلسلة «Writers Edition» منذ انطلاقها.
كما يمتد الإلهام إلى جوانب من حياة ستوكر الشخصية كمدير مسرحي ومفكر، وليس إلى روايته الأشهر وحدها.
بين الأسطورة والعلم... فلسفة تصميم غير متوقعة
بعيداً عن الصورة التقليدية المرتبطة بشخصية دراكولا، اختارت مون بلان التركيز على الجانب الأقل شهرة في الرواية؛ وهو حضور العلم في مواجهة قوى الظلام.
فالتدرجات اللونية التي تجمع بين الأحمر الداكن والأسود في الراتنج الثمين لا تشير فقط إلى عضة مصاص الدماء، بل ترمز أيضاً إلى امتزاج الدم والسم، قبل أن يتدخل العلم عبر نقل الدم لإنقاذ الضحية، في واحدة من أهم الأفكار التي قدمها ستوكر داخل الرواية.
ولم يتوقف الأمر عند الألوان، إذ استُلهم شكل القلم ومقدمة أداة الكتابة والغطاء من محقنة "برافاز" الشهيرة، أحد أبرز الابتكارات الطبية في القرن التاسع عشر؛ في إشارة مباشرة إلى الصراع بين التفكير العلمي والخرافة، الذي شكّل أحد المحاور الأساسية للرواية.
أربعة إصدارات.. وأربع قراءات مختلفة للرواية
بدلاً من تقديم تصميم واحد، قسمت مون بلان المجموعة إلى أربع إصدارات، يحمل كل منها فصلاً مختلفاً من عالم برام ستوكر.
الإصدار الأساسي يجسد اللحظة التي تبدأ فيها المواجهة بين الخير والشر بعد عضة مصاص الدماء، من خلال راتنج رخامي يمزج الأحمر والأسود، وريشة من الذهب الخالص عيار 750، مع تفاصيل مطلية بالروتينيوم وتوقيع الكاتب المنقوش على الغطاء، إضافة إلى مشبك يحمل علامتين تحاكيان أثر الأنياب.
أما إصدار 1897، وهو عدد يرمز إلى سنة نشر رواية Dracula، فيستوحي تصميمه من قدرة الكونت دراكولا على التحول إلى خفاش. لذلك جاءت الأنبوبة والغطاء بتأثير يحاكي أجنحة الخفاش المطوية تحت طبقة ورنيش سوداء مذهلة، بينما صُنعت القطعة من الفضة الإسترلينية المؤكسدة، مع شعار مون بلان من عرق اللؤلؤ المرصع بالعقيق الأحمر، وريشة تحمل قناعي الكوميديا والتراجيديا تكريماً لعمل ستوكر في مسرح ليسيوم في لندن.
وفي إصدار 93 قطعة، الذي يخلّد عام 1893 عندما بدأ الكاتب كتابة الرواية، ينتقل التركيز إلى شغف ستوكر بالعلوم والطب. فالقلم المصنوع من الذهب الأبيض عيار 750 يكشف عن تفاصيل ميكانيكية مستوحاة من الأدوات الطبية، مع زخارف مستمدة من العقد السلتية التي رسمتها شقيقته ماتيلدا، إلى جانب عناصر من شعار النبالة الخاص بالعائلة وحركة "الفنون والحرف" (Arts & Crafts) التي ازدهرت في تلك الفترة.
أما الإصدار الأندر، والمحدود بثماني قطع فقط، فيمثل قمة المجموعة، إذ يستلهم رموزه من الوسائل التقليدية المستخدمة للحماية من مصاصي الدماء، مثل أزهار الثوم والوردة البرية، ليحولها إلى زخارف منفذة بالمينا وعرق اللؤلؤ والنقش الدقيق، فوق هيكل من الذهب الخالص المرصع بالألماس والعقيق الأحمر.
تفاصيل تليق بهواة الاقتناء
إلى جانب تنوع الإصدارات، أولت مون بلان اهتماماً استثنائياً بأدق التفاصيل الحرفية. فمن الريش المصنوعة يدوياً، إلى استخدام الذهب والفضة والروتينيوم، وترصيع الأحجار الكريمة، والنقش وفنون المينا، تعكس كل قطعة مستويات متقدمة من الحرفية التي اشتهرت بها الدار.
ولإكمال التجربة، يأتي الإصدار الأعلى مرفقاً بحبر خاص باللون البنفسجي، ودفتر أسود بملمس مخملي يحمل الزخارف نفسها، إضافة إلى طقم من أزرار الأكمام الدائرية المرصعة بحجر اليشب، ليصبح الإصدار أقرب إلى مجموعة مقتنيات فاخرة منه إلى مجرد أداة للكتابة.
عندما تتحول الرواية إلى قطعة فنية
في هذا الإصدار، تثبت مون بلان أن أدوات الكتابة يمكن أن تكون أكثر من مجرد وسيلة لتدوين الكلمات. فمن خلال المزج بين الأدب، والتاريخ، والرمزية، والحرفية الراقية، نجحت الدار في تحويل واحدة من أشهر روايات الرعب في التاريخ إلى مجموعة تحمل قيمة ثقافية وفنية، لتؤكد أن بعض القصص لا تُقرأ فحسب، بل يمكن أيضاً اقتناؤها.
