البشت السعودي رمز للوجاهة ولغة تصميمية معاصرة
في اليوم الوطني السعودي، لا يقتصر الاحتفاء بالهوية على استعادة رموز الماضي، بل يمتد إلى الطريقة التي تعيد بها هذه الرموز تقديم نفسها في خزانة الرجل، من دون أن تفقد دلالاتها الأصلية. ومن بين أكثر قطع الأزياء ارتباطًا بالهيبة والوجاهة في المشهد السعودي، يحتفظ البشت بمكانة استثنائية؛ ويبرز اليوم بصورة تتجاوز كونه رداءً تقليديًا محصورًا في المناسبات الرسمية الكبرى، ليصبح مساحة إبداعية تعكس تطور ذائقة الرجل العربي وشغفه بالتصاميم ذات الأبعاد الثقافية.
وفي السعودية، ترتبط صناعة البشت على نحو وثيق بالأحساء، التي اشتهرت عبر أجيال بحياكة البشت الحساوي وتطريزه الدقيق بخيوط الزري المعدنية، ومنها الذهبية والفضية، حتى غدت هذه الحرفة إحدى أبرز سمات التراث الحرفي للمنطقة. وفي 2025، اكتسب هذا الإرث بعدًا عالميًا مع إدراج البشت على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية لدى اليونسكو، ضمن ملف مشترك شاركت فيه المملكة العربية السعودية إلى جانب دول عربية أخرى.
بالتوازي مع استمرار حضوره التقليدي، ظهرت لدى بعض المصممين مقاربات تعيد تقديم البشت بلغة أكثر معاصرة؛ من تعديل الأطوال والنسب إلى دمجه مع الخياطة الرجالية الحديثة. وهكذا، لا تقوم الصورة الجديدة للبشت على التخلي عن إرثه، بل على إيجاد مساحة يلتقي فيها الرمز التقليدي مع ذائقة الرجل المعاصر.
KML (كَمَل)
في هذا الفضاء الإبداعي الذي يعيد تفكيك عناصر الزي السعودي وإعادة تركيبها، تبرز علامة سعودية شابة استطاعت نقل هذه الفلسفة إلى منصات الموضة العالمية؛ دار KML (كَمَل)، المشتق اسمها من المفهوم العربي "الكمال"، للمصممين أحمد ورزان حسن.
لم تكتفِ الدار بالوقوف عند جماليات البشت، بل غاصت عميقاً في تفاصيل الهوية السعودية والخليجية، فاستدعت الثوب التقليدي، الغترة، المشلح، وأحزمة البادية وغيرها لتعيد صياغتها بلغة عصرية هجينة.
ومن خلال دمج ياقة القلابة والأزرار الأمامية بسترٍ ومعاطف شتوية فاخرة، وتقديم قطع تمزج بين انسيابية الثوب وقصات ملابس الشارع، نجح KML في تقديم الكمال البصري للرجل الذي يبحث عن مواكبة العصر دون الاستغناء عن جذوره.
قطع فككت مفهوم الزي التقليدي
يتجلى هذا العبور الثقافي في مجموعات الدار عبر قطع محددة، تظهر كيف يمكن للموروث أن يتحول إلى لغة بصرية يفهمها العالم، دون أن تفقد دلالاتها الأصلية.
تصميم فريد يدمج بين قصة التونيك أو الثوب العربي الطويل وبين أكمام الـ "كيمونو" الياباني، مع فتحات خلفية عصرية حادة تكسر جمود المظهر التقليدي وتمنحه طابعاً عالمياً يفيض بالانسيابية.
سترات بلمسة الوشاح
كذلك المعاطف والسترات القصيرة المدمج بها أجزاء قماشية تنسدل على الكتف بحرية؛ محاكيةً الطريقة التلقائية الفاخرة لارتداء المشلح السعودي أو إلقاء الغترة فوق الكتف في الكيان الرجالي المعاصر.
ويتجلى هذا المفهوم بامتياز في التصميم الظاهر، حيث تلتف القطعة السوداء بانسيابية حول الصدر لتمتد كوشاح يتدلى نحو الخلف بأسلوب أحادي اللون يفيض بالغموض والوجاهة، مدعوماً بياقة دائرية مغلقة ومرتفعة تختزل هيبة ياقة الثوب التقليدي بنمط متجرد من التفاصيل الزائدة.
لم يقتصر تأثير تصاميم KML على منصات العرض، بل امتد ليكون خياراً لرموز صناعة الأزياء؛ حيث يظهر بوراك شاكماك، الرئيس التنفيذي لهيئة الأزياء السعودية، بإطلالة كاملة من الدار، تمزج بين حياكة البدلات الرسمية الحديثة وأناقة التراث. وتبرز في تصميمه سترة رمادية مدمج بها وشاح كحلي منسدل على كتف واحدة، في محاكاة صريحة وعصرية لطريقة ارتداء المشلح السعودي.
أحزمة الخصر المستوحاة من البادية
وفي هذه الإطلالة من أسبوع الرياض للأزياء، تبرز أحزمة جلدية عريضة مصقولة تحزم الخصر بقوة وتحدد معالم الإطلالة؛ وهي مستوحاة مباشرة من الأحزمة التاريخية والمحازم العريضة التي كان يرتديها رجال البادية في الجزيرة العربية لإضفاء لمسة من الصلابة والوجاهة. ويظهر في هذه القطعة كيف يتكامل الحزام الأسود ذو الإبزيم الكلاسيكي مع القميص الأبيض الملتف، مبرزاً التناقض البصري الحاد بين نعومة القماش التراثي وانسيابيته، وقسوة الهيكل الجلدي المستوحى من موروث الصحراء.
وهنا يتجلى حوار بصري يجمع بين انسيابية القصات الالتفافية وقسوة أحزمة البادية؛ حيث يظهر في التصميم معطف مستوحى من قصة اللف التقليدية يبرز أسفله ياقة الثوب السعودي البيضاء، محزوماً بحزام جلدي عريض يستدعي هيبة المحازم التراثية بنمط معاصر.
التنانير الرجالية والموروث الشعبي
ضمن مجموعة "كَمَل"، تأتي التنانير الطويلة وقطع اللف المعاصرة مستوحاة من الأزياء التقليدية القديمة التي ارتداها الرجال تاريخياً في أقاليم المملكة كالحجاز، جازان، والمنطقة الشرقية. وهنا، تبرز التنورة الرجالية الطويلة كإعادة قراءة جريئة لهذا الموروث الشعبي؛ حيث يستحضر التصميم انسيابية الإزار أو الفوطة التراثية بطيات سوداء متجردة، يحكمها خصر ملتف متعدد الطبقات يكسر حدود التصاميم التقليدية، ويمنح الحركة على منصة العرض بُعداً مسرحياً معاصراً يربط بسلاسة بين الأصالة المحلية والموضة العالمية.
نورا سليمان Noura Sulaiman
وفي مقترب إبداعي آخر يلتزم برصانة الخياطة الرجالية الفاخرة ، تبرز المصممة السعودية نورا سليمان كإحدى أبرز الأسماء التي أعادت سياق الموروث دون التخلي عن وقاره التاريخي. تتجلى رؤية العلامة بوضوح في طقم "ليل"، وهو طقم متكامل يتكون من أربع قطع، يعيد تعريف البشت للرجل المعاصر وينقله من رداء خارجي فضفاض محصور في الأعراس والمناسبات الكبرى، إلى قطعة مدمجة وعملية تحاكي بنية سترة البدلة الحديثة.
يتكون الطقم من أربع قطع، من بينها بشت كحلي بطول الورك مصنوع من الصوف الإيطالي الناعم، يُنسق مع سترة وسروال وقميص، في معالجة تضع البشت إلى جانب مفردات البدلة الحديثة بدل التعامل معه بوصفه إضافة منفصلة عنها. هنا تكمن قوة التجربة في بساطتها؛ فالتصميم لا يحاول إخفاء هوية البشت، بل يختصر أبعاده ويوظف خامته وقصته بطريقة تسمحان بدخوله إلى خزانة الرجل المعاصر بصورة أكثر مرونة.
وفي امتداد لافت يعزز من مفهوم القطع المشتركة العابرة للجنسين، تتجلى رؤية نورا سليمان في هذه الإطلالة المزدوجة من مجموعتها «٨ مساءً». يظهر العارضان بأطقم مسترخية باللون الرمادي الفحمي، يعلوها كاب طويل وفضفاض باللون الكحلي يحاكي في امتداده وانسيابيته هيبة البشت والعباءة التراثية؛ لتقدم نورا سليمان معالجة بصرية تثبت أن وقار الموروث يمكنه الانعتاق من قوالب الخياطة التقليدية، ليتحول إلى رداء عصري فضفاض ومريح يتقاسمه الرجل والمرأة بذات الأناقة والرصانة الكلاسيكية.
تُظهر هذه اللقطة المقربة الحياكة العالية والخامات الفاخرة؛ حيث يبرز الكاب بنسيج كحلي مضلع وبارز يمنح القطعة ثقلاً بصرياً يحاكي فخامة المشلح التقليدي. ويتكامل هذا الرداء الخارجي مع قميص يتميز بياقة منسدلة ناعمة تضفي على الإطلالة بأكملها طابعاً مسترخياً ومتحرراً من جمود الملابس الرسمية، ما يمزج بذكاء بين التراث والأزياء العصرية الحرة.
علياء السالمي ALYA ALSALMI
وفي سياق متصل يحتفي بجذور الهوية وأصالتها، تبرز علامة المصممة السعودية علياء السالمي كإحدى المنصات الإبداعية الرائدة في صياغة أزياء تعبر عن عمق الثقافة المحلية بنفحة معاصرة. لا تنظر السالمي إلى الثوب السعودي، أو البشت، أو المنسوجات البدائية التراثية بوصفها قطعاً جامدة من الماضي، بل تتعامل معها كعناصر حية قابلة لإعادة التشكيل والدخول في تفاصيل الأزياء الفاخرة؛ حيث تتميز تصاميمها بالتركيز على جودة الخامات الحرفية، والزخارف اليدوية، والقصات الفضفاضة الراقية التي تمنح قطعها حضوراً طاغياً يجمع بين الوجاهة التراثية والجماليات العالمية الحديثة.
ولم يتوقف قطار إعادة ابتكار الموروث في علامة علياء السالمي عند عتبات منصات الموضة المعتادة، بل تحول إلى بيان دبلوماسي ثقافي قادته المصممة على الساحة الدولية الفاخرة. ففي محطة تاريخية غير مسبوقة، أُسندت إليها مهمة تصميم الزي الرسمي للبعثة السعودية المشاركة في حفل افتتاح دورة الألعاب الأولمبية الشتوية ميلانو كورتينا 2026.
وفي هذه الإطلالة الحية، تقدم السالمي معالجة للبشت تتكيف مع الأجواء الباردة؛ حيث صممت فروة بشت شتوية ناصعة البياض مصنوعة من خامة الوبر الثقيلة والدافئة، ومطرزة بالزري والمقصب الذهبي الفاخر محاكاةً للبروتوكول الرسمي لارتداء البشت الأبيض في المملكة.
في المقابل، أعادت صياغة الزي النسائي مستلهمة من ثوب المسدح التراثي بطبقات دافئة وغطاء رأس متصل مزين بـ "هدب البيرم" التراثي الفاخر والمغزول يدوياً.
ذا الحضور الاستثنائي فوق الثلوج العالمية أثبت للعالم أن الرموز السعودية قادرة على العبور بمرونة وأناقة فائقة من دفء الصحراء إلى أرفع المنصات الدولية الكبرى.
