القرار الذي غيّر كل شيء.. كيف صنعت أوبرا إمبراطورية مليارية؟
في الوقت الذي كان فيه نجوم التلفزيون الأمريكي في الثمانينيات يتنافسون على جني الرواتب الأعلى وتأمين ثروات هائلة كأجراء لدى الشبكات الكبرى، شقت أوبرا وينفري لنفسها طريقًا ماليًا مغايرًا قادها لتأسيس إمبراطورية تُقدر قيمتها اليوم بنحو 5 مليارات دولار.
هذا الفارق الهائل بين ثروة أوبرا بالمليارات وثروات زملائها بالملايين، يعود لقرار تاريخي اتخذته عام 1984؛ فبدلاً من أن ترضى براتب سنوي ضخم ومضمون كموظفة لدى الشبكة التلفزيونية، اختارت المجازفة ورفضت العقد التقليدي، وطالبت بامتلاك حقوق برنامجها بالكامل. هذا الرهان الجريء على نفسها جعلها مالكة للمحتوى والشركة المنتجة، لتتحول من مجرد مذيعة تؤدي عملها مقابل أجر، إلى صانعة قرار تتحكم في إمبراطورية إعلامية وتجني الأرباح بالكامل.
بدأت أوبرا مسيرتها التلفزيونية في سن التاسعة عشرة بمدينة ناشفيل، قبل أن تنتقل إلى بالتيمور عام 1976 كمذيعة أخبار مسائية. لم يكن أسلوب الأخبار التقليدي يناسب طبيعة أوبرا التي تميل للتواصل الإنساني والعاطفي مع ضيوفها، وهو ما دفع المحطة لنقلها عام 1978 لتقديم برنامج صباحي.
هناك، وجدت أوبرا شغفها الحقيقي؛ فكانت تستمع للضيوف بعفوية، وتنتقل بسلاسة بين القصص الإنسانية المؤثرة وفقرات الطبخ دون أن تفقد اتصالها بالجمهور. وبحلول عام 1980، تفوق برنامجها في بالتيمور على برنامج فيل دوناهو الشهير في نسب المشاهدة المحلية، لتجني وقتها راتبًا سنويًا يعادل نحو 700 ألف دولار بالقيمة الحالية.
عرض شيكاغو الذي أثار الشكوك
في عام 1984، نجحت محطة ABC في شيكاغو باستقطاب أوبرا لتقديم برنامج صباحي مدته نصف ساعة يسمى "AM Chicago"، بعقد يمتد لأربع سنوات براتب سنوي قدره 250 ألف دولار.
بدا العرض فرصة ذهبية لفتاة نشأت في فقر شديد، لكن أوبرا شعرت بالريبة من فرط حماس المديرين التنفيذيين وإشادتهم بمرونة وكيل أعمالها وسهولة التفاوض معه. هنا، استشارت أوبرا الناقد السينمائي الشهير روجر إيبرت، الذي نبهها على الفور إلى الفخ: "إذا نجح البرنامج وعُرض على مستوى كبير، فستتضاعف أرباح القناة ملايين المرات، بينما سيبقى راتبك ثابتًا". كما نصحها النجم بيل كوسبي بالبحث عن مستشار شرس يستطيع تحويلها من "شخصية غنية" إلى "امرأة ذات ثروة ونفوذ".
دخول جيفري جاكوبس والمخاطرة الكبرى
قررت أوبرا إقالة وكيل أعمالها والتعاقد مع المحامي جيفري جاكوبس، الذي أدرك بدوره أن العقد الحالي يجعل من أوبرا مجرد موظفة عالية الأجر بينما تذهب الأرباح الحقيقية طويلة الأجل للشبكة التلفزيونية.
قرر الثنائي إعادة التفاوض والمطالبة بشرط غير مسبوق في أروقة التلفزيون: الملكية الكاملة. كانت هذه مجازفة هائلة لمقدمة برامج لم تحقق شهرة كبيرة بعد، وكان بإمكان الشبكة الاستغناء عنها بسهولة. لكن الارتفاع الجنوني في نسب مشاهدة برنامجها في شيكاغو وتفوقها على دوناهو منحها عوامل القوة التي تحتاج إليها.
تأسيس "هاربو" وقلب موازين القوى
وافقت الشبكة مجبرة على شروط أوبرا، وفي عام 1986 انطلق برنامج "The Oprah Winfrey Show" بشكل جديد. قامت أوبرا بتأسيس شركتها الخاصة للإنتاج "Harpo Productions" (تمتلك فيها 90% مقابل 10% لجاكوبس).
قلب هذا الاتفاق نموذج العمل التقليدي؛ فلم تعد الشبكة تملك البرنامج وتدفع لأوبرا لتقديمه، بل أصبحت أوبرا تملك المنتج بالكامل وتدفع لشركة التوزيع "King World" رسومًا مقابل توزيعه. ولتغطية تكاليف الإنتاج الضخمة، اقترضت أوبرا وجاكوبس بضمان الأرباح المستقبلية المتوقعة للبرنامج، وهي مغامرة كانت كفيلة بإفلاسها تمامًا لو فشل البرنامج.
من برنامج واحد إلى إمبراطورية إعلامية متكاملة
حقق البرنامج نجاحًا ساحقًا وأصبح الأعلى مشاهدة في أمريكا لـ 25 موسمًا. وبفضل امتلاكها لشركة الإنتاج، كانت كل زيادة في قيمة البرنامج تذهب مباشرة إلى حساب أوبرا المصرفي، لتبدأ في التوسع وبناء مجمع استوديوهات "هاربو" في شيكاغو عام 1990، وتتخطى ثروتها 100 مليون دولار.
ولم تتوقف أوبرا عند هذا الحد، بل أنتجت برامج ناجحة لنجوم آخرين مثل "دكتور فيل" و"ريتشيل راي"، ما يعني أنها كانت تجني المال حتى وهي لا تظهر على الشاشة. كما تفاوضت على حصة ملكية في شركة التوزيع "King World" نفسها، والتي تحولت لاحقًا إلى أسهم ضخمة في شركة CBS عقب استحواذ الأخيرة عليها بـ 2.5 مليار دولار، إلى جانب امتلاكها حصة كبيرة من أسهم ديزني.
عالم المليارات والاستثمارات المتنوعة
مع حلول عام 2000، تخطت ثروة أوبرا حاجز المليار دولار كأول امرأة سوداء تدخل نادي المليارديرات في أمريكا. وتوسعت أعمالها لتشمل مجلتها الخاصة، ونادي أوبرا للكتاب الذي يملك القدرة على تحويل أي رواية مغمورة إلى الأكثر مبيعًا عالميًا بمجرد إشادتها بها، بالإضافة إلى تأسيس شبكتها التلفزيونية الخاصة OWN.
وخارج شاشات التلفزيون، استثمرت أوبرا في شركة "Weight Watchers" عام 2015 بشراء حصة 10% مقابل 43 مليون دولار (تخطت قيمتها لاحقًا 400 مليون دولار)، إلى جانب تكوين محفظة عقارية فاخرة تضم أراضي وقصورًا في هاواي، ومونتيسيتو بكاليفورنيا، وكولورادو، تزيد قيمتها على 200 مليون دولار.
