خلف الزجاجة.. كيف تصنع «دار أجمل» ذاكرة العطر؟
غالباً ما تبدأ علاقة المستهلك بـ العطر من تفاصيل الزجاجة؛ تصميمها، لونها، أو تلك النسمة الخاطفة التي تلامس الحواس مع الرشة الأولى.
لكن في عالم أجمل للعطور، تبدأ الحكاية قبل ذلك بكثير، في رحلة طويلة تجمع بين خشب العود الخام، والحرفية المتوارثة، والابتكار الذي رافق العلامة في مسيرة ابتكار صمدت لأكثر من سبعة عقود، وصاغت جزءاً أصيلاً من ثقافة العطور في المنطقة.
وخلال جولة إعلامية خاصة، رفعت أجمل الستار عن عالمها الداخلي أمام الضيوف، لتأخذهم في رحلة حية وراء الكواليس، وتكشف لهم عن الأسرار والمراحل الدقيقة التي تمر بها المكونات، قبل أن تستقر كمنتج نهائي على رفوف المتاجر وتتحول إلى جزء من هوية عشاقها.
في قلب العود .. من هنا تبدأ الحكاية
انطلقت الجولة من مصنع العود التاريخي للدار، حيث رافق عبد الرحيم أجمل، نائب رئيس قسم العود، الضيوف في رحلة داخل عالم أحد أكثر المكونات قيمةً في صناعة العطور الشرقية.
ووسط الأجواء المشبعة بعبق العود الأصيل ونقاء راتنجاته الطبيعية، تعرّف الحضور إلى الفروقات الدقيقة بين أنواع العود المختلفة، واكتشفوا عن قرب المراحل التي تمر بها هذه المادة النادرة قبل أن تتحول، عبر مزيج من الحرفية والصبر والخبرة المتوارثة، إلى زيوت عطرية ثمينة تشكل أساس العديد من إبداعات الدار.
ولم تكن هذه المحطة مجرد معاينة لخطوط الإنتاج، بل إبحاراً حقيقياً في إرث حي صاغ هوية «أجمل»، وثبّت بصمتها كواحدة من أبرز الأسماء في فضاء العطور الشرقية عالمياً.
عندما تلتقي الحرفة بالتكنولوجيا
من عبق التقاليد وصناعة العود الكلاسيكية، انتقل الحضور إلى مصنع "أجمل" الحديث في دبي، حيث تتجلى ملامح مغايرة كلياً لصناعة العطور؛ ملامح تدمج بذكاء بين الحرفية اليدوية المصقولة عبر العقود، والحلول التقنية الذكية التي ترسم معالم المستقبل في هذا القطاع.
هذا الصرح الصناعي، الذي يمتد على مساحة شاسعة تتجاوز 150 ألف قدم مربعة، يختزل الدورة الكاملة لولادة العطر تحت سقف واحد؛ إذ تنصهر فيه كافة المراحل بدءاً من تدقيق المكونات الخام وتطوير التركيبات المبتكرة، مروراً بعمليات المزج الدقيق وتعتيق السوائل العطرية وضبط معايير الجودة الصارمة، وصولاً إلى خطوط التعبئة والتغليف النهائي التي تضمن خروج كل زجاجة وفق أقصى درجات الإتقان.
الفن الخفي وراء كل نفحة
ومن أبرز محطات الجولة، جاءت ورشة صناعة العطور التفاعلية التي قدمتها أماندين نيكوز، نائبة رئيس قسم تصميم العطور، والتي أتاحت للحضور فرصة نادرة للتعرف إلى فن بناء العطر، والآلية الدقيقة التي تحكم التوازن بين النفحات المختلفة.
فالعطر، كما أوضحت الورشة، ليس مجرد تجميع لعناصر جميلة الرائحة، بل هو سيمفونية مدروسة من طبقات هرمية تتكشف تباعاً مع مرور الوقت، لتروي قصة متكاملة الملامح بمجرد ملامستها للبشرة.
إرث عائلي ينظر إلى المستقبل
واختُتمت الجولة بحوار مع عبد الله أجمل، الرئيس التنفيذي لمجموعة أجمل، الذي استعرض مسيرة تطور الشركة ورؤيتها للمستقبل، متحدثاً عن مسؤولية الحفاظ على إرث عائلي يمتد لأكثر من سبعين عاماً، بالتوازي مع مواصلة الابتكار ومواكبة التحولات التي يشهدها عالم العطور.
وأكد أن مستقبل الصناعة لا يقوم على التكنولوجيا وحدها، بل على القدرة على الحفاظ على الروح الإنسانية والحرفية التي منحت العطور الشرقية مكانتها الخاصة عبر الأجيال.
أكثر من مجرد عطر
من التقاليد العريقة لصناعة العود إلى أحدث تقنيات تصنيع العطور، لم تكن هذه الجولة مجرد استكشاف عادي لما يدور خلف الكواليس، بل غوصاً عميقاً في جوهر فلسفة دار "أجمل".
وهي فلسفة تتجاوز فكرة البيع والإنتاج، لتتمحور حول صون التراث، والاحتفاء بالجرأة الإبداعية، مع إيمان مطلق بأن كل زجاجة تحمل في طياتها حكاية فريدة تنتظر من يكتشفها. وفي عصر يتسم بالسرعة والنمطية، تصرّ "أجمل" على التمسك ببطء الحرفة وأصالتها؛ مؤمنة بأن النفحات الأكثر سحراً هي تلك التي تُمنح وقتها الكامل لتولد، وتختمر، وتنضج على مهل، لكي تستقر في الذاكرة طويلاً وتترك أثراً لا يمحوه الزمن حتى بعد أن يغادر أصحابها المكان.
