مستقبل الفخامة... محركات هادرة ترفض الصمت
تمر صناعة السيارات الفاخرة اليوم بمرحلة انتقالية دقيقة في ظل التحول نحو الكهرباء وتزايد الضغوط البيئية والتنظيمية، إلا أن بعض الثوابت لا تزال عصية على التغيير، وفي مقدمتها السيارة الاستثنائية التي تتمسك بمحرك الاحتراق الداخلي. فبالنسبة إلى شريحة الباحثين عن التميز، لا تمثل كلفة التشغيل أو الوقود عائقًا حقيقيًا أمام تجربة تقودها العاطفة بقدر ما يقودها المنطق. ولهذا، قد تحتفظ السيارات العاملة بالوقود بمكانتها كرمز للتميز الميكانيكي، تمامًا كما حافظت الساعات الميكانيكية الفاخرة على بريقها، بل عززته، رغم صعود الساعات الذكية.
كل هذا والساعات الميكانيكية لا تمتلك صوت محرك يثير الحواس أو اهتزازات ميكانيكية تخاطب الوجدان، فكيف بسيارة لا تقل روعةً في صوتها عن شكلها؟
ومن هذه السيارات المميزة اخترنا ثلاثًا من أحدث الإصدارات: Brabus Bodo التي تجسد الفخامة بلمسة ألمانية، وVision BMW Alpina التي تمهد لمستقبل العلامة الحصرية الشهيرة، وFerrari HC25 التي تحتفي بمحرك الأسطوانات الثماني الحائز جوائز.
Brabus Bodo
السوداء الساحرة
يزخر تاريخ السيارات بالعديد من القصص الغريبة والسيارات التي أتت كنتيجة لتقاطع عوامل مختلفة كما حصل مع Porsche Carrera GT التي أتت فكرة إنتاجها للطرقات من تقنيات طورت لحلبة السباق، ولكن مع Brabus يحار المرء في تحديد ما حصل معها أخيرًا، فهل هو أمر غريب أم أنه مجرد تطور طبيعي لمجريات الأمور، إذ إن العلامة التجارية التي تأسست في سبعينيات القرن الماضي كشركة متخصصة بتعديل سيارات Mercedes، كانت دائمًا إما أن تكتفي بتعديلات مظهرية طفيفة لا تكاد تُذكر، ومن النوع الذي يمكن لأي شخص القيام به قرب المنزل في أوقات الفراغ، أو تعديلات مبالغ بها إلى حد الابتذال مع خطوط هجومية تفسد تصاميم علامة النجمة الثلاثية الراقية.
ولكن اليوم، ومع انتقال Brabus من شركة متخصصة بتعديل السيارات إلى صانع ينتج سيارات تحمل اسمه حصرًا من خلال طراز Bodo، يبدو أنّ الصانع الألماني انتقل من الابتذال والمبالغة التي يُعرف بها قطاع تعديل السيارات، إلى الأناقة المفرطة التي غالبًا ما تكون ملازمة لعالم السيارات الحصرية الفاخرة. بمجرد النظر إلى الخطوط الخارجية لـ Brabus Bodo، وتحديدًا قسمها الجانبي، يلاحظ المرء المزيج المتناسق بين البساطة والجمال ضمن توليفة تنبض برقي عال لم يتوفر يومًا على جسم سيارة حملت شعار الشركة.
سحر الإنتاج التجاري
في الماضي وكما ذكرنا، كانت Brabus تُعقد تصاميم Mercedes عندما تعدلها، أما اليوم ومع Bodo فقد اعتمدت على تعاليم الصفحة الأولى في كتاب تصميم السيارات الأنيقة، والتي تحمل عنوان "البساطة هي سر الجمال" إذ إن أكثر ما يلفت النظر من الخارج هي الخطوط الانسيابية التي تحاكي ما يتوفر لدى سيارات عُرفت تاريخيًا بأناقتها كـ Jaguar E Type، Ferrari 275 GTB ، Maserati Ghibli أو Aston Martin DB4. وبمناسبة ذكر السيارة الأخيرة، لا بد من الإشارة إلى أنّ Bodo تقوم على أساسات طراز Aston Martin Vanquish، أي أنها تقوم على مقومات واحدة من أجمل سيارات العالم، ولكن هذا لا يعني أنّ السيارة الواهبة هي أكثر جمالًا منها بل على العكس، إذ تمكن فريق تصميم Brabus من الخروج بتصميم خلاب.
المكونات الميكانيكية
تحت الغطاء الأمامي، تتمتع Bodo بمحرك يتألف من اثنتي عشر أسطوانة مع شاحن هواء توربو مزدوج سعة 5.2 لتر. ورغم أنّ الشركة عمدت لتعديل محرك السيارة كي ترتفع قوته من 835 حصانًا في Vanquish إلى 1,000 حصان، إلا أنها لم تذكر أي أمر يتعلق بتعديل علبة التروس الأوتوماتيكية ذات النسب الثماني كأن تغير نقاط تعشيقها أو أنها قامت بتعديل الترس التفاضلي الالكتروني، وهذا يعني أنّ مكونات السيارة الأخرى لا تزال على ما هي في السيارة البريطانية.
ولكن رغم ذلك، فإنّ القوة الأعلى بالإضافة إلى الوزن المنخفض الذي يراوح بين 1,700 و 1,800 كيلوغرام (حسب التجهيزات الإضافية) والذي تحقق بفضل الاستخدام المكثّف لمادة ألياف الكربون في بناء السيارة، يمنحان تجربة قيادة مختلفة عن التجربة التي توفرها Vanquish.
المقصورة الداخلية
أما في الداخل، فتظهر مكونات Aston Martin بشكلٍ أوضح. فقد تم نقل نظام المعلومات والترفيه وأزرار التحكم كما هي من Vanquish، بما في ذلك نظام Apple CarPlay Ultra، وهو أمر إيجابي بالفعل، لأنه يجعل Bodo سيارة عملية سهلة الاستخدام. هذا وقد أولت Brabus اهتمامًا كبيرًا بالتفاصيل، حيث أضافت نوعية مختلفة من الجلود مع حياكة خاصة تحمل شعارات الشركة ورسم لخطوط السيارة الرئيسة، وتطعيمات من ألياف الكربون على لوحة القيادة، ومقابض تعشيق نسب علبة تروس ذات طابع رياضي أكثر. وأخيرًا توافر سقف بانورامي ضخم يوفر رحابة أكبر للمقصورة لمزيد من التناغم مع الاستخدام المكثّف للجلد الأسود وألياف الكربون القاتمة.
Vision BMW Alpina
أصيلة للمستقبل
إنّ الوضع لدى قطاع سيارات الكوبيه الفاخرة الألمانية حاليًا يشبه الهدوء الذي يسبق العاصفة، فبعد أن أوقفت العلامة البافارية العريقة إنتاج طراز 8 Series أخيرًا، وبعد امتناع Mercedes عن توفير فئة كوبيه من طراز S Class بعد سلسلة طويلة من سيارات النجمة الثلاثية الساحرة التي بدأت في ثمانينيات القرن الماضي واستمرت عبر أربعة أجيال تعاظمت معها مستويات الأناقة جيلًا بعد جيل، أصبحت الصناعة اليوم تفتقر لهذه الفئة من السيارات.
ولكن ومع حلول موعد مسابقة الأناقة للسيارات التي تُنظم كل عام على ضفاف بحيرة كومو الإيطالية، كشفت BMW عن طراز Vision BMW Alpina، أو السيارة الكوبيه ذات الخطوط الساحرة والمجموعة المحركة الأصيلة، والتي تُعد دراسة تصميمية فريدة من نوعها تمهد لأول طراز من BMW Alpina سيصل العام المقبل.
وقبل الاسترسال بالحديث عن Vision BMW Alpina، لا بد من الإشارة إلى أنّ هذه السيارة هي دراسة تصميمية، أي أنّ سيارة الإنتاج التجاري الأولى في الحقبة الجديدة لـ Alpina تحت راية BMW قد لا تكون بالضرورة سيارة كوبيه، خصوصًا أنّ الصانع البافاري أكد أنّ Alpina ستكون بمثابة علامة الفخامة الجديدة التي تتوسط BMW وRolls-Royce مع تركيز على السرعة والراحة لا على الروح الرياضية التي تعبر عنها بالشكل الأفضل سيارات الفرع M الشهير.
التصميم الخارجي
تتميز السيارة بتصميم لافت للنظر، يبرز بفضل عناصر الإضاءة الرفيعة وشبكة أمامية ثلاثية الأبعاد مضيئة تحمل صيغة جديدة مختلفة بعض الشيء لشبكة التهوية الشهيرة من BMW، بحيث تظهر كأنها موجودة لتوفير مظهر يحاكي سيارات الصانع البافاري لا بسبب ضرورات تبريد المحرك، وهي تعلو عاكس هواء سفلي يحمل أحرف كتابة Alpina بشكلٍ بارز.
أما على القسم الجانبي، فتسيطر الخطوط الانسيابية الضرورية لسيارة كوبيه ساحرة، والتي تتناغم مع عجلات قياس 22 بوصة في الأمام و23 بوصة في الخلف، تحمل التصميم المميز لعجلات Alpina ذات العشرين ضلعًا والتي تُعد من السمات المميزة منذ عام 1971.
وفي الخلف، أكثر ما يلفت النظر ويفرح القلب هي الأنابيب الأربعة البيضاوية الشكل للعادم، والتي تبرز من خلال ناشر هواء أنيق وبسيط. وكما هو الحال في المقدمة، تحتوي المؤخرة على مصابيح خلفية رفيعة متراصة حول فتحة صندوق الأمتعة.
المواصفات الميكانيكية
ذكرت المجموعة البافارية أنّ Vision BMW Alpina مجهزة بمحرك من ثماني أسطوانات دون أن تذكر سعته، أو قوته أو أي تفاصيل تتعلق بأدائه أو بنوع علبة التروس المتصلة به. وهذا أمر غريب بعض الشيء، ولكن الغرابة هنا ليست في أنّ الشركة لم توفر معلومات عن المحرك، بل لأنه محرك احتراق داخلي كبير كونه من ثماني أسطوانات بغض النظر عن سعته. فإذا كانت BMW تؤكد بشكلٍ صريح أنّ الهدف من سيارات Alpina هو توفير تجربة قيادة تجمع بين السرعة والراحة بعيدًا عن الأداء الرياضي العنيف، فإنّ المحركات الكهربائية هي أفضل من يوفر ذلك، إلا أنه يبدو أن الصانع العريق يرغب بالمحافظة على الارتباط العاطفي مع تراثه في مجال المحركات الهادرة.
المقصورة الداخلية
أما من الداخل، فتبدو Vision BMW Alpina كسيارة BMW عصرية جاهزة للإنتاج. وتتميز السيارة بتصميم المقصورة الجديد للعلامة التجارية، والذي يتضمن نظام BMW Panoramic iDrive، وشاشة جديدة للراكب، وعدد قليل جدًا من الأزرار المادية.
وأكثر ما يلفت النظر، بالإضافة إلى شاشة نظام Panoramic iDrive التي تتخذ من أسفل الزجاج الأمامي مكانًا لها، هي الشاشة الوسطية والمقود الشبيهان بما يتوفر لدى BMW iX3.
وبغض النظر عن كل شيء، فإنه من الواضح أنّ الصانع البافاري لن يوفر أي جهد في توفير مقصورة قيادة فاخرة مريحة لركاب السيارة، فهو لن يكتفي فقط بالمواد العالية الجودة، بل سيسعى أيضًا لتوفير تصميم يعكس الحالة الراقية التي تسعى السيارة بشكلٍ عام لتوفيرها من خلال تعزيز أدوات التحكم داخل المقصورة بتصميم أنيق يحمل لمسة فنية.
Ferrari HC25
فرس لفارس واحد
عندما قدمت Ferrari طراز F8 Tributo قبل بضع سنوات، كان واضحًا من خلال عبارة Tributo، التي تعني بالعربية "تكريم"، أنّ تلك السيارة هي تكريم لمحرك الأسطوانات الثماني، وأنّ الطراز المدخل بين سيارات الصانع الإيطالي التي تستضيف المحرك في الوسط لن يعرف هذا النوع من المحركات بعد الآن، خصوصًا أنّ السيارة التي تلت F8 أتت مجهزة بمحرك من ست أسطوانات، إلا أنّ هذا ليس هو الحال على ما يبدو، إذ كشفت الشركة اليوم عن سيارة حصرية سيجري إنتاج نسخة واحدة منها فقط لحساب عميل من عملاء فيراري الكبار، تقوم على نفس أساسات طراز F8، بما فيها محرك الأسطوانات الثماني رغم أنه مرت ثلاثة أعوام على توقف إنتاجه.
وتجدر الإشارة إلى أنّ Ferrari كانت قد أطلقت برنامجها الخاص لتصميم وتصنيع السيارات حسب الطلب عام 2008، ومنذ ذلك الحين أنتجت بعض أروع السيارات الفاخرة، مثل SP12 EC التي نفذت بطلب من الموسيقي الشهير إريك كلابتون، وكانت مستوحاة من Ferrari 512 Berlinetta Boxer التي ألهبت عشاق الحصان الجامح في سبعينيات القرن الماضي.
وفقًا لـ Ferrari، تستغرق عملية تصميم وتصنيع السيارات الفريدة التي تخرج من هذا القسم حوالي عامين في المتوسط، مع تواصل مباشر مع العملاء بشكلٍ وثيق طوال عملية التصميم.
التصميم الخارجي
كغيرها من سيارات Ferrari الأخرى، تتميز HC25 بتصميم منحوت وخطوط انسيابية جذابة، إلا أنّ أبعادها خضعت لتحسينات دقيقة لتقليل بروز الزجاج وخفض خط الكتف فوق الرفارف الخلفية.
في الوقت نفسه، لا يقتصر دور الشريط الأسود اللامع الذي يلتف حول السيارة في المنتصف، على توفير تناغم مع الطلاء الرمادي غير اللامع أو دمج فتحات التهوية الضرورية لتبريد المحرك، بل يمنح بتصميمه الذي يتخذ شكل سهم على الجانب السيارة إحساسًا إضافيًا بالديناميكية، ويساهم في إبراز المؤخرة العريضة.
وانسجامًا مع النهج الذي عودناه قسم المشاريع الخاصة من الصانع الإيطالي، والذي لا يترك أي تفصيل من تفاصيل السيارة إلا ويحيطه بعنايته من خلال تعزيزه بالمزيد من التميز، صُممت المصابيح الأمامية خصوصًا لهذه السيارة باستخدام تقنية جديدة، تسمح باستخدام عدسات أرق. هذا وتُعدّ مصابيح الإنارة النهارية التي تتخذ شكل البومرانغ، الأولى من نوعها لدى Ferrari.
المكونات الميكانيكية
كما ذكرنا، تعتمد HC25 على أساسات Ferrari F8 Spyder القديمة وليس 296 GTS الحالية، وهذا يعني عدم وجود نظام دفع هجين معقّد، بل محرك ثماني أسطوانات مع شاحن هواء توربو مزدوج، سعة 3.9 لتر يصل إلى 8000 دورة في الدقيقة، وقادر على توليد قوة 710 أحصنة، تصل إلى العجلات الخلفية عبر علبة تروس أوتوماتيكية من سبع نسب.
المقصورة الداخلية
من الداخل وعلى صعيد لوحة القيادة، لا يوجد ذلك الاختلاف الكبير عما كان يتوفر في السيارة الواهبة F8، وهذا ليس بالضرورة أمر سيئ، خصوصًا أنه يترافق مع الجيل القديم من مقود Ferrari الذي يتمتع بأدوات تحكم حقيقية غير تلك التي تعمل باللمس، والتي عارضها عملاء Ferrari بشدة لدرجة دفعت بالصانع الإيطالي لتغييرها وإعادة تثبيت الأدوات الحقيقية مكانها في العديد من السيارات المبيعة مسبقًا وبلا أي كلفة إضافية.
أما المقاعد، فهي أيضًا من الجيل القديم لدى Ferrari من حيث التصميم، ولكن مع أقمشة وحياكة خاصة تحاكي تصميم الجسم الخارجي مع بعض التفاصيل الحصرية الخاصة كالنقوشات التي تتخذ بدورها شكل البومرانغ.
