نجم المنتخب السعودي صالح الشهري: لا فخر يضاهي فرحة السعوديين وأؤمن أن أجمل المحطات لم تأتِ بعد
على أعتاب استحقاق عالمي جديد، يقف المنتخب السعودي أمام فرصة أخرى لصناعة التاريخ وإلهام الملايين من جماهيره. وبين طموحات وطن يتطلع إلى حضور مشرّف على أكبر مسرح كروي في العالم، ومسيرة كرة سعودية تشهد تحولاً غير مسبوق، تحاور "الرجل" لاعب المنتخب السعودي صالح الشهري، أحد الأسماء التي ارتبطت بذاكرة الإنجازات واللحظات الاستثنائية، وأصبحت جزءاً من قصة الأخضر في العصر الحديث.
بدأت ملامح الحكاية الأولى لصالح الشهري على بعد ثمانين كيلومترًا جنوب شرقي الرياض، في محافظة الخرج، المدينة التي أقمت فيها ثمانية أعوام، وأعرف جيدًا كيف تسهم 1.8 مليون نخلة تقف بأرجائها في إعداد رئة مهاجم فذ، إذ كان الطفل الذي سيصبح لاحقًا مهاجمًا للمنتخب السعودي يكبر بين هواء الواحات وظلال السعف.
ومن تلك البدايات، مضى الشهري في رحلة قادته من الاحتراف المبكر في البرتغال إلى منصات التتويج مع الأندية السعودية، قبل أن يخلد اسمه في ذاكرة الجماهير بهدفه التاريخي في مرمى الأرجنتين خلال كأس العالم 2022. ومن ملعب مدينة الخطوط السعودية، حيث أجرينا هذا الحوار قبيل توجهه إلى مونديال 2026 في الولايات المتحدة الأمريكية، يستعيد مهاجم الأخضر محطات رحلته، ويتحدث عن الاحتراف والإصابات والعائلة، ورؤيته لمستقبل الكرة السعودية، وطموحاته للمهمة المقبلة مع المنتخب، كما يستعرض مسيرته عبر الأندية الستة التي مثّلها في عبارات قصيرة تختصر سنوات من التجربة والإنجاز.
مشتل الطفولة
كما كان يقول الأستاذ مفيد فوزي: "لنبدأ من مشتل الطفولة".. لذا في بداية لقائنا، كيف كانت طفولة صالح الشهري؟ ومن هي الشخصية التي تركت الأثر الأكبر في تكوينه؟
كانت طفولتي في عدة مناطق، منها المنطقة الوسطى (الرياض والخرج)، ثم انتقلنا إلى الولايات المتحدة الأمريكية وأقمنا هناك لمدة سنتين، وبعدها إلى القاهرة في مصر، قبل أن نستقر أخيراً في جدة.
كانت طفولة مليئة بالتجارب والثقافات المختلفة والمتغيرة، وأعتقد أن الوالد كان له التأثير الأكبر في تكويني على جميع الأصعدة.
من كان أول شخص رأى فيك مشروع لاعب كبير، ربما قبل أن تؤمن أنت بموهبتك؟
في عودتنا إلى جدة واستقرارنا فيها، التحقت بمدرسة جديدة، وكان هناك معلم اسمه عبد الله عسيري، وهو اليوم مدرب في أحد الأندية السعودية، كان له دور كبير وإيمان أكبر بقدرتي على أن أصبح لاعب كرة قدم محترفاً وأمثل المنتخب السعودي الأول.
هل تتذكر اللحظة التي قلت فيها: "أنا خُلقت لهذا الطريق"؟
أذكر جيداً اللحظة التي كان أمامي فيها خياران؛ إما إكمال الدراسة والالتحاق ببعثة إلى أمريكا، أو اللعب للنادي الأهلي كلاعب محترف، في تلك اللحظة اخترت أن أعيش حلمي بأن أصبح لاعب كرة قدم محترفاً.
• هل تسمح لنا بالدخول؟
بعيداً عن الملعب والأضواء، من هو صالح الشهري الذي لا يعرفه الجمهور؟
لا أعتقد أن هناك أموراً خفية كثيرة، أنا شخص هادئ، أحب المزاح، وأستمتع بالجلوس مع العائلة والأصدقاء.
كيف تصف تأثير العائلة عليك؟ هل تمنحك الهدوء، أم الحافز، أم تجعلك تشعر بمسؤولية أكبر تجاه النجاح؟
أعتقد أنهم المحرك الأول والحافز الأكبر، في لحظات الحزن والخسارة يكونون أول الداعمين، وفي لحظات الفوز ترى الفخر في أعينهم، وهذا يعني لي كل شيء.
• في أفيرو البرتغالية
في تجربتك مع بيرا مار في مدينة أفيرو البرتغالية، أود أن أتحقق من أمرين ارتبطا باسمك: هل كنت فعلاً أول لاعب سعودي يسجل هدفاً في أوروبا؟ وهل سجلت أسرع هدف في الدوري البرتغالي في موسم 2012؟
نعم، هذه معلومة صحيحة، كنت أول لاعب سعودي يسجل هدفاً في أوروبا، كما أن ذلك الهدف كان الأسرع في الدوري البرتغالي خلال ذلك الموسم، وكان ثاني أهدافي مع بيرا مار .
حدثنا عن تجربة البرتغال: ماذا ترك صالح هناك؟ وبماذا عاد من هناك؟
كانت تجربة مفيدة جداً بالنسبة لي، خصوصاً في ذلك الوقت٫ تعلمت خلالها كيف أكون لاعب كرة قدم محترفاً بكل ما تحمله الكلمة من معنى، كما تعلمت اللغة البرتغالية والاعتماد الكامل على النفس وأنا في عمر 17 عاماً.
لو أردت أن تختصر تجربتك الأوروبية في عبارة واحدة، ماذا ستكون؟
كيف تصبح لاعب كرة قدم محترفًا.
صالح، اللاعب يعيش دائماً بين حب الجماهير وتوقعاتهم العالية، وأحياناً نقدهم القاسي.. كيف كنت تتعامل مع الضغط الجماهيري، خصوصاً في اللحظات التي لا تسير فيها النتائج أو الأداء كما يتمنى الجمهور؟
الجمهور هو الدافع الأول، النقد والضغط الجماهيري لا يأتيان إلا عندما يكون الجمهور مؤمناً بقدراتك ويتوقع منك المزيد، والجميل في كرة القدم أنها تمنحك دائماً فرصة ثانية لتحويل الخسارة إلى فوز والعودة بنتائج إيجابية تسعد الجماهير والنادي.
• الإصابات والعودة
يُقال في الرياضة: "من لا يلعب لا يُصاب"، لكن بالنسبة للاعب محترف ومهاجم بحجم صالح الشهري، ماذا يدور في ذهنك عندما تسمع نتيجة الفحوصات الطبية بعد إصابة قد تبعدك عن الملاعب؟
عندما تشعر بالإصابة في الملعب أو تسمع نتيجة الفحوصات، يمر بك شعور صعب جداً من الحزن والحسرة، لكن دائماً نتذكر قوله تعالى" وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم".
هل تمر لحظة تقول فيها: "انتهى كل شيء"؟
لا، مستحيل أن أفكر بهذه الطريقة، من أول يوم تبدأ الخطة العلاجية، ويكون كل التفكير منصباً على العودة بشكل أفضل وأقوى من الفترة السابقة.
عندما تعود بعد الإصابة، هل تكون العودة وفاءً للجمهور، أم إثباتاً لنفسك، أم تحدياً جديداً في مسيرتك؟
أعتقد أنها جميع ما ذكرت، لأن كل واحدة منها تمثل دافعاً ومحفزاً للعودة.
• الكرة السعودية ورؤية 2030
أنت عايشت مراحل مختلفة من الدوري السعودي، واليوم نشهد تحولاً كبيراً في كرة القدم ضمن مستهدفات رؤية المملكة 2030.. كيف ترى هذا التغيير؟
بالتأكيد عشت مراحل مختلفة من الدوري السعودي، وما نشاهده اليوم يمثل نقلة كبيرة جداً على جميع المستويات، رؤية 2030 أسهمت في تطوير الدوري من ناحية التنظيم والاستقطابات والبنية التحتية، والأهم أنها رفعت مستوى الاحترافية والطموح لدى اللاعب السعودي، اليوم الدوري السعودي يحظى باهتمام عالمي وينافس بقوة.
ما الذي تغيّر فعلياً في بيئة اللاعب السعودي، في الاحتراف، الجماهيرية، التنافس؟
التغيير واضح في جميع التفاصيل، بيئة اللاعب أصبحت أكثر احترافية من ناحية التجهيز والعناية والانضباط، وهذا ساعد اللاعب السعودي على التطور بشكل أكبر، كما تضاعف الحضور الجماهيري والاهتمام الإعلامي، وأصبح التنافس أعلى بوجود أسماء عالمية رفعت جودة الدوري، والأهم أن طموح اللاعب والأندية أصبح أكبر، وأصبح التفكير يتجه نحو المنافسة والظهور عالمياً وليس محلياً فقط.
• المنتخب وهدف الأرجنتين
قبل الحديث عن المشاركة المقبلة مع المنتخب في بطولة كأس العالم بأمريكا، أريد أن أعود بك إلى لحظة لا ينساها الجمهور: هدفك التاريخي في مرمى الأرجنتين، خذنا إلى ما قبل المباراة: كيف كانت الأجواء؟ ماذا قال لكم المدرب؟
وماذا كان شعورك وأنت تدخل الملعب أمام منتخب بحجم الأرجنتين ويلعب فيه ميسي؟
كانت الأجواء مختلفة عن أي مباراة، خصوصاً أن المباراة أقيمت عند الساعة الثانية ظهراً، خطاب المدرب معروف والجميع شاهده، بالتأكيد كان هناك شعور مختلف لأنها المباراة الأولى لنا في كأس العالم، لكن مع صافرة البداية اختفى هذا الشعور وأصبحت المباراة كأنها مباراة دوري عادية.
لحظة تسجيل الهدف، ماذا رأيت؟ وماذا سمعت؟ وماذا شعرت؟
بعد تسديد الكرة شعرت بلحظة صمت وأنا أراها تتجه نحو الشباك، ثم سمعت صرخة جماهيرية لم أسمع مثلها من قبل، أما الشعور الحقيقي فجاء بعد صافرة النهاية، وكان شعوراً لا يوصف من الفخر والاعتزاز بأن تكون سبباً في إسعاد شعب عظيم.
وبعد المباراة، متى استوعبت أن هذا الهدف أصبح جزءاً من ذاكرة الكرة العالمية؟
عندما انتهت بطارية هاتفي من كثرة الرسائل والتنبيهات والاتصالات، أدركت أن هذا الحدث لن ينساه أحد.
• المهمة المقبلة
الآن تستعد للمشاركة مع المنتخب في رحلته إلى أمريكا، كيف تصف شعورك تجاه هذه المرحلة؟
المسؤولية كبيرة جداً، وتمثيل المنتخب في المحافل الكبرى شرف عظيم، وإن شاء الله نظهر بصورة تليق بالمملكة العربية السعودية.
هل يمكن للجمهور السعودي أن ينتظر مفاجآت جديدة كما حدث في البطولة السابقة؟
لا شيء مستحيل في كرة القدم.
ما الرسالة التي تريد أن تبعثها للجمهور السعودي؟
ألف شكر لهم على دعمهم المتواصل، ونحتاج وقفتهم معنا في هذا المحفل الكبير، فهم المحرك الأول لنا كلاعبين.
• رسالة للمواهب الشابة
هناك الكثير من المواهب الصاعدة التي تنظر إلى صالح الشهري بإعجاب، ما الرسالة التي تود أن توجهها لهم؟
الموهبة وحدها لا تكفي، فالاستمرار والانضباط والعمل اليومي هو ما يصنع الفارق الحقيقي، أي لاعب لديه حلم يجب أن يصبر ويتعب على نفسه ويستفيد من كل فرصة للتعلم، والأهم أن يحافظ على أخلاقه واحترامه داخل الملعب وخارجه، لأن تأثير اللاعب القدوة أكبر من كرة القدم نفسها.
لو أردت أن تختصر تجربتك في نصائح قصيرة للاعب شاب، ماذا تقول له؟
اشتغل بصمت، واجعل طموحك أكبر من ظروفك، التزم، واصبر، وطوّر نفسك كل يوم، فالنجاح في كرة القدم لا يأتي بين يوم وليلة، والأهم ألا تجعل أي نجاح يوقفك عن التعلم، وألا تدع أي صعوبة تدفعك للاستسلام.
• محطات في الذاكرة المستديرة
سأذكر لك أسماء أندية، وأريد منك أن تصف كل ناد بعبارة.
الأهلي: البداية.
مافرا: الاحتراف.
بيرا مار: كيف تصبح لاعب كرة قدم محترفًا.
الرائد: النضوج.
الهلال: الإنجاز والبطولات.
الاتحاد: التحدي والبطولات.
90 دقيقة تغيّر كل شيء
ماذا تقول للجماهير السعودية التي تترقب مشاركة الأخضر في كأس العالم 2026؟
نحتاج إلى دعمكم، فلا شيء مستحيل في كرة القدم، وفي 90 دقيقة يمكن أن يحدث أي شيء.
في ختام اللقاء، هل تود إضافة شيء؟
أود شكر منصة "الرجل" على هذا اللقاء.
صالح خالد محمد الشهري
لاعب كرة قدم سعودي محترف يشغل مركز المهاجم، ويُعد أحد أبرز المهاجمين السعوديين في جيله. يمثل حالياً نادي الاتحاد والمنتخب السعودي، وارتبط اسمه بواحدة من أشهر لحظات الكرة السعودية الحديثة بعدما سجل هدف التعادل في الفوز التاريخي للأخضر على الأرجنتين في كأس العالم 2022.
البطاقة التعريفية
• الاسم الكامل: صالح خالد محمد الشهري
• تاريخ الميلاد: 1 نوفمبر 1993
• مكان الميلاد: وادي الدواسر – السعودية
• الطول: 1.84 م
• مركز اللعب: مهاجم
• النادي الحالي: الاتحاد
• المنتخب: السعودية
المسيرة الكروية
• مافرا البرتغالي (2011)
• بيرا مار البرتغالي (2012)
• الأهلي السعودي (2013 – 2014)
• الرائد السعودي (2015 – 2018)
• الهلال السعودي (2019 – 2024)
• الاتحاد السعودي (2024 – حتى الآن)
أبرز الإنجازات
• الدوري السعودي: 5 مرات
• كأس خادم الحرمين الشريفين: 3 مرات
• دوري أبطال آسيا: مرتان
• كأس السوبر السعودي: 3 مرات
• هداف المنتخب السعودي في تصفيات كأس العالم
محطة خالدة
• سجل هدف التعادل للأخضر أمام الأرجنتين في المباراة التي انتهت بفوز السعودية 2-1 في كأس العالم 2022.
الأسلوب والتميز
يتميز الشهري بحسه التهديفي العالي وقدرته على التمركز الذكي داخل منطقة الجزاء واستثمار أنصاف الفرص، إلى جانب هدوئه أمام المرمى وتحركاته الفعالة دون كرة. ويُعد أحد أبرز المهاجمين السعوديين في جيله، وأسهم في كتابة بعض أبرز لحظات الكرة السعودية الحديثة على المستويين القاري والدولي.
