يخت من المستقبل.. "زيرو" يراهن على طاقة لا تنفد
فكر في شيء واحد: كل يخت فاخر تراه في الموانئ يحرق من الوقود ما يكفي لتشغيل حي سكني كامل لأسابيع؛ فهذه المعادلة ظلت ثابتة لعقود، لأن أحدًا لم يجرؤ على تحديها بجدية حقيقية، حتى جاء يخت "زيرو".
آلية حصول يخت "زيرو" على الطاقة
اليخت الشراعي "Project Zero"، الذي يقترب من اكتمال بنائه في أحواض شركة Vitters الهولندية، ليس مجرد سفينة فاخرة بمحرك كهربائي، وذلك بحسب ما جاء في مجلة "روب ريبورت".
الأمر أعمق من ذلك بكثير؛ إنه يخت يعيش على ما تمنحه الطبيعة، ويعيد ما استهلكه تقريبًا إلى الصفر؛ فالفكرة الجوهرية أن "زيرو" لا يحمل محركًا تقليديًا على الإطلاق.
تشمل منظومته الطاقة فيه ثلاثة مصادر تعمل بانسجام: مروحيات توربينية مصممة خصوصًا لتولّد الكهرباء عبر حركة اليخت في الماء، وألواح شمسية متخصصة تغطي مساحة تقارب 100 متر مربع، فضلاً عن استثمار طاقة الرياح التي تضخ نحو 200 كيلوواط كهربائيًا للبطاريات العملاقة.
تلك البطاريات، التي يبلغ وزنها الإجمالي 44 طنًا، توفر طاقة مخزنة بسعة 5 ميجاواط/ساعة، ما يُتيح للمالك الإبحار أسبوعين كاملين باستقلالية تامة ونظريًا بمدى لا محدود.
مواصفات يخت "زيرو"
لا تأتي هذه المواصفات من فراغ؛ فالهيكل المائي لـ"زيرو" طُوّر بمشاركة مباشرة من الفريق الهندسي لـ"إمارتس تيم نيوزيلندا"، الذي يحمل إرثًا تقنيًا في سباقات الكأس الأمريكية للشراع.
النتيجة كانت شكلاً مقوسًا مميزًا يحقق زيادة 2.5% في السرعة وقفزة 8% في كفاءة توليد الطاقة الكهربائية مقارنة بالتصاميم التقليدية، وهي أرقام تبدو بسيطة، لكن على مسافات بحرية طويلة تعني الفارق بين الاعتماد الكامل على الذات أو الاستعانة بالموانئ.
صمّم اليخت استوديو Vripack الهولندي بالتعاون مع مكتب Dykstra للهندسة البحرية، وقد أمضى الفريق ما يزيد على 60 ألف ساعة عمل في البحث والتطوير قبل وضع عارضة السفينة في سبتمبر 2022.
الطريق إلى هذا اليخت مرّ بعشرات النماذج الأولية، واستخدم أسطولاً قائمًا ليكون ساحة تجارب حية لاختبار كل التقنيات.
مميزات يخت "زيرو" الفاخر
ثمة توتر خفي في مشاريع كهذه بين الأداء البيئي وتجربة الرفاهية، لكن "زيرو" يرفض هذا التوتر رفضًا قاطعًا. فالهيكل الألومنيومي الأزرق المنحوت بخطوط سلسة يعلوه هيكل علوي من خشب التيك البرازيلي مع صاريتين طويلتين شاهقتين، كما أن المؤخرة الخلفية المعدنية رُسمت يدويًا لتحاكي نسيج الخشب.
في الداخل، اختار أصحاب اليخت أن تتحدث الطبيعة بلسانها: خشب البلوط الأوروبي المدخن، الحجر الجلدي الملمس، والأثاث المصنوع من اللحاء المُعاد تدويره.
ووصف المكتب الإبداعي هذا التوجه بعبارة لافتة: "أراد المالكون أن تتردد أصداء الطبيعة في كل ركن من أركان اليخت".
غرفة القيادة الرئيسة تتحول بأثاث معياري مدمج من صالة ترفيه إلى مائدة عشاء تستوعب 12 ضيفًا.
الصالون يضم طاولة تتشكل إلى مساحة عمل للهوايات اليدوية. بينما يلتف جناح المالك حول صاري السفينة "الإيزن" المكسو بعمل فني للنحاتة الأمريكية سيينا مارتز، ويتصل بمكتب خاص.
أما المقصورات الأربع للضيوف، فكل واحدة منها مستوحاة من وجهة يعشقها المالك: إيطاليا، وبولينيزيا الفرنسية، وأماكن أخرى تسكن وجدانه.
الطموح هنا يتجاوز حدود الملكية الخاصة؛ فبعد تسليمه هذا العام، يُتوقع أن يُتاح "زيرو" لعدد محدود من الرحلات التجارية المختارة، كما سيستضيف باحثين متخصصين في تقنيات الطاقة البحرية المتجددة واستدامة المحيطات.
الحقيقة أن "زيرو" لا يطرح نفسه بوصفه يختًا باهظًا لأثرياء مولعين بالبيئة، بل يطرح سؤالاً عمليًا مباشرًا: إذا أمكن تشغيل يخت بطول 70 مترًا بالكامل من الطاقة المتجددة مع هذا المستوى من الأداء والرفاهية، فما الذي يمنعنا من تغيير مستقبل الملاحة البحرية بالكامل؟
