ثلاثة قرارات تكفي.. سر جيف بيزوس في قيادة أكبر إمبراطورية تجارية في العالم
إذا كان عليك الاختيار بين اتخاذ مئة قرار يوميًا بجودة متوسطة، أو ثلاثة قرارات فقط بجودة استثنائية، أيهما تختار؟ معظمنا مشروط على الإجابة الأولى، مشغولون طوال اليوم، نتنقل بين مهمة وأخرى، ونفاخر بعدد الأشياء التي أنجزناها.
لكن جيف بيزوس، مؤسس أمازون والرجل الرابع في قائمة أثرى أثرياء العالم، يرى هذه المعادلة بعين مختلفة تمامًا.
"إذا اتخذت ثلاثة قرارات جيدة في اليوم، فهذا يكفي"، هكذا قال بيزوس في محادثة عام 2018 مع ديفيد روبنشتاين، مؤسس مجموعة كارلايل، مضيفًا: "والمهم أن تكون بأعلى جودة يمكنني تقديمها".
الفكرة ليست من بنات أفكاره وحده؛ فقد استعارها من وارن بافيت، الذي يرى أن ثلاثة قرارات صائبة في العام بأسره تكفي لصنع النجاح، وذلك وفقًا لما نشر موقع "فورشن".
ما يبدو مفارقة صادمة للوهلة الأولى يتحول إلى منطق راسخ حين تفهم ما يقصده هؤلاء: القيادة الحقيقية لا تُقاس بكثرة الاشتغال، بل بعمق التفكير في اللحظات التي تحسم المصائر.
أهمية النوم عند جيف بيزوس
قد يتوقع المرء أن رجلاً يدير إمبراطورية بحجم أمازون لا يعرف طريقه إلى الوسادة مبكرًا.
لكن الحقيقة مناقضة لهذا الظن تمامًا؛ إذ يحرص بيزوس على نوم ثماني ساعات كل ليلة، ويعتبرها ركيزة لا تقبل المساومة.
منطقه في ذلك لافت للانتباه: لو اختصر نومه من ثماني ساعات إلى أربع، ربما استطاع اتخاذ 133 قراراً بدلاً من 100.
لكنه يسأل: "هل يستحق ذلك حقًا، إذا كانت جودة تلك القرارات ستنخفض لأنني متعب أو عصبي؟".
النوم في فلسفته ليس وقتاً ضائعاً، بل مدخل ينعكس على كل شيء يأتي بعده.
وأضاف"أفكر بشكل أفضل، وطاقتي أعلى، ومزاجي أهدأ".
ويُقرّ بأن هذا الأمر لم يكن متاحاً حين كانت أمازون شركة ناشئة من مئة شخص، لكن الشركة الكبرى تحتاج إلى قائد بذهن صافٍ، لا إلى بطل تحمّل يُنهك نفسه.
طبيعية يوم جيف بيزوس
لا يقفز بيزوس فور استيقاظه إلى بريده الإلكتروني أو اجتماعاته.
بل يبدأ يومه بما يسميه "التسكع"، وهي كلمة تحمل في السياق الإنجليزي معنى التجوال الحر دون ضغط أو هدف محدد: يقرأ الصحف، يتناول قهوته بهدوء، ويتناول وجبة الإفطار مع أبنائه قبل ذهابهم إلى المدرسة.
أول اجتماع في جدوله لا يكون قبل العاشرة صباحًا، ويضع ما يسميه "الاجتماعات عالية الذكاء"، أي تلك التي تتطلب تركيزًا استثنائيًا، في فترة ما قبل الغداء.
أما بعد الساعة الخامسة مساءً، فيعترف ببساطة: "لا أستطيع التفكير في هذا الأمر اليوم، لنحاول غدًا في العاشرة".
فلسفة أثرياء العالم في اتخاذ القرارات
لا يتبع جميع قادة العالم الأسلوب ذاته، لكن كثيرين منهم يصلون إلى الخلاصة نفسها: حماية الطاقة الذهنية من الهدر اليومي.
إيلون ماسك يعمل ساعات أطول وينام أقل، ويُقرّ بنفسه بأن قلة النوم تخفض إنتاجيته الإجمالية.
مارك زوكربيرج وباراك أوباما، من جهتهم، آثرا تقليص قراراتهم اليومية من باب آخر: توحيد ملابسهم حتى لا يستنزف هذا الاختيار الصغير جزءًا من تركيزهم.
"أحاول تقليل القرارات"، قال أوباما لمجلة فانيتي فير عام 2012، "لأن لدي قرارات أكثر أهمية بانتظاري".
المشترك بين هؤلاء جميعًا هو الوعي بأن العقل مورد محدود، وأن صون هذا المورد ليس كسلاً، بل هو من أرقى أشكال الانضباط التنفيذي.
