سلمان القرني مدير تحرير راديو الشرق مع بلومبرغ: السرعة مهمة… لكن الثقة أهم الرؤية غيّرت مشهد الإعلام وعلاقة الجيل بالاقتصاد
لم يعد الاقتصاد ملفاً نخبوياً يخص رجال الأعمال والأسواق وحدهم، بل أصبح جزءاً من الحديث اليومي في المجتمع السعودي، من الاستثمار والتقنية إلى الوظائف وريادة الأعمال والثقافة المالية. ومع هذا التحول المتسارع، برزت أسماء إعلامية استطاعت أن تعيد تقديم المحتوى الاقتصادي بلغة أكثر قرباً وتأثيراً، وفي مقدمتها الإعلامي السعودي سلمان القرني، الذي رسّخ حضوره على مدى سنوات بين الشاشات والمنصات الاقتصادية الكبرى، من تغطية قمم الاقتصاد العالمية إلى قيادة واحدة من أبرز التجارب الصوتية المتخصصة في المنطقة.
ومن خلال موقعه مديراً لتحرير «الشرق مع بلومبرغ»، أول إذاعة عربية متخصصة بالأعمال في السعودية، يقود القرني تجربة إعلامية نجحت في تقديم الاقتصاد بلغة أقرب إلى الجمهور دون التفريط بعمقه، محتوى مالي وصوتي يواكب جيلاً جديداً أكثر اهتماماً بالأسواق والاستثمار والتقنية. في حواره مع الرجل، يتحدث عن تحولات الإعلام الاقتصادي في المملكة، وتأثير رؤية 2030 على وعي الجمهور، ولماذا عاد المحتوى الصوتي بقوة ليصبح أحد أكثر أشكال الإعلام تأثيراً وقرباً من الناس.
"الاقتباسات"
الجمهور بدأ يبحث عن محتوى أعمق وأقل ضجيجاً من المحتوى السريع.
الاقتصاد بالنسبة لي ليس أرقاماً فحسب، بل اللغة التي تفسّر العالم.
الصحفي الاقتصادي الجيد لا يقرأ الأرقام فحسب، بل يفهم ما وراءها.
الاقتصاد لم يعد مادة نخبوية، بل جزءاً من الحياة اليومية للناس.
التحدي الحقيقي ليس تبسيط الاقتصاد… بل تبسيطه دون فقدان عمقه.
حين يرتبط الاقتصاد بحياة الناس يتحول من ملف معقّد إلى قصة يومية.
الراديو يمنح المحتوى الاقتصادي قرباً وهدوءاً لا توفره الشاشة دائماً.
بلومبرغ أضافت للإعلام الاقتصادي منهجية عالمية قائمة على الدقة والانضباط.
الجيل الجديد أكثر انفتاحاً على الاستثمار وبناء الأعمال من أي وقت مضى.
رؤية 2030 غيّرت الاقتصاد… وغيّرت أيضاً طبيعة الحوار داخل المجتمع.
البودكاست لم يعد منتجاً مكمّلاً، بل منصة رئيسة للتحليل والسرد المتخصص.
السعودية لا تبني اقتصاداً جديداً فحسب، بل تبني جمهوراً اقتصادياً أكثر وعياً وتأثيراً.
الاقتصاد لغة تفسر العالم
منذ بداياتك في العربية حتى اليوم، لماذا اخترت التخصص في الإعلام الاقتصادي تحديداً؟
لأن الاقتصاد بالنسبة لي لم يكن مجرد أرقام أو أسواق مالية، بل اللغة التي تفسّر العالم.
مع الوقت أدركت أن معظم التحولات الكبرى — من السياسة إلى التقنية حتى التغيرات الاجتماعية — تقودها عوامل اقتصادية في النهاية. لذلك شعرت أن الإعلام الاقتصادي يمنح الصحفي قدرة أعمق على قراءة الأحداث وليس فقط نقلها.
كما أن المنطقة كانت تدخل مرحلة تحولات اقتصادية ضخمة، خصوصاً في السعودية، وكان واضحاً أن الجمهور سيصبح أكثر اهتماماً بالاستثمار والوظائف وريادة الأعمال والأسواق. أردت أن أكون جزءاً من هذا التحول الإعلامي مبكراً.
كيف شكّلت التغطيات الميدانية والأحداث الكبرى — من دافوس إلى قمم الـG20 — شخصيتك المهنية؟
التغطيات الكبرى تعلّمك أن الاقتصاد ليس نظريات تُقال داخل الاستوديو، بل قرارات تُصنع وتؤثر مباشرة في الدول والأسواق والناس.
عندما تغطي منتديات مثل دافوس أو قمم الـG20 ترى كيف تتحرك المصالح والتحالفات والاستثمارات عالمياً، وتدرك أن الإعلام الاقتصادي يحتاج إلى سرعة فهم وربط وتحليل أكثر من مجرد نقل التصريحات.
كما أن هذه التجارب صنعت لدي قناعة مهمة: أن الصحفي الاقتصادي الجيد ليس من يعرف الأرقام فحسب، بل من يفهم ما وراء الأرقام.
من ألق الشاشات إلى رفقة المستمع
بعد سنوات أمام الشاشة التلفزيونية، ما الذي جذبك إلى الإعلام الصوتي؟ ومتى أدركت أن الاقتصاد يمكن أن يكون مادة إعلامية قريبة وجاذبة للجمهور؟
الصوت يخلق علاقة مختلفة مع الجمهور، في التلفزيون أنت تنافس الصورة باستمرار، أما في الراديو والبودكاست فأنت ترافق المستمع في حياته اليومية: أثناء القيادة، السفر، الرياضة أو العمل. وأعتقد أن الاقتصاد يصبح قريباً عندما تتحدث عن أثره على الناس، لا عن تعقيده فحسب.
حين تربط التضخم بالمستهلك، والفائدة بالقروض، وأسعار النفط بالوظائف والاستثمارات… يتحول الاقتصاد من مادة نخبوية إلى قصة يومية يعيشها الجميع.
رؤية مبكرة: راديو الشرق مع بلومبرغ
ما الرؤية التي انطلقت منها تجربة راديو الشرق مع بلومبرغ كأول إذاعة عربية متخصصة بالأعمال في السعودية؟
الفكرة الأساسية كانت أن المنطقة، والسعودية تحديداً، أصبحت تحتاج إلى منصة اقتصادية يومية وسريعة وعميقة في الوقت نفسه.
الاقتصاد لم يعد ملفاً جانبياً، بل أصبح جزءاً من الحديث اليومي للمجتمع.
كنا نؤمن أن هناك جمهوراً جديداً يتشكل: مستثمرون، رواد أعمال، شباب مهتمون بالأسواق والتقنية والفرص، ويحتاجون إلى محتوى اقتصادي موثوق وسهل الوصول. الرؤية كانت تقديم اقتصاد عالمي بمعايير دولية… لكن بلغة قريبة من الجمهور العربي.
الملفات الاقتصادية توصف عادة بأنها معقدة وجافة، كيف تنجحون في تحويلها إلى محتوى قريب وجذاب للمستمع؟ وما الذي يميز طريقة تقديم المعلومة الاقتصادية عبر الراديو مقارنة بالتلفزيون؟
التحدي الحقيقي ليس تبسيط الاقتصاد، بل تبسيطه دون فقدان عمقه. نحن نحاول دائماً تحويل الأرقام إلى قصص مفهومة: ماذا يعني القرار؟ من المستفيد؟ وكيف سينعكس على السوق أو حياة الناس؟
في الراديو تحديداً، لديك ميزة مهمة: الصوت يعتمد على الوضوح والإيقاع والقدرة على بناء صورة ذهنية لدى المستمع. لذلك يصبح التركيز أكبر على الفكرة والتحليل وليس فقط على الصورة أو الجرافيكس كما في التلفزيون.
مواكبة محترفة للتحولات السعودية
كيف تعكس برامج راديو الشرق مع بلومبرغ اهتمامات المجتمع السعودي اليوم، من الاستثمار والتقنية إلى ريادة الأعمال والثقافة المالية؟
السعودية اليوم تعيش تحولاً اقتصادياً واسعاً، وهذا خلق جمهوراً مختلفاً وأكثر فضولاً تجاه المال والأعمال والاستثمار.
نحن نحاول أن نعكس هذه التحولات يومياً عبر تغطية الأسواق، التقنية، الشركات الناشئة، العقار، الثقافة المالية حتى التحولات المرتبطة بأسلوب الحياة والعمل. الفكرة لم تعد فقط "نقل خبر اقتصادي"، بل قراءة كيف يتغير المجتمع والاقتصاد معاً.
ما الذي أضافته شراكة بلومبرغ إلى طريقة صناعة المحتوى الاقتصادي عربياً؟
بلومبرغ أضافت قبل كل شيء منهجية تحرير عالمية: الدقة، السرعة، التحقق، والانضباط في التعامل مع المعلومة الاقتصادية.
كما أن العمل ضمن بيئة مرتبطة بمؤسسة عالمية يجعلك أكثر حساسية تجاه التفاصيل والبيانات والسياق، وليس فقط العناوين السريعة. وهذا مهم جداً لأن الإعلام الاقتصادي يعتمد على الثقة أكثر من أي شيء آخر.
تحديات بين العمق والسرعة
ما أبرز التحديات التي تواجه إذاعة متخصصة في الاقتصاد والأعمال داخل سوق إعلامي سريع ومتغير؟
أكبر تحدٍ اليوم هو المنافسة على انتباه الجمهور. نحن نعيش في عصر السرعة والمحتوى القصير، بينما الاقتصاد بطبيعته يحتاج إلى تفسير وعمق. والتحدي الآخر هو الحفاظ على الموثوقية وسط سيل هائل من المعلومات والتحليلات غير الدقيقة المنتشرة عبر المنصات الرقمية. السرعة مهمة… لكن الثقة أهم.
المحتوى الصوتي… عودة التأثير
برأيك لماذا نشهد هذا الحضور القوي للمحتوى الصوتي، رغم هيمنة الفيديو والمنصات السريعة؟
لأن طبيعة حياة الناس تغيّرت. المحتوى الصوتي يمنح الجمهور مرونة كبيرة؛ يمكنك الاستماع أثناء القيادة أو ممارسة الرياضة أو العمل، دون الحاجة للجلوس أمام شاشة.كما أن الجمهور بدأ يبحث عن محتوى أعمق وأقل ضجيجاً من المحتوى السريع المنتشر على المنصات الاجتماعية.
ما الذي يمنح المحتوى الصوتي هذه القدرة على بناء علاقة مختلفة وأكثر قرباً مع الجمهور؟
الصوت وسيلة شخصية جداً. المستمع يشعر أنه في حوار مباشر معك، وليس مجرد متلقٍ لمحتوى سريع. وهذه العلاقة تمنح المحتوى الصوتي قدرة أكبر على بناء الثقة والاستمرارية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالمحتوى الاقتصادي الذي يحتاج إلى شرح وتحليل وهدوء في الطرح.
جيل جديد يقترب من الاقتصاد
إلى أي مدى ساهمت تجربتكم في تطوير ذائقة الجمهور السعودي تجاه المحتوى الصوتي الاقتصادي، خصوصاً لدى الجيل الجديد؟
أعتقد أن التجربة ساهمت في كسر فكرة أن الاقتصاد مادة مخصصة للنخب فقط. اليوم نرى اهتماماً أكبر من الشباب بالأسواق، والاستثمار، وريادة الأعمال، حتى المؤشرات الاقتصادية الكبرى. وهذا التغير لم يأتِ من الإعلام وحده، بل من التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها السعودية نفسها.
هل نحن أمام مرحلة يصبح فيها البودكاست جزءاً أساسياً من الإعلام الاقتصادي وليس مجرد منتج مكمّل؟
بالتأكيد. البودكاست لم يعد منتجاً جانبياً، بل أصبح منصة رئيسة للتحليل والسرد العميق وبناء المجتمعات المهتمة بموضوعات متخصصة. وأعتقد أن السنوات المقبلة ستشهد نمواً أكبر للبودكاست الاقتصادي المتخصص، خصوصاً مع ارتفاع الاهتمام بالثقافة المالية والاستثمار.
دقة وتحليل وثقة
بصفتك مدير تحرير، كيف تدير التوازن بين السرعة والدقة والموثوقية في تغطية الأخبار الاقتصادية؟
الإعلام الاقتصادي تحديداً لا يحتمل التسرع. الخبر الخطأ هنا لا يضر السمعة فحسب، بل قد يؤثر أحياناً على قرارات واستثمارات.
لذلك نحاول دائماً تحقيق توازن واضح: أن نكون سريعين، لكن دون التضحية بالدقة أو التحقق أو السياق.
ما الذي يميز الإعلامي الاقتصادي الناجح اليوم عن غيره من الإعلاميين؟ وهل يحتاج هذا النوع من الإعلام إلى مهارات ومعايير مختلفة؟
الإعلامي الاقتصادي اليوم يحتاج إلى أن يكون صحفياً ومحللاً في الوقت نفسه. يحتاج إلى فهم الأسواق والسياسات والبيانات، لكن أيضاً القدرة على تبسيط كل ذلك للجمهور. المهارة الأهم برأيي هي القدرة على تحويل المعلومات المعقدة إلى محتوى واضح وموثوق ومفهوم.
كيف تتعاملون مع سيل المعلومات والتحليلات غير الدقيقة المنتشرة عبر المنصات الرقمية؟
بزيادة الاعتماد على المصادر الموثوقة والبيانات الأصلية والتحقق المستمر. اليوم أي شخص يمكنه نشر “تحليل”، لكن ليس كل تحليل قائماً على معلومات دقيقة أو فهم اقتصادي حقيقي. لذلك أعتقد أن المؤسسات الإعلامية الموثوقة ستصبح أكثر أهمية في السنوات المقبلة.
مفهوم جديد للإعلام الاقتصادي
هل تعتقد أن الإعلام الاقتصادي العربي ما زال بحاجة إلى مزيد من التخصص والعمق؟
بلا شك. هناك تطور كبير حدث خلال السنوات الأخيرة، لكن السوق لا يزال يحتاج إلى مزيد من التخصص، خصوصاً مع تعقّد الملفات الاقتصادية والمالية والتقنية. الجمهور العربي أصبح أكثر نضجاً ووعياً، ولذا يحتاج إلى محتوى أعمق وأكثر احترافية.
كيف تغيّر مفهوم الإعلام الاقتصادي في السعودية خلال السنوات الأخيرة؟
تغيّر بشكل جذري. في السابق كان الإعلام الاقتصادي يُنظر إليه كمحتوى موجه للنخب أو رجال الأعمال فحسب، أما اليوم فأصبح جزءاً من النقاش اليومي داخل المجتمع. الناس باتت تتابع الفائدة والأسهم والعقار والاستثمار والتقنية لأنها مرتبطة مباشرة بحياتها وفرصها المستقبلية.
برأيك، ما الأسباب التي جعلت الجمهور أكثر اهتماماً اليوم بالأعمال والاستثمار والثقافة المالية عموماً؟
لأن الاقتصاد أصبح أقرب إلى الناس من أي وقت مضى. التحولات الاقتصادية الكبرى، وانتشار الاستثمار، ونمو ريادة الأعمال، والتقنية، حتى تغير طبيعة الوظائف… كلها جعلت الثقافة المالية ضرورة وليست ترفاً. كما أن الجيل الجديد أكثر انفتاحاً على الاستثمار وبناء الأعمال من الأجيال السابقة.
الرؤية والحوار الاقتصادي
من واقع تجربتكم كيف أثرت رؤية السعودية 2030 في رفع الوعي الاقتصادي، وتغيير طبيعة المحتوى الإعلامي المطلوب؟
رؤية 2030 لم تغيّر الاقتصاد فحسب، بل غيّرت طبيعة الحوار داخل المجتمع. اليوم هناك اهتمام أكبر بالأرقام، والاستثمارات، والقطاعات الجديدة، والتقنية، والسياحة، وريادة الأعمال. وهذا انعكس مباشرة على الإعلام. الجمهور أصبح يطلب محتوى أعمق وأكثر تفسيراً وتحليلاً، وليس مجرد أخبار سريعة.
المستقبل للاحترافية والتأثير
كيف تتخيل شكل الإعلام الاقتصادي والصوتي السعودي في عام 2030؟
أعتقد أننا سنرى إعلاماً اقتصادياً أكثر تخصصاً واعتماداً على البيانات والتحليل، وأقل اعتماداً على الشكل التقليدي للأخبار.
كما أن المحتوى الصوتي سيصبح أكثر حضوراً وتأثيراً، خصوصاً مع تطور البودكاست والذكاء الاصطناعي وتغير عادات الاستهلاك الإعلامي. وفي رأيي، السعودية لا تبني اقتصاداً جديداً فحسب، بل تبني أيضاً جمهوراً اقتصادياً جديداً أكثر وعياً واهتماماً وتأثيراً.
البطاقة التعريفية
الاسم: سلمان القرني
الجنسية: سعودي
الدراسة : بكالوريوس في الإعلام من جامعة الإمام محمد بن سعود مع مرتبة الشرف، ودبلوم من أكاديمية الأمير أحمد بن سلمان للإعلام التطبيقي، ودبلوم من معهد الجزيرة للإعلام في التقديم المرئي
المنصب الحالي: مدير تحرير إذاعة الشرق مع بلومبرغ
التخصص: الإعلام الاقتصادي وصناعة المحتوى المالي والصوتي
أبرز المحطات المهنية
2025 – حتى الآن
مدير تحرير إذاعة الشرق مع بلومبرغ
2021 – 2025
مذيع اقتصادي في الشرق مع بلومبرغ
2016 – 2021
مذيع رئيس للأخبار الاقتصادية – القناة الإخبارية السعودية
2013 – 2014
مساهم في إعداد برنامج "دوائر سياسية" – القناة السعودية الأولى
2012 – 2016
مراسل ومنتج إخباري – قناة العربية
