بـ815 مليون دولار.. سفينة عملاقة تستعد لاكتشاف أسرار المحيطات
في الوقت الذي تتسابق فيه عقول المليارديرات وأموالهم نحو السماء، ويشتعل التنافس لإطلاق صواريخ تخترق الغلاف الجوي باتجاه المريخ، يبدو أن هناك من قرر توجيه بوصلته إلى الاتجاه المعاكس تمامًا.
فبينما ينشغل الآخرون بالفضاء الخارجي، اختار الملياردير الأميركي غابي نيويل، الشريك المؤسس لشركة "فالف" والمطور لمنصة "ستيم" الشهيرة، الاستثمار بهدوء في أعماق المحيطات السحيقة، مبرهنًا على أن الأسرار الأكثر إثارة قد لا تكون فوق رؤوسنا، بل تحت أقدامنا.
بخلاف الأثرياء الذين يرون في البحار مجرد مساحة لاستعراض اليخوت الفاخرة، يتبنى نيويل عبر منظمته للأبحاث البحرية "إنكفيش" رؤية مختلفة كليًا، فقد ضخ نحو 815 مليون دولار لتشييد مشروع فريد لا يعد مجرد لعبة جديدة للأثرياء، بل يمثل مختبرًا علميًا عائمًا أشبه بمركبة فضائية مخصصة للمياه العميقة، وهذه الخطوة تمهد لولادة أقوى سفينة أبحاث مدنية لأعماق البحار شهدها العالم حتى الآن.
أضخم صفقة بحرية
ووفقًا لما نشره موقع luxurylaunches، تجسد هذا التوجه الاستكشافي بشكل رسمي حينما أبرمت شركة بناء السفن النرويجية "فارد" عقداً استثنائيًا يقارب 700 مليون يورو، لتصميم وبناء سفينة الأبحاث العملاقة "آر في 11,000".
ويمثل هذا الاتفاق أكبر طلبية لسفينة واحدة في التاريخ الممتد للشركة النرويجية، بل وأضخم صفقة من نوعها تفوز بها ترسانة بحرية في النرويج قاطبة، ما يعكس الأهمية الاستراتيجية لهذا المشروع.
ومن المتوقع تسليم هذه الأعجوبة الهندسية في الربع الأول من عام 2030، حيث ستأتي بطول يبلغ 162 مترًا، وعرض يصل إلى 28 مترًا، هذه الأبعاد الضخمة تجعلها تتفوق بشكل ملحوظ في الحجم والقدرة التشغيلية على سفينة الأبحاث "آر في 6,000" التي كشفت عنها المنظمة سابقًا، ما يمنح العلماء مساحة أكبر للمناورة ومعدات أكثر تطورًا لربط البحوث النظرية بالتطبيق الفعلي.
مشروع علمي يعيد تعريف استكشاف المحيطات
كي نفهم الطبيعة الفعالية لهذه المنصة، ينبغي الكف عن النظر إليها كالسفن التقليدية، فهي أشبه بقاعدة علمية متكاملة ومستقلة فوق الماء، وتتعاون في تطويرها شركة "فارد" بالتعاون مع "إنكفيش" وبدعم فني من مجموعة بناء السفن الإيطالية العملاقة "فينكانتيري".
و صُممت السفينة للعمل بكفاءة في بيئات تصل أعماقها إلى 11,000 متر، وهو رقم يضعها في فئة نادرة جدًا من المنصات القادرة على سبر أغوار أعمق الخنادق المائية على كوكبنا.
وتتعدد المهام المنوطة بها لتشمل رسم خرائط قاع البحر بدقة متناهية، والقيام بعمليات الحفر شديدة العمق، ونشر الغواصات المأهولة واستعادتها بسلاسة، ولذا، بدلاً من التخصص في مجال واحد، تدمج السفينة أحدث أنظمة علوم المحيطات في هيكل أحادي متطور يخدم الاستكشاف الشامل للبيئات البحرية غير المكتشفة.
وتضم قائمة تجهيزاتها الفنية حظيرة ضخمة مخصصة لاستيعاب غواصتين مأهولتين، ووحدة مستقلة مخصصة للمركبات التي يتم تشغيلها عن بُعد لتصوير الأعماق، ونظام كابلات متقدم يمتد بطول 12,000 متر لسحب المعدات، ونظام رفع فائق القوة بالحبال الليفية يصل مداه إلى 15,000 متر، ما يعطيها قدرات هندسية تتخطى بها جميع السفن البحثية الحالية.
مواصفات سفينة RV11000
لم تترك هندسة السفينة تفصيلاً واحدًا للمصادفة، إذ يعد الهيكل نفسه أداة علمية دقيقة، فقد جرى تحسين انحناءاته لتقليل المقاومة وضمان ثبات مسح قاع البحر.
وتدعم هذه الانحناءات أربعة مثبتات نشطة تضمن بقاء السفينة في موقعها بدقة متناهية أثناء العمليات المعقدة، وبخاصة عند التعامل مع الكابلات الطويلة والغواصات في الأعماق السحيقة التي لا ترحم الأخطاء الهندسية.
وعلى الجانب الآخر، تتميز السفينة بوجود نظام بطاريات عملاق يعد الأكبر من نوعه في تاريخ الملاحة، ما يتيح 12 ساعة كاملة من العمل العلمي الصامت.
هذه الميزة تعد حاسمة لخفض الاهتزازات والضوضاء تحت الماء، ما يمنع تشويش أجهزة السونار الحساسة ويحافظ على نقاء البيانات الملتقطة، كما جرى تأمين الأنظمة الرقمية وشبكات البيانات للحصول على أرفع شهادات الأمن السيبراني العالمي.
سعة سفينة RV11000
تتسع المساحات الداخلية للسفينة لاستيعاب 130 فردًا من العلماء والفنيين وأفراد الطاقم، حيث يحظى أغلبهم بكبائن فردية مريحة لتوفير بيئة عمل مثالية خلال الرحلات الطويلة.
وتضم السفينة كذلك مختبرات متطورة وورش عمل متكاملة ومساحات مكتبية مهيأة للتحليل الفوري للعينات المستخرجة من قاع المحيط، ما يختصر سنوات من البحث التقليدي في الموانئ والمختبرات البرية.
هذا التجهيز الفاخر يعكس فلسفة غابي نيويل في توجيه الثروة نحو اكتشاف المجهول بدلاً من المباهاة الاجتماعية باليخوت والملكية الخاصة.
ومن ثم، حين تبحر هذه السفينة رسميًا مع بداية العقد المقبل، لن تقدم للعالم مجرد وسيلة نقل جديدة، بل ستسطر فصلاً غير مسبوق في تاريخ الاستكشاف البشري لأعماق الأرض الفعالية، وتفتح آفاقًا جديدة لفهم مناخ الكوكب وتاريخه الجيولوجي.
