معرض Art Dubai يحتفي في دورته العشرين بأبرز فناني الشرق الأوسط والعالم
منذ انطلاق معرض آرت دبي في عام 2007 وهو يرسّخ مكانته في الساحة الفنية بصفته أحد أهم الفعاليات التي ترمي إلى تنمية المشهد الثقافي في منطقة الشرق الأوسط.
وقد كانت الدورة العشرين، التي انعقدت بين 15 و17 مايو الجاري، مع تخصيص يومٍ استثنائي لكبار الشخصيات، مناسبةً لإبراز ما تحقّق خلال مسيرة المعرض الممتدة على عقدين، إذ ركّزت على الأعمال الفنية الحديثة والمعاصرة والرقمية، كما أضاءت على الصالات والمؤسسات والغاليريات التي كان لها أكبر إسهام في تشكيل سوق الفن في المنطقة.
استقطبت هذه الدورة الاستثنائية من المعرض، الذي أقيم في مدينة جميرا بالشراكة مع أ.ر.م. القابضة، أكثر من 25,000 زائر، وهو أعلى رقم يُسجله المعرض في أيامه المفتوحة للجمهور.
وقد كان هؤلاء الضيوف على موعد مع أكثر من مائة عمل فني معروض في أروقة الصالات الدولية والإقليمية والمحلية التي داومت على المشاركة في هذا الحدث، بعضها بتوقيع مبدعين محليين من غاليريات تتخذ من دبي مقرًا لها، وبعضها الآخر بإيعاز من المبادرات التي تسهر عليها أبرز المؤسسات الثقافية في دولة الإمارات.
تمايزت الدورة كذلك ببرنامج يجمع بين التكليفات والتركيبات الواسعة النطاق والعروض الأدائية والسينمائية والجلسات الحوارية، وهذا ما أكّدته أليكسي غالس كانتور، المديرة التنفيذية للشؤون الفنية في مجموعة آرت دبي، فقد أشارت إلى أن برنامج هذه الدورة استرشد بقيم التعاون والتلاقي من خلال دعوة الفنانين وصالات العرض والجمهور إلى التفاعل النشط والانفتاح على التجارب الفنية في أوسع تجلياتها.
نستكشف هنا بعض المواضيع التي لقيت صدى حسنًا في دورة هذا العام من معرض آرت دبي.
تركيبات فنية واسعة النطاق
تعددت التراكيب الفنية التي توزعت في فضاءات المعرض، كما تنوعت المواد التي دخلت في تكوينها، على ما يشهد التركيب الفني المعنون "طريق الحرير".
حمل هذا العمل توقيع الفنانة الإيرانية نِدا رزافيبور، التي نجحت في تحويل المنسوجات إلى أشكال عمرانية تستكشف الحركة والذاكرة المادية وتُمازج بين الزخارف الفارسية والفلمنكية مستحضرة التاريخ الثقافي المتعدد على طول طريق الحرير.
يتخذ هذا العمل هيئة بساط ممتد، يزهو سطحه بزخارف متشابكة تتغير مع تغير زاوية انعكاس الضوء، ما يجعله يبدو كحقل تظهر فيه الأشكال وتختفي، كأنها تتبع تاريخ التجارة والتبادل على طول الطريق الشهير.
من التراكيب التي لفتت الأنظار أيضًا التركيب المسمّى "قلب المكان". يعود هذا العمل إلى الفنان الغاني ياو أوسو، الخبير في تحويل أشياء الحياة اليومية، على غرار العملات والقطع المعدنية، إلى منحوتات تزخر بالتفاصيل والطبقات.
واتحدت المواد المذكورة في هذا العمل الذي تم عرضه في جناح إيفي غاليري، كاشفة عن تركيب كثيف التفاصيل، تتغير صورته بتغير زاوية النظر إليه والإضاءة المنعكسة على أسطحه.
على منوال التراكيب الفنية السابقة، جمع العمل المعنون "أغنية، قصة" للفنان الهندي سودارشان شيتي، بين النحت والعمارة والصور المتحركة لاستحداث تركيب فني يخاطب الحواس ويتيح للزوار فسحة للتأمل في أعمدته الخشبية المنحوتة يدويًا.
على عادة سودارشان في تراكيبه التي تستوحي الفولكلور والأشكال اليومية، يستند هذا العمل إلى شكلين أساسين هما المنزل والصيوان، استحدثهما الفنان الهندي من خشب الساج المعاد تدويره من أجل إقامة فضاء يتكشف على مهل بالتكرار والحركة والصوت.
شراكات تستقطب أبرز مواهب المنطقة
شهدت هذه الدورة من معرض آرت دبي توطيدًا للشراكة مع الحكومة والقطاع الخاص والمؤسسات الثقافية من خلال مجموعة من المبادرات التي تعكس طموحات دبي الثقافية والفنية.
ومن الشواهد على ذلك برنامج "متحرّك" المشترك بين معرض آرت دبي والسركال أفنيو، والذي ركز هذا العام على الصور المتحركة من خلال أعمال تتناول الجو العام والإيماءات والإيقاع وتدعو الجمهور إلى التفاعل معها بوساطة كل الحواس بدلاً من حاسة واحدة.
توزعت الأعمال الناتجة عن هذا البرنامج المشترك في مختلف أرجاء السركال أفنيو، وقد تضمنت إبداعاتٍ بتوقيع فنانين وفنانات من خلفيات متباينة، مثل الفنانة المصرية هدى لطفي، والفنانة السعودية عبير سلطان، والفنان السوري بادي دلول، والفنان العراقي صادق الفرجي، والفنانة السعودية سميّة فلاته، وغيرهم.
بمناسبة الدورة العشرين من المعرض، عمدت مؤسسة بارجيل للفنون إلى الإضاءة على عشرين تحفة فنية من مجموعتها في سياق برنامج "نبض".
تعود الأعمال المعروضة ضمن هذا البرنامج إلى القرن العشرين، إذ تتقصّى مسيرة الفن الحديث في العالم العربي وتُبرز أعمال أقطابه، بدايةً من الأشكال المبكّرة للتعبير عن الذات وصولاً إلى التجارب الفنية الفارِقة التي مالت إلى التجريد.
من الفنانين الذي أحاط هذا البرنامج بأعمالهم الفنان التشكيلي المصري محمود سعيد، والفنانة التشكيلية الفلسطينية سامية حلبي، والفنان المغربي محمد المليحي، والفنانة السعودية صفية بن زقر، وغيرهم.
أصوات فلسطينية بارزة
تعدّ غاليري إياد قنازع من أوائل الصالات التي افتتحت أبوابها في دولة الإمارات، وقد تميزت مشاركتها في هذه الدورة من معرض آرت دبي بأعمال فنية تضيء على تاريخ إمارة أبوظبي، فضلاً عن أعمال تحمل في طياتها آمالاً وأحلامًا بغد أفضل.
ومن الفنانين الذين استضافتهم الغاليري محمد الحواجري، الفنان الفلسطيني المولود في مخيم البريج بغزة، والذي تمزج إبداعاته بين السخرية والواقع للإضاءة على القضايا الاجتماعية الراهنة، وذلك من خلال مجموعة متنوعة من الوسائط والتقنيات مثل الرسم والفيديو والتصوير، وباستخدام مواد غير تقليدية كالتوابل المنزلية وعظام الحيوانات، كما هو الحال مع لوحته المعنونة "العودة من المرعى 1".
تحضر الأعمال الفلسطينية كذلك في غاليري زاوية، التي تأسست عام 2013 لدعم الفنانين الفلسطينيين من خلال معارض فردية وجماعية تُحيط بطيف واسع من الممارسات الفنية. وفي هذه الدورة الخاصة لمعرض آرت دبي، كانت أعمال نبيل عناني، الفنان الذي يعدّ رائد الحركة الفنية الفلسطينية المعاصرة، حاضرةً بقوة في جناح الغاليري، لا سيما لوحاته التي تتناغم فيها مواد محلية كالجلود والحناء والورق المعجّن والأصباغ الطبيعية مع مواد عضوية على غرار القش والبذور والأعشاب المجففة.
بالإضافة إلى الفنانين المرموقين مثل نبيل عناني، شهد المعرض كذلك حضورًا لافتًا لمواهب فلسطينية شابة مثل الفنانة البصرية ديمة سروجي، التي تستكشف في أعمالها الطبقات الجوفية في سياق التفاعل مع التراث الثقافي وإمكانات ترميمه جماعيًا.
تقوم ممارسة سروجي الفنية على الجمع بين مواد من فلسطين لغاية إعادة نسج التاريخ المهدد بالهشاشة، وهذا ما ينطبق على عملها المعروض في آب-أنبار غاليري باسم "الأضرحة المقدسة 3"، إذ يندمج فيه عرق اللؤلؤ والخشب والحجر الجيري ضمن تركيب يدعو إلى التأمل.
