العين الثالثة لـ«كان 79»… حين خطف المخرجون الأضواء
بينما بدت السجادة الحمراء في افتتاح مهرجان كان السينمائي هذا العام أكثر هدوءاً مقارنةً بالدورات السابقة، ظهرت فئة أخرى نجحت تدريجياً في سرقة الأضواء بعيداً عن نجوم هوليوود التقليديين؛ إنهم المخرجون. فعلى عكس السنوات الأخيرة التي سيطر فيها الممثلون على لحظات الموضة الأكثر انتشاراً، بدا أن الدورة الـ79 من المهرجان أعادت الاعتبار للأناقة الهادئة لصنّاع العوالم من من خلف الكاميرا، ومنحت السجادة الحمراء مساحة ليست بقليلة للإطلالات ذات الطابع الشخصي، والتي تحمل شخصية صاحبها في تفاصيلها أكثر من سعيها وراء الاستعراض البصري المباشر.
ورغم أن مهرجان كان لا يزال يفرض قواعد صارمة على الملابس الرسمية خصيصًا خلال عروض«Grand Théâtre Lumière» ، لكن عدداً من صناع السينما سخروا دهائهم ووجدوا طرقهم الخاصة للتمرد الناعم على قواعد "التوكسيدو" الكلاسيكي، سواء عبر الأحذية الرياضية، أو القصّات غير التقليدية … ليثبتوا أن النجومية ما عادت حكراً على من يقف أمام الكاميرا، بل إن التمرد الحقيقي والأكثر ذكاءً جاء هذه المرة من خلفها.
الأناقة الهادئة والعمق البصري
Park Chan-wook
في سينما المخرج الكوري بارك تشان-ووك Park Chan-wook، لا توجد تفصيلة واحدة تترك للمصادفة، ويبدو أن هذه الفلسفة امتدت لتشمل خياراته على السجادة الحمراء. مخرج فيلم No Other Choice اختار إطلالة كاملة من دار Saint Laurent خلال حضوره حفل Women in Motion الذي تنظمه مجموعة Kering.
بين التوكسيدو المزدوج الصدر «Double-breasted» الهادئ والحذاء الجلدي اللامع، نجح بارك في تجسيد مفهوم "السهل الممتنع". فمبدع بهذا الحجم الفني، لا يحتاج إلى ألوان صارخة لفرض حضوره؛ بل القصة كلها تكمن في القصّة المتقنة والخطوط الحادة للبدلة والتي كانت كافية لتعكس صورة المخرج الذي يعرف كيف يدير المشهد بشكل بصري جذّاب، سواء في أفلامه أو في حضوره الشخصي.
John Travolta
هذا العمق البصري اتخذ منحى كلاسيكياً مغايراً مع النجم جون ترافولتا John Travolta، الذي تمكن من كسر القواعد بذكاء. ترافولتا، الذي حظي بتكريم خاص بالسعفة الذهبية الفخرية، استغنى عن الصرامة التقليدية لهوليوود متبنياً قبعة "البيريه" الفرنسية التي شكلت علامة فارقة في في هويته البصرية خلال أيام المهرجان.
هذا الخيار بالطبع لم يكن مجرد صدفة عابرة أو خيار فنّى فحسب، بل تحية بصرية استلهمها ترافولتا، من مخرجي الموجة الكلاسيكية الأوروبية مثل السويدي إيغمار برغمان، والإيطالي وروبرتو روسيليني، ليوصل رسالة بصرية ذكية جدًا عن تحوله من ممثل هوليوودي يحضر مهرجاناً، إلى صانع أفلام يحتفي بتاريخ السينما الفرنكوفونية والأوروبية في قلب عاصمتها "كان".
توازن الفخامة وبساطة الكتان
Hirokazu Kore-eda
على المقلب الآخر، ظهر المخرج الياباني هيروكازو كوري-إيدا Hirokazu Kore-eda المعروف بأسلوبه السينمائي الهادئ، الإنساني، والعميق. بإطلالة تعكس "الفخامة الهادئة" المفهوم الذي يتطابق تماماً مع فلسفته السينمائية. وقدم على طبق من فضة درساً في كيفية تطويع الموضة الرجالية لتناسب مناخات الجنوب الفرنسي الصيفية دون خسارة الرصانة المطلوبة.
تنقل كوري-إيدا بمرونة قطيفة بين الكتان الخفيف والإطلالات الرسمية، لكن ظهوره الأكثر لفتاً للانتباه تجسد في إطلالة مونوكرومية بدرجات البني الدافئة من دار Zegna. الإطلالة جاءت لتعكس بامتياز مفهوم "الفخامة الهادئة" الذي يهيمن على منصات الأزياء العالمية حالياً؛ حيث تغيب الشعارات الضخمة والألوان الفاقعة، ليحل محلها جودة النسيج والانسجام الفطري مع البيئة المحيطة وفي نفس الوقت يطابق فلسفلة المخرج في أعماله وإطلالته على حد سواء.
تمرد الأحذية الرياضية في معقل الرسمية
من أشهر ما يعرف عن السجادة الحمراء في "كان" هي صرامتها، وامتلاكها أصعب وأشد "dress code". فأقيم في ما مضى صولات وجولات ضد الأحذية المسطحة والرياضية، وفي سنوات سابقة، وصل الأمر حتى لمنع نجوم ومخرجين من دخول السجادة الحمراء وأجبروا على العودة لتغيير أحذيتهم!
Steven Soderbergh
لكن المخرج الأميركي ستيفن سودربيرغ Steven Soderbergh صدم نقاد الموضة وقرر إعادة كتابة القواعد بجرأة نيويوركية خالصة. حيث ظهر ببدلة رمادية دقيقة القصّة، لكن المفاجأة كانت في الكادر السفلي من الكاميرا: حذاء Adidas Samba الأسود الشهير.
هذا التناقض المتعمد بين كلاسيكية البدلة وحيوية الحذاء الرياضي لم يكن مجرد خيار مريح، بل إشارة واضحة إلى ذوبان الحدود الفاصلة بين الأزياء الراقية والقطع اليومية، ورسالة فنية قدمها سودربيرغ المخرج المستقل بطبعه، والمعروف عنه ابتعاده عن بهرجات هوليوود وأوصل أبلغ رسالة بدون استخدام الكلمات، دلت على أن حضوره على البساط الراديكالي مرتبط بفنه وأعماله بدلًا من كونه عارض أزياء.
Quentin Dupieux
وفي سياق التمرد، ولكن بنكهة فرنسية ساخرة، اختار المخرج كوينتن دوبيو Quentin Dupieux تجاهل الكود الرسمي للمهرجان بالكامل تقريباً. أطل دوبيو بحذاء ASICS جريء، متبعاً خطى أبطال فيلمه كريستين ستيوارت وودي هارلسون الذين اعتمدوا أحذية رياضية مريحة أيضاً. نسق إطلالته مع سروال واسع بقصة فضفاضة، ورباط خصر، وقميص دنيم مفتوح جزئياً. الإطلالة بدت وكأنها تجسيد حي لشخصية "الأب الفرنسي" (French Dad Style) بنسختها العبثية والساخرة، تحديدًا في تصيفية شعره الفوضوية التي أكملت هذه الإطلالة.
وهي الروح الفنية العبثية "إن صح التعبير" ذاتها التي تميز أفلامه. فالمخرج صاحب فيلم Rubber وفيلمه الأحدث Full Phil لم يرتدِ ملابس ليثير إعجاب نقاد الموضة، بل ارتداها ليعلن عن هويته المتمردة، ولتكون امتداداً بصرياً حياً لأفكاره التي تسخر من القواعد.
الطليعية لا تعترف بالزمن
Wim Wenders
أخيراً، جاء المخرج الألماني المخضرم فيم فيندرز Wim Wenders ليثبت أن الأناقة الطليعية ليست حكراً على الشباب، بل هي حالة ذهنية تتجذر مع العمر.
رغم تجاوزه الثمانين، حافظ فيندرز على حضور استثنائي مستعيناً ببدلة ذات قصة هندسية من توقيع المصمم الياباني الثوري Yohji Yamamoto في تعاون لا يعد مجرد خيار أزياء عابر، بل امتداد لواحد من أشهر التحالفات الفنية في التاريخ، فالروابط بين فيندرز وياماموتو متجذرة في عمق الزمن وتعود لأكثر من 35 عاماً؛ حيث أخرج فيندرز عام 1989 فيلماً وثائقياً شهيراً عن ياماموتو بعنوان "Notebook on Cities and Clothes" ، ومنذ ذلك الحين، يصف الاثنان علاقتهما بأنها "علاقة أخوة"، حتى إن فيندرز، الذي قارب الثمانين من عمره، صدم قطاع الأزياء عندما شارك بنفسه كعارض أزياء على منصة عرض ياماموتو في أسبوع الموضة بباريس.
«ملابس ياماموتو تجعلني أشعر بأنني نفسي أكثر من أي وقت مضى، إنها تمنح الإنسان هوية وتاريخاً». - فيم فيندرز
إطلالة فيندرز وتنسيقها مع الحذاء الرياضي الأبيض الناصع لم تكن مجرد خيار للملابس، بل بياناً فنياً يؤكد أن الأناقة الحقيقية لا ترتبط بالسنوات، بل بالقدرة على الحفاظ على هوية بصرية متفردة، حرة، وعصية على التكرار.
"كان 79"، أثبت صناع السينما أن الملابس ليست مجرد أقمشة لتغطية الأجساد أمام ومضات الكاميرات، بل هي امتداد لعدساتهم. لقد تحولت السجادة الحمراء من منصة لـ "من يرتدي ماذا" إلى مساحة فكرية تطرح سؤال: "كيف تعكس الأزياء فلسفة مخرجها؟".
