أرتميس 2.. ماذا حققت ناسا خلال رحلتها حول القمر؟
انطلقت رحلة "أرتميس 2" التابعة لوكالة ناسا في 1 أبريل الماضي واستمرت 10 أيام. ورُغم أنها لم تتضمن هبوطًا على سطح القمر، فإنها تصدرت عناوين الأخبار وظل الحديث عنها قائمًا حتى انقطع فجأة! فما الذي أضافته "أرتميس 2" للبشرية؟ ولماذا أصرت ناسا على المهمة؟ وهل كان الأمر مجرد "تريند" كما يرى بعض المروجين لنظريات المؤامرة؟
رحلة "أرتميس 2" من أجل البشرية
بعد سلسلة من التأجيلات الناجمة عن مشكلات تقنية، انطلقت الرحلة في الأول من أبريل وضمت 4 رواد فضاء هُم: "ريد وايزمان" (قائد المهمة)، و"فيكتور جلوفر"، و"كريستينا كوك"، و"جيرمي هانسن".
وخلال العد التنازلي الأخير قبل الإطلاق، قال هانسن: "نحن ننطلق من أجل البشرية جمعاء".
كما قال قائد المهمة، ريد وايزمان، إن المنظر من الأعلى كان "رائعًا"، وذلك قبل أن يَعبُرَ الطاقم خط كارمان الذي يفصل الغلاف الجوي عن الفضاء.
لكن مرة أخرى: ما الذي استفادته البشرية من ذلك؟ هل الأمر اقتصر على روعة المشهد؟
ما فائدة "أرتميس 2"؟
استغرق البرنامج سنوات من التطوير وشارك فيه آلاف العاملين بتكلفة تجاوزت 93 مليار دولار، وربما أكثر! فلماذا عادت الولايات المتحدة إلى القمر بعد أكثر من 50 عامًا على انتهاء بعثات أبولو؟ ولماذا لم يهبطوا على سطحه؟
الإجابة عن السؤالين واحدة، وهي -بحسب المسؤولين- أن الهدف من المهمة لم يكن استكشاف القمر، وإنما اختبار إمكانية التحليق حوله والعودة إلى الأرض بسلام، إلى جانب أهداف أخرى متعلقة بالتفوق على الصين وما إلى ذلك.
بعد مرور 9 أيام وساعة و32 دقيقة، عاد رواد الفضاء الأربعة إلى الأرض ليُثبتوا الآتي:
أولًا، تمكنت مركبة "أوريون" الفضائية (التي كانت تقلّهم) من حمل البشر إلى مسافة قريبة من القمر وإعادتهم إلى الأرض سالمين. كان هذا الهدف الأساسي من المهمة كون "أرتميس 1" اختبرت المركبة بدون طاقم، فكان لِزامًا على ناسا أن تُثبت نجاحها بتطبيق السيناريو الواقعي، وهو وجود بشر داخلها.
ثانيًا، استطاعت أنظمة دعم الحياة داخل المركبة أن تُبقي الطاقم آمنًا طوال الرحلة، حيث وفرت كل العوامل اللازمة لذلك؛ من الهواء النقي لدرجة الحرارة المناسبة.
ثالثًا، نجح رواد الفضاء في التحكم بالمركبة وتنفيذ مناورات يدوية لم نكن لنتخيلها في الماضي. إذا كنت تتساءل عن أهمية هذا الإنجاز، فتكمن فيما يتطلع إليه البشر مستقبلًا، حيث سيتطلب الهبوط على القمر -أو أي جُرم سماوي آخر- توجيهًا دقيقًا وتحكمًا أكبر.
رابعًا، أظهر الدرع الحراري لمركبة أوريون كفاءته، إذ عند العودة من القمر إلى الأرض، تدخل المركبة الغلاف الجوي بسرعة هائلة ويكون على المركبة أن تحمي من بداخلها، وهو ما كان.
أهمية القمر لنا كبشر
إذا كنت ما زلت تتساءل عن فائدة المهمة بالنسبة لنا كبشر، فدعنا نخبرك أن نجاح أرتميس 2 يعني أننا قد نعود للقمر في المستقبل القريب، ومن ثَم نستخدمه كنقطة انطلاق لمكانٍ أبعد في الفضاء السحيق. فالهدف الأكبر من زيارة القمر هو استيطان كواكب أخرى لأن الأرض -كما نعرف جميعًا- ليست محصنة ضد كوارث مثل الحروب العالمية، أو الأوبئة الشديدة، أو النيازك!
نقطة أخرى هي أن القمر قد يبدو جافًا وقاحلًا، لكنه في الحقيقة ثري جدًا من ناحيةٍ علمية واقتصادية. تقول البروفيسورة "سارة راسل"، وهي عالمة في متحف التاريخ الطبيعي، إن القمر يحتوي على نفس العناصر القيّمة الموجودة على الأرض.
نتذكر أيضًا أن ناسا تهدف إلى إرسال البشر للمريخ تحديدًا خلال ثلاثينيات هذا القرن، ونجاح مهمة مثل أرتميس 2 كان أساسيًا لتحقيق هذا الهدف. تقول "ليبي جاكسون"، رئيسة قسم الفضاء في متحف العلوم، إن الذهاب للقمر والبقاء عليه فترة طويلة أكثر أمانًا وأقل تكلفة وأسهل بكثير من الذهاب للمريخ مباشرةً واختبار العيش عليه.
على قاعدةٍ قمرية، تستطيع ناسا اختبار ما بدا لها من تقنيات لتوفير الماء والهواء اللازمين لرواد الفضاء، فضلًا عن تطوير طرق لتوليد الطاقة وبناء مساكن تحمي البشر من درجات الحرارة الشديدة ومن الإشعاع الفضائي الخطير.
تؤكد جاكسون أن تجربة هذه التقنيات لأول مرة على المريخ ستحمل مخاطر كبيرة ويكون شيئًا كارثيًا، لذا من الأفضل اختبارها أولًا على القمر حيث يكون الوصول، والدعم، والعودة للأرض أسهل بكثير.
لماذا خفت الحديث عن أرتميس 2؟
وقت الحدث نفسه، كانت معظم وسائل الإعلام تتحدث عن أرتميس 2. أغلب الظن أنك رأيت صور الأرض المُلتقطة من نافذة مركبة أوريون، أو سمعت عن استخدام الآيفون 17 برو ماكس في الفضاء، أو رأيت صور الرواد وهم يشرحون كيفية قضاء الحاجة!
كل هذه الأشياء كانت مثيرة جدًا للاهتمام، لكنها ببساطة لم تعد تتصدر الأخبار لأن المهمة نفسها انتهت. ولا يعني توقف الحديث عن أرتميس 2 أنها لم تكن ذات جدوى كما عرفنا؛ الموضوع وما فيه أن التركيز مُنصَب على القادم.
فما القادم؟
بعد هبوط رواد الفضاء الأربعة إلى كوكبنا بسلام (مساء 10 أبريل الفائت)، بدأت ناسا التخطيط للمرحلة التالية من أرتميس، والتي تتضمن الهبوط على القمر ثم إنشاء قاعدة دائمة هناك خلال السنوات المقبلة.
كانت ناسا تخطط في الأصل لأن تكون أرتميس 3 أول مهمة مأهولة للهبوط على سطح القمر، لكن مدير الوكالة الأمريكية، جاريد إيزاكمان، أعلن عن تغيير كبير في هيكل البرنامج في أواخر فبراير 2026.
بحسب الخطة الجديدة، ستُوظَّف أرتميس 3 أيضًا لاختبار قدرات مركبة أوريون، حيث سيُنظَر فيما إذا كانت قادرة على الالتحام بمركبات الهبوط القمرية التابعة لشركتي SpaceX (شركة إيلون ماسك) وBlue Origin (شركة جيف بيزوس) أم لا.
وستختبر المهمة إمكانية التحام Orion مع مركبة Starship التابعة لـ SpaceX أو مركبة Blue Moon التابعة لـ Blue Origin، وربما مع المركبتين معًا.
الخبر الجيد أن ناسا تخطط لإطلاق أرتميس 3 في منتصف عام 2027، وإذا سارت الأمور حسب الخطة، فستكون أرتميس 4 هي المهمة التي تحط فيها أقدام رواد الفضاء على القمر، وذلك في أواخر 2028 باستخدام مركبة أوريون وإحدى مركبات الهبوط المطوَّرة.
جدير بالذكر أن خطط ناسا لا تتوقف عند الهبوط على القمر فقط، فالمهام المأهولة ضمن برنامج أرتميس ستستمر بعد ذلك بوتيرة متصاعدة، بهدف إنشاء قاعدة دائمة على القمر بحلول عام 2032.
وترغب ناسا في أن يعيش رواد الفضاء ويعملوا لفترات طويلة داخل هذه القاعدة، من أجل تطوير الخبرات والتقنيات اللازمة لتحقيق الهدف الأكبر وهو إرسال البشر للمريخ.
