لمحات من حياة جورجيو أرماني... كيف بنى إمبراطوريته من الصفر؟
جاء خبر وفاة مصمم الأزياء الإيطالي جورجيو أرماني (Giorgio Armani) صادمًا لمحبيه ومحبي دار "أرماني Armani" ومنتجاتها، رغم أن حالته الصحية كانت قد تدهورت مؤخرًا، الأمر الذي غيبه -ولأول مرة- عن عروض أزيائه، ومع ذلك، لم يُخفف ذلك من حزن محبيه ولا من صدمتهم.
وقد أكدت شركة "أرماني Armani" خبر وفاة مصمم الأزياء الملهم، الذي ميز ثمانينيات القرن الماضي ورسم مسار الموضة بعدها، عن عمر يناهز 91 عامًا.
جورجيو أرماني: البداية من الصفر
يعتبر البعض أن جورجيو أرماني هو أنجح مصمم أزياء إيطالي في التاريخ، وأحد أنجح رواد الأعمال هناك، ويعود ذلك إلى أسباب ملموسة، فقد كان أرماني المساهم الوحيد في الشركة التي تحمل اسمه، والتي توسّعت اهتماماتها إلى ما هو أبعد من الملابس، لتشمل الفنادق، والأدوات المنزلية، وحتى الحلويات.
لم يبنِ جورجيو أرماني إمبراطوريته في عالم الأزياء بطريقة سهلة وممهّدة، بل بدأ من الصفر، فقبل أن يؤسس شركته، عمل لمدة ست سنوات مع الخياط نينو شيروتي، حيث عمل معه في تطوير علامة ملابس رياضية تُدعى Hitman، كما أمضى سبع سنوات في العمل لدى متجر La Rinascente في ميلانو، حيث عمل كمصمم واجهات عرض ومساعد للمشترين.
بدأ جورجيو أرماني أسطورته من الصفر في عام 1975، بتمويل من بيع سيارته "فولكس فاجن بيتل"، لتصل إيرادات شركته إلى 2.1 مليار يورو في عام 2019، فيما يعمل بها حوالي 8000 شخص حول العالم، وقد قُدرت ثروته الشخصية بنحو 11 مليار دولار.
ومن اللافت أن جورجيو أرماني بدأ في تأسيس إمبراطوريته وهو في الأربعين من عمره، ولم يستغرق الأمر سوى سبع سنوات لينتقل من شخص غير معروف إلى نجم على غلاف مجلة Time في عام 1982، مؤكِّدًا حينها نجاحه وشهرته.
اقرأ أيضًا: استمر جورجيو أرماني بالعمل حتى التسعينات.. تعرف على روتينه اليومي وسر طول عمره
وافتتح أرماني استوديو التصميم الخاص به بتشجيع من شريكه في الحياة والأعمال، المهندس المعماري سيرجيو جاليوتي، وكما قال أرماني لمجلة GQ في عام 2015: "جعلني سيرجيو أؤمن بنفسي. لقد جعلني أرى العالم الأكبر".
أسّس الرجلان شركتهما معًا، حيث كان جاليوتي رئيسًا ومالكًا مشاركًا، إلى جانب المساعدة إيرين بانتين، التي لا تزال تعمل في الشركة حتى اليوم، وقد عرضا أول مجموعة ملابس نسائية لهما على تقويم Camera Della Moda لموسم خريف عام 1976، وهي المجموعة التي حصلت على صفقة توزيع مع "بارنيز Barneys".
في العرض الأول لأرماني، قدّم 12 عارضًا و12 عارضة أزياء، يرتدون إطلالات مكوّنة من سترات بدلات رجالية خفيفة، فضفاضة، ومفككة، شبيهة بتلك التي قدّمها مؤخرًا إلى جانب أزياء رجالية في عرض مختلط ضمّ 60 إطلالة، في يناير الماضي.
وفي ختام العرض، اجتمع العارضون والعارضات على منصة العرض، وتوقفوا، ثم رقصوا على أنغام موسيقى عزفها جاليوتي من خلف الكواليس.
أصبح أرماني بالفعل مصممًا ذائع الصيت في عالم الموضة الناشئة في ميلانو آنذاك، بفضل ستراته الجلدية المرنة ذات الطابع الرياضي للرجال. كما لاقت مجموعاته الأولى للنساء استحسانًا إعلاميًا كبيرًا.
بداية وصول أرماني لهوليوود
وصلت شهرة جورجيو أرماني إلى الولايات المتحدة الأمريكية، بفضل براعته، وفي أبريل 1978، ارتدت "ديان كيتون" إحدى سترات أرماني المصممة خصيصًا لها، خلال تسلمها جائزة أفضل ممثلة في حفل توزيع جوائز الأوسكار لذلك العام، عن دورها في فيلم Annie Hall.
بدأت أنظار مشاهير هوليوود تلتفت إلى أرماني، وبضربة حظ، حصل جورجيو أرماني على فرصة لتصميم أزياء بطل فيلم American Gigolo، وكان من المقرر في البداية أن يؤدي الدور جون ترافولتا، وقد حصل أرماني على هذه الفرصة بتوصية من مدير أعمال ترافولتا، وعندما انسحب ترافولتا من العمل، تمسّك المخرج بول شريدر بتصاميم أرماني، واستُبدل ترافولتا بالممثل ريتشارد جير.
وبالفعل، صمم جورجيو أرماني كل أزياء ريتشارد جير في فيلم American Gigolo، الذي صدر في فبراير 1980، وكما قال أرماني لمجلة The Economist’s في عام 2017: "كانت ضجة كبيرة، أراد الجميع معرفة كيف بدت أزياء جير رائعة، لذلك منحني شهرة إيجابية مفاجئة".
مع دخول الولايات المتحدة ذروة قوتها في عالم الأزياء، كان جورجيو أرماني حاضرًا ليقدم تعبيرًا عضوياً ومتطورًا بشكل مميز عن الأناقة الناعمة ذات الأكتاف الفضفاضة، وقدمت علامتاه اللتان تم افتتاحهما حديثًا وقتها، "إمبوريو أرماني Emporio Armani" و"أرماني جينز Armani Jeans"، جزءًا من حركة أرماني بسعر أكثر قابلية للتوفير مقارنةً بأي من منافسيه في ميلانو. وكان منافسه الرئيسي في الفئة السعرية هو جياني فيرساتشي، مالك دار Versace، وسرعان ما أصبح أرماني يمثل الأزياء الإيطالية في الوعي الأمريكي.
وعلق أرماني على هذه الفترة عام 2017، قائلا: "حدثت أشياء كثيرة بسرعة كبيرة بالنسبة لي في ذلك الوقت، كان الوقت الذي كان فيه كل شيء يتحرك في مسيرتي المهنية".
ارتدت جريس جونز من تصاميم أرماني على غلاف ألبومها Nightclubbing لعام 1981، من مجموعة مستوحاة من اليابان، ثم جاء غلاف مجلة Time، وفي عام 1984، عُرضت الحلقات الأولى من المسلسل التلفزيوني الشهير في ذروة الثمانينيات Miami Vice، الذي استمر لمدة أربع سنوات.
أزمة شخصية تعرقل مسيرة أرماني
في عام 1985، تعرّض جورجيو أرماني لأزمة شخصية شكّلت عقبة في طريق تطوره وسرعة انتشاره، وذلك عندما توفي سيرجيو جاليوتي، ويُقال إنه كان يعاني من مرض في القلب.
وقال أرماني لمجلة نيويورك بعد أحد عشر عامًا: "عشنا دون أن نقول كلمة واحدة عن مرضه، دون أن نترك له أثرًا، لم يرني أبكي قط، لم ينطق بكلمة واحدة طوال عامٍ كامل. قال ذات مرة: (جورجيو، انظر كم أصبحت نحيفًا)... هذا كل شيء".
أثّرت حالة الحزن التي خيّمت على أرماني في نفسيته بشدّة، لكن أعماله استمرت في النمو، وذلك بفضل اعتماده على أشخاص محلّ ثقة، مثل جابرييلا فورتي، التي ساهمت في التوسّط في صفقة بارنيز نيويورك عام 1976، وعملت لدى أرماني منذ عام 1979 على تطوير السوق الأمريكية. وقد وجد أرماني فيها المرأة المثالية التي تتمتّع بروح معنوية عالية، وكثيرًا ما كانت تتحدّث باسمه منذ عام 1985.
ومن بين التعيينات الرئيسية كانت نونا سميث-بيترسون، مسؤولة العلاقات العامة، التي أمضت ثماني سنوات في الشركة، ولي رادزيويل، منسقة الفعاليات الخاصة، ومراسلة ميسوري التي أصبحت سفيرة أرماني في لوس أنجلوس، وواندا ماكدانييل، التي عيّنتها فورتي عام 1987.
أرماني: نضوج وشهرة الثمانينيات
في حين أن الثمانينيات كانت الفترة التي برز فيها أسلوب أرماني، فإنه استمر في قيادة صيحات الموضة في العقد التالي، وخاصةً في مجال ملابس الرجال.
وفي ربيع عام 1990، اقترح أرماني نسخةً من بدلة الجيب ذات الثلاثة أزرار، بياقة أعلى وأكتاف ضيّقة، أطلق عليها اسم The Natural، والتي أصبحت لاحقًا الشكل السائد في عالم تصميم البدل خلال السنوات التالية.
وفي العام نفسه الذي صدرت فيه بدلة The Natural، عُرض فيلم "صُنع في ميلانو Made in Milan"، وهو فيلم وثائقي من إخراج مارتن سكورسيزي، يُظهر أرماني في بيئة عمله، وقال فيه: "يتغير المجتمع، وأنا أتغير معه. أحاول تصفية أفكاري من خلال واقع يومي".
جورجيو أرماني وأعباء النجاح
بين عامي 1990 و1995، نمت الشركة بسرعة، لكن أرماني شعر بعبء النجاح، وصرّح لاحقًا عن تلك الفترة قائلًا: "لم أعد أستطيع المخاطرة كما كنت أفعل من قبل، ولم أعد أستطيع تحمّل عدم البيع. لم أستطع حتى تحمّل انخفاض المبيعات. أصبحت تصاميمي مسؤولية تجارية".
وازدادت خطوط أزياء أرماني، واقتحمت مجالات مختلفة مثل ملابس النوم ومستحضرات التجميل، واستمرت الشركة في النمو، وسط ازدياد في عدد المنافسين خلال تلك الفترة وحتى نهاية التسعينيات.
لم تعد المنافسة قاصرة على "برادا Prada" و"فيرساتشي Versace"، بل انضم كل من "كالفن كلاين Calvin Klein" وغوتشي Gucci"، و"دولتشي آند جابانا Dolce & Gabbana"، الناشئة إلى حشد المنافسين.
منافسة قوية مع دور الأزياء واقتحام عالم الفنادق
أكملت "شركة جورجيو أرماني Giorgio Armani" ذكراها الخامسة والعشرين في عام 2001، واحتفلت الدار بهذه المناسبة في متحف جوجنهايم، الذي يستقبل 29 ألف زائر أسبوعيا.
ورغم أن هذه الفترة شهدت نجاحات واسعة لأزياء أرماني، فإنه لم يعد المسيطر الوحيد على الساحة؛ إذ بدأت المنافسة تحتد، وأصبح السوق يتّسع للتنوع، لذلك، قرر أرماني اقتحام عالم آخر، هو عالم الفنادق.
خلال السنوات الأولى من الألفية الثانية، أطلق جورجيو أرماني سلسلة فنادقه بالشراكة، وتولى إدارة منشآته التصنيعية لضمان التكامل الرأسي، وعندما لم يكن قادرًا على الإنتاج الذاتي، كان يرخص منتجاته، ولكن بشرط أن يحتفظ لنفسه الكلمة الفصل.
شائعات حول الشراكة
انتشرت العديد من الأقاويل بأن جورجيو أرماني تلقى عدة عروض استثمار من شركات خاصة ووجهات أخرى راغبة في الانضمام إلى فنادقه الفخمة، لكنه اختار الاحتفاظ بكل ما بناه ملكًا له وحده.
ومن بين الأقاويل التي انتشرت حول استقلال أرماني، أن ثلاثة مستثمرين عرضوا عليه مقابلة مديرهم المصرفي، وقد حكى أرماني قائلًا: "كان أقوى رجل في القطاع المصرفي الإيطالي، وبينما كان الآخرون يتحدثون، كان هو جالسًا صامتًا، ثم نظر إلى الرجال الآخرين وقال: 'أيها السادة الأعزاء، السيد أرماني ليس بحاجة إلينا، هيا بنا'".
اقرأ أيضًا: جورجيو أرماني يكشف النقاب عن مشروع ARMANI/Archivio على هامش مهرجان البندقية
كيف كانت الصحافة ترى أرماني؟
تخطّت قوة اسم جورجيو أرماني وشهرته حدود ذكره في الحملات الدعائية والصحافية، وأشارت فرانكا سوزاني، رئيسة تحرير مجلة فوغ الإيطالية الراحلة، إلى ذلك قائلة: "مثل جميع المصممين العظماء في تاريخ الموضة، يركّز جورجيو أرماني على الأناقة لا على الموضة. إنهم يجدون أسلوبهم ويلتزمون به، وهذا ما فعله".
اشتهر أرماني بتحفظه وحساسيته، وخلال المؤتمرات الصحفية التي تُعقد بعد عروض الأزياء للصحافة الإيطالية، كان أحيانًا يُلقي كلمات ساخرة تجاه منافسه الأشهر في إيطاليا، "برادا Prada" أو "دولتشي آند بانا Dolce & Gabbana"، مما يُثير استحسان الحضور، كما أشتهر بكونه خجولًا.
ورغم تصاميمه الفاخرة، كان جورجيو أرماني زاهدًا في مظهره الشخصي، يكتفي بالظهور بإطلالات بسيطة في نهاية عروض أزيائه.
ويرجح أن جزءًا من صرامة جورجيو أرماني الظاهرة، وبالتأكيد جديته ورصانته العامة، كان نتيجة طفولته التي قضاها في ظروف صعبة، حيث نشأ في مدينة بياتشينزا القريبة من ميلانو في ثلاثينيات القرن الماضي. وكانت والدته، ماريو -التي سُمّي يخته الحبيب باسمها- قوية ومكلفة بحماية أرماني وشقيقته روزانا وشقيقه سيرجيو من غارات الحلفاء الجوية.
أما والده، أوجو، وهو محاسب من أصل أرمني، فقد وجد صعوبةً في الحصول على عمل بعد الحرب، إذ أصيب بجروح بالغة عندما قُتل أحد أصدقائه في انفجار لغم أرضي في موقع قصف في بياتشينزا.
وهذا ألهمه لمتابعة طموحه الأول بأن يصبح طبيبًا، قبل أن يؤدي خدمته العسكرية، ليجد نفسه في النهاية في ميلانو، المدينة التي صنعته والتي ساهم فيها كثيرًا. وفيما بعد، اعترف جورجيو مرة بتعاطيه عقار LSD مرة واحدة وسكره مرة واحدة في حياته.
نهاية تليق بمسيرته الكبيرة
عمل جورجيو أرماني حتى آخر رمق، وحتى في مجموعاته الأخيرة، كان يدقق في كل إطلالة قبل أن يصطحب عارضيه إلى منصة العرض على المسرح الذي صممه له المهندس المعماري الياباني المرموق تاداو أندو.
وقد قال أرماني ذات مرة إن شعاره هو أن "الكمال، والحاجة الدائمة إلى أهداف جديدة وتحقيقها، وهي حالة ذهنية تضفي معنى عميقًا على الحياة".
يذكر أنه تم تحديد ترتيبات الجنازة في مسرح أرماني في ميلانو من السبت 6 سبتمبر إلى الأحد 7 سبتمبر، وسيكون مفتوحًا من الساعة 9 صباحًا حتى 6 مساءً، وفقًا لما ذكره بيان الشركة في إعلان الوفاة.
