You are here

×

قصة «مبنى إمباير ستيت» والمدرسة الكينزية: بناء الثقة في خضم أزمة الكساد العظيم

من الصعب أن نتخيل أن أي شخص عاش خلال فترة «الكساد العظيم - The Great Depression» لم يتأثر به بشدة. منذ بداية الأزمة عام 1929 إلى الوقت الذي وصل فيه الاقتصاد إلى القاع عام 1933، حيث انخفض الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 30٪ تقريبًا، وانخفض نصيب الفرد من الدخل الحقيقي القابل للتصرف بنسبة 40٪ تقريبًا، وتم تسريح أكثر من 12 مليون شخص من العمل؛ ليرتفع معدل البطالة من 3٪ عام 1929 إلى 25٪ عام 1933، بعدما أفلست حوالي 85,000 شركة.


                                                   «الكساد العظيم» يفقد سوق الأوراق المالية 90٪ من قيمتها

وبالتوازي مع الأحداث، تُعد ناطحة السحاب الفريدة والأنيقة المسماة «مبنى الإمباير ستيت - The Empire State Building» بلا شك واحدة من أكثر المباني احترامًا في العالم، ليس فقط لمكانتها المعمارية كأطول مبنى بالعالم في وقت من الأوقات، بل لما مثلته من تأكيد نظرية المدرسة الكينزية في تحفيز الاقتصاد. إنها قصة من التاريخ الاقتصادي، مع تقديم نظرة حول تلك الفترة وعلاقتها بإعادة الثقة المفقودة في النظام الاقتصادي وقتها.

المدرسة الكينزية مقابل المدرسة الاقتصادية

كان «الكساد العظيم» أكبر وأطول فترة ركود اقتصادي في تاريخ العالم الحديث، فقد بدأ مع انهيار سوق الأسهم الأمريكية عام 1929 ولم ينته حتى عام 1946 بعد الحرب العالمية الثانية، غالبًا ما يشير الاقتصاديون والمؤرخون إلى «الكساد العظيم» باعتباره الحدث الاقتصادي الأكثر كارثية في القرن العشرين.

فقد جاء «الكساد العظيم» بمثابة صدمة لما كان حينها سائدًا في ظل المدرسة الكلاسيكية التقليدية للاقتصاد. لمعرفة السبب، يجب أن نعود إلى التقليد الكلاسيكي للاقتصاد الكلي الذي هيمن على مهنة الاقتصاد عندما بدأ الكساد.

الاقتصاد الكلاسيكي هو جسم فكر الاقتصاد الكلي المرتبط في المقام الأول بالاقتصادي البريطاني الذي عاش في القرن التاسع عشر «ديفيد ريكاردو -  David Ricardo»، وأسس مبادئ الاقتصاد السياسي والضرائب، التي نُشرت عام 1817 تقليدًا سيطر على الفكر الاقتصادي الكلي لأكثر من قرن من الزمان. 

حيث ركز «ريكاردو» على المدى الطويل، وعلى القوى التي تحدد وتنتج النمو في الناتج المحتمل للاقتصاد، وشدد على قدرة الأجور والأسعار المرنة على إبقاء الاقتصاد عند أو بالقرب من المستوى الطبيعي للتوظيف.

تغيير في الفكر الاقتصادي

وفقًا للمدرسة الكلاسيكية، فإن تحقيق ما نسميه الآن المستوى الطبيعي للتوظيف والناتج المحتمل ليس مشكلة؛ يمكن للاقتصاد القيام بذلك بمفرده، حيث رأى الاقتصاديون في المدرسة الكلاسيكية الكساد الهائل الذي حدث في معظم أنحاء العالم في أواخر عشرينيات وأوائل ثلاثينيات القرن الماضي على أنه ركود وانحراف قصير المدى، وسوف يصحح الاقتصاد نفسه على المدى الطويل، ويعود إلى إنتاجه المحتمل وإلى المستوى الطبيعي للعمالة.

رفض الاقتصادي البريطاني اللورد «جون مينارد كينز - John Maynard Keynes» فكرة أن الاقتصاد سيحقق العمالة الكاملة على المدى الطويل باعتبارها غير ذات صلة، وكتب غاضبًا: «على المدى الطويل ، نحن جميعًا أموات». وأنتج عمل «كينز» مدرسة جديدة لفكر الاقتصاد الكلي، المدرسة الكينزية، وكان كتابه لعام 1936: «النظرية العامة للتوظيف والفائدة والمال»، هو تغيير الطريقة التي فكر بها العديد من الاقتصاديين حول مشاكل الاقتصاد الكلي وطرق إعادة الثقة فيه.

أساسيات نظرية الاقتصاد الكينزي

في البداية، تقول القاعدة الكينزية: «إذا كان لديك المال لذلك، فإن فترات الركود الاقتصادي هي وقت مثالي للقيام بأعمال البناء والتشييد، للخروج من المأزق كنوع من أنواع تحفيز الاقتصاد عبر زيادة الإنفاق». فمن المحتمل أن تكون الأراضي أرخص، مع وجود منافسة أقل لشرائها؛ في ظل وجود أسعار فائدة على القروض أقل بكثير، وكل من القوى العاملة والمواد أرخص بسبب انخفاض معدلات الطلب.

المبدأ الرئيسي لهذه المدرسة الفكرية الكينزية في الاقتصاد هو أن التدخل الحكومي في أوقات الكساد من خلال السياسات العامة، التي تهدف إلى تحقيق التوظيف الكامل واستقرار الأسعار يمكن له أن يحقق الاستقرار الاقتصادي، حيث يؤدي زيادة الإنفاق الحكومي إلى ارتفاع معدل النمو، مما يشجع القطاع الخاص على الاستثمار أيضًا، ليعود الاقتصاد الكلي إلى التوازن من جديد فترتفع معدلات التوظيف، وبالتالي تدور عجلة الاقتصاد؛ لأن الاقتصاديين الكينزيين يعتقدون أن فجوات الكساد والتضخم يمكن أن تستمر لفترات طويلة، فإنهم يحثون على استخدام السياسة المالية والنقدية.

وبناءً عليه، يُعد «مبنى الإمباير ستيت» ليس أيقونة معمار أمريكية فحسب، بل تطبيق نموذجي على نظرية الاقتصادي البريطاني اللورد «جون مينارد كينز»، أنقذت العالم في ثلاثينيات القرن الماضي من «الكساد العظيم»، حيث أجبرت الحكومات على التحول بحدة إلى سياسة مالية توسعية.

الخميس الأسود

بالعودة ليوم 24 أكتوبر سنة 1929م، والذي أُطلق عليه «الخميس الأسود»، وفي تمام الساعة العاشرة صباحًا، ومع بدء أعمال البورصة وتداول الأسهم في «وول ستريت» حيث بورصة نيويورك، جاءت الأخبار عن حدوث كارثة اقتصادية، بسبب ارتفاع عرض الأسهم عن الطلب عليها بشكل غير مسبوق، وذلك بعرض 19 مليون سهم على لائحة البيع، ما تسبب في انخفاض أسعار الأسهم لأدنى مستوياتها، واحتشد التجار وسماسرة الأوراق المالية ورجال الأعمال القلقون على ناصية وول ستريت، ووعدهم المصرفيون بإيجاد مخرج للأزمة، لكن الوقت كان متأخرًا، وانعدمت الثقة في الاقتصاد، الأمر الذى أدى لانهيار سوق الأوراق المالية الأمريكية تمامًا بعد 5 أيام، وتحديدًا فى 29 أكتوبر، أو ما يطلق عليه «الثلاثاء الأسود».

                                          وقائع «الخميس الأسود» منشورة بالصحف الأمريكية

فعلى مدى الأيام الأربعة التالية لـ «الخميس الأسود»، انخفضت أسعار الأسهم بنسبة 22٪، وكلف ذلك الانهيار المستثمرين 30 مليار دولار، أي ما يعادل 396 مليار دولار اليوم، بتكلفة أكبر من الحرب العالمية الأولى. واستمر انهيار البورصة حتى يوليو 1932م، ومرت الولايات المتحدة الأمريكية خلال تلك الفترة بأسوأ حالة اقتصادية شهدتها البلاد، والتي وصفت في التاريخ الاقتصادي بـ «الكساد العظيم».

كساد ودمار

قد دمر «الكساد العظيم» عام 1929 الاقتصاد الأمريكي، بعدما فقد سوق الأوراق المالية 90٪ من قيمته، وانخفض إجمالي الاستثمار المحلي الخاص الحقيقي بنسبة 80٪ تقريبًا بين عامي 1929 و 1932، وتم إشهار إفلاس ثلث البنوك، وارتفع معدل البطالة إلى 25٪، وزادت نسبة التشرد، وانخفضت أسعار المساكن بنسبة 67٪، وانهارت التجارة الدولية بنسبة 65٪، وارتفع الانكماش إلى أعلى من 10٪، فقد الناس كل الثقة في أسواق وول ستريت، حتى الأشخاص الذين لم يستثمروا الأموال خسروا، واستغرق الأمر 25 عامًا حتى تعافى سوق الأسهم مرة أخرى.

وخلال تلك الأزمة القاسية كادت أن تتوقف أعمال البيع والشراء، وبل اصطف كثير من الأمريكيين في طوابير طويلة لتلقي المعونات والغذاء من الجهات الحكومية، وخاصة بعدما فقد الكثيرون منهم وظائفهم وعمت البطالة البلاد، وزادت ديون الشركات وانخفضت الصادرات الأوروبية إلى أسواق أمريكا، وأفلس كثير من الأثرياء ولجأ عدد منهم إلى الانتحار، وامتد تأثير تلك الأزمة إلى أوروبا، وهو ما حفز على انهيار النظام الديمقراطي الهش وبزوغ الحركات الثورية، مثل: النازية والفاشية.

الإمباير ستيت وسباق الأطول 

بينما شدد الكساد العظيم قبضته على نواحي الاقتصاد، تجمع عدد من المهتمين بتحفيز الاقتصاد والخروج من النفق الضيق، عبر اندفاعة جنونية وغير مسبوقة لإقامة أكبر ناطحة سحاب في العالم، كنوع من زيادة حجم الإنفاق، وتطبيقًا لفكر «كينز» الاقتصادي.

يقال إن فكرة «مبنى إمباير ستيت» قد ولدت من منافسة بين قطب السيارات «والتر كرايسلر» من شركة كرايسلر و«جون جاكوب راسكوب» من شركة جنرال موتورز؛ لمعرفة من يمكنه إقامة المبنى الأطول في العالم. كانت المنافسة الرئيسية في البداية بين مبنى «بنك ستريت» و«مبنى كرايسلر»،. حاول كلا البرجين التنافس على لقب «الأطول» من خلال إضافة المزيد من الطوابق إلى تصميمهما، واشتد السباق حقًا في أغسطس 1929، عندما أعلن «جون جيه راسكوب»، المدير التنفيذي لشركة جنرال موتورز دخول السباق لبناء المبنى الأطول عالميًا.

كانت شركة كرايسلر قد بدأت بالفعل العمل في «مبنى كرايسلر» الشهير، كناطحة سحاب لامعة مكونة من 77 طابقًا، ويبلغ ارتفاعها 1046 قدمًا في وسط مدينة مانهاتن، والذي أصبح عند اكتماله في عام 1930 أطول ناطحة سحاب في العالم - حتى تم تجاوزه بعد 11 شهرًا فقط من قبل «مبنى إمباير ستيت» العملاق.

حتى لا يكون هناك من هو أفضل، قام «راسكوب» بتجميع مجموعة من المستثمرين المعروفين، بما في ذلك حاكم نيويورك السابق «ألفريد إي سميث»، اختارت المجموعة المهندس المعماري «William Lamb» لتصميم المبنى، الذي اختار له شكل استاند إلى حد كبير على شكل قلم رصاص.

بدأت أعمال البناء في يوم «القديس باتريك»، 17 فبراير 1930، وبمساعدة ما يصل إلى 3400 عامل، واستخدم في بنائه 400 طن من الحديد، و10 ملايين حجر، وله عدد 6400 نافذة، وأكثر من 70 مصعدا، قادر على العمل بسرعة 1200 قدم في الدقيقة، ويتسع لعدد 20 ألف موظف، وتم الانتهاء منه في 410 أيام فقط، قبل ثلاثة أشهر من المدة المحددة، وبتكلفة 40.9 مليون دولار، ليعطي بارقة أمل في أمور الاقتصاد تحت السيطرة.

دخول عصر ناطحات السحاب وعودة الثقة

في يوم 1 مايو سنة 1931، افتتح الرئيس الأمريكي «هربرت هوفر - Herbert Hoover» المبنى، الذي كان وقتها أعلى مبنى في العالم (في ذلك الوقت) حيث بلغ ارتفاعه 381 مترًا، ضغط الرئيس على زر تشغيل الأضواء من البيت الأبيض، كانت إيماءة «هوفر» رمزية بالطبع. بينما بقي الرئيس في واشنطن العاصمة، قام شخص آخر بنقر المفاتيح في نيويورك، فأضاء المبنى؛ ليعلن عن الشموخ الأمريكي، والثقة بالاقتصاد في وقت كانت تعاني فيه الولايات المتحدة من فترة كساد قاسية.

كانت أعمال البناء في «إمباير ستيت» وعمالها نقطة جذب للمصورين الصحفيين والمجلات، وهذه مجموعة من الصور الملتقطة أثناء أعمال البناء


وقد اشترك في تشييد ذلك المبنى نحو 3400 عامل في اليوم، حصل معظمهم على معدل أجر ممتاز، خاصة بالنظر إلى الظروف الاقتصادية في ذلك الوقت. كان المبنى يملأ مدينة نيويورك بشعور عميق بالفخر وبعودة الثقة للاقتصاد، وهي حاجة ماسة في أعماق أزمة الكساد العظيم، عندما كان العديد من سكان المدينة عاطلين عن العمل، وآفاق مستقبلهم قاتمة.

مبنى الولاية الفارغ

تم تصميم «إمباير ستيت» في المقام الأول كمبنى تجاري لإيواء مكاتب الشركات، لكن قبضة الكساد على اقتصاد نيويورك كانت لا تزال واضحة بعد مرور عام، ومع ذلك، عندما تم تأجير 25% من مكاتب المبنى، مما أكسبه لقب «مبنى الولاية الفارغ»، وفي بعض الأحيان، طُلب من العمال أن يشعلوا الأضواء في الطوابق العليا ليخلقوا الوهم بأن المبنى شاغر. لم يكن المبنى مربحًا حتى الحرب العالمية الثانية، ولجأ المستثمرون من أصحاب المبنى إلى الأعمال الدعائية لجذب المستأجرين، بما في ذلك استضافة جلسة تحضير أرواح عام 1932 بهدف الاتصال بشبح «توماس إديسون» من الطابق 82 بالمبنى، ومع ذلك ظل النصف العلوي من ناطحة السحاب شاغرًا بالكامل تقريبًا لمعظم فترة الثلاثينيات. 

وأخيرًا.. بدأ الاقتصاد في التعافي بعد عام 1933، وكان ظهور ذلك المبنى المرتفع بداية لعصر جديد من الفكر الاقتصادي والتكنولوجيا والهندسة المعمارية على الأرض. وقد ظل أطول مبنى في العالم، وهو لقب احتفظ به لما يقرب من 40 عامًا، حتى الانتهاء تم الانتهاء من البرج الشمالي لمركز التجارة العالمي في عام 1972.

مواضيع ممكن أن تعجبك

التعليقات

أضف تعليق