You are here

×

وريث العرش البريطاني الأمير تشارلز مؤيد للإسلام ومحب للصحراء

الرجل: دبي

اغسطس – آب 1994

يرتبط الامير تشارلز، وليّ عهد بريطانيا، بعلاقات قوية بالعالم العربي. ولئن اتّسم بعضها بالطابع الرسمي، فإن الطابع الشخصي سيطر على بعضها الآخر، خاصة مع بعض القيادات السياسية في دول الخليج، التي بدا واضحاً خلال زيارة الامير الاخيرة لها، أن هناك ارضية مشتركة تجمع بين الطرفين. ولا يخفي الامير عشقه للصحراء، وحتى مظاهر الحياة فيها التي تعكس الاصالة على طبيعتها.

وكانت الزيارة التي قام بها للسعودية ودول الخليج العربي، قد اعطته فرصة للتعرف بشكل اكبر إلى الحضارة الاسلامية والثقافة العربية عن كثب. وقد انعكس ذلك على الكثير من آراء الامير الاخيرة ومواقفه، التي عبّر عنها صراحة وفي اكثر من مناسبة، لعلّ من بينها، بل وأشهرها، محاضرته الاخيرة عن الاسلام في جامعة أكسفورد، بمناسبة تعيينه رئيساً فخرياً لقسم الدراسات الاسلامية فيها. فقد جاءت آراء الامير، بخلاف الصورة التي يعرفها الغرب عن الاسلام. بل والاكثر من ذلك، ان الامير اتخذ موقف المدافع عن الاسلام ومبادئه وأفكاره، في سابقة هي الاولى من نوعها لمسؤول بريطاني. ورغم الانتقاد والهجوم الذي تعرض له الامير بسبب موقفه هذا، فإنه عاد لتأكيده من جديد، في برنامج عرض مؤخرا في التلفزيون البريطاني، تحدث فيه عن الاديان، وحياته الخاصة، بل وحتى علاقاته الاكثر خصوصية.

ولد الامير تشارلز في 14 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1948، في قصر باكنغهام في لندن. ولدى وفاة جده الملك جورج السادس، وتتويج والدته الملكة اليزابيث الثانية في عام 1952، اصبح الامير تشارلز هو ولي العهد، وكانت اول مشاركة شعبية له عام 1953 في حفل تتويج الملكة.

وحصل الامير تشارلز على لقب امير ويلز في عام 1958، وبلغ الثامنة عشر من العمر عام 1966، ما اهله لاعتلاء العرش مباشرة دون وصاية.

وكانت اول مدرسة يلتحق بها هي مدرسة "هيل هاوس" في لندن، انتقل بعدها الى مدرسة "شيم" الداخلية، وهي المدرسة التي تعلم بها والده الامير فيليب. توجه بعد ذلك الى اسكتلندا لدخول مدرسة "جورد ونستون"، وفقا لطلب والده.

وبعد عام التحق في استراليا بجامعة "كيمبردج"، وبالتحديد في كلية "ترينيتي"، حيث درس التاريخ وحصل على درجة البكالوريوس. وكان الطالب الوحيد في الجامعة الذي سمح له بصف سيارته داخل الحرم الجامعي.

تعلم الأمير تشارلز لغة مقاطعة ويلز، فضلاً عن اللغة الفرنسية. وتعلم الطيران على كل انواع الطائرات، ما عدا الاسرع من الصوت. كما قاد سفينة حربية يتألف طاقمها من 37 فردا. وبقي في البحرية الملكية البريطانية حتى عام 1976.

المواجهة

ويأتي الاهتمام الاعلامي بالامير تشارلز، كونه الشخص الذي يتوقعه البريطانيون ملكاً لهم. او بعبارة اخرى، فهو "ملك بريطانيا القادم" كما يرى البريطانيون. ومن هنا تجد الصحافة، وحتى الفضوليون عذراً، في معرفة كل ما يختص بملكهم القادم.

الا ان حدود هذه المعرفة تختلط كثيراً بحدود الشائعات وحتى الاكاذيب التي كلفت الامير الشاب حريته، وحتى خصوصية حياته. بل إنها كانت السبب الاكبر في نهاية زواجه من الاميرة ديانا. وهو الزواج الذي بدا كالاسطورة في عام 1981، وتحطم بالانفصال في العام الماضي. ورغم كم الكتب والمقالات التي نشرت في الاعلام البريطاني والاوروبي عن الحياة الخاصة للامير تشارلز والاميرة ديانا، فإن احداً لا يستطيع الجزم بحقيقة ما حدث ويحدث.

ثم تكررت الشائعات عن اهمال الامير لعائلته الصغيرة المكونة من زوجته وولديه الاميرين ويليام وهاري، وعن يأس الاميرة وتعاستها، بل ومرضها الظاهرة اعراضه بالنحافة الشديدة. ووصل الامر الى نشر شائعات عن علاقات نسائية للامير كانت السبب في انهيار العلاقة الزوجية، بينه وبين الاميرة ديانا. وانقسم الاعلام البريطاني الى فريقين احدهما يناصر الامير ويناصب الاميرة العداء، والآخر يعادي الامير ويطالب بتخطيه الى الامير ويليام، حفيد الملكة اليزابيث الثانية لكي يتولى الحكم بعدها، وعلى اساس ان تشارلز اثبت بتصرفاته الشخصية انه لا يصلح لهذا الشرف.

قرار الأمير

بدا واضحاً ان الامير، وبعد تزايد حدة الشائعات من حوله، قرر الدخول في مواجهة ومكاشفة مع الاعلام البريطاني. ومن هنا اتت استضافته في برنامج تلفزيوني خاص استغرق عرضه 150 دقيقة، طرح خلاله الكثير من الاراء والمواقف، حتى تلك التي تمسّ حياته الزوجية، بل وعلاقاته النسائية الاخرى.

وقد محّص اعلام الاثارة ما ذكره الامير جيداً في هذا البرنامج، بحثاً عن موادّ جديدة ومثيرة، وكان افضل ما خرجت به ان الامير كانت له فعلاً علاقات نسائية خارج اطار الزواج، مع حذف الشق الثاني من العبارة التي قالها الامير، وهو ان هذه العلاقات جاءت فقط بعد انهيار الزواج عملياً، وقرار الاميرة ديانا الانفصال. وأضافت صحافة الاثارة ان الامير اعلن عن رغبته في ان تتحول الرعاية التقليدية من الملك الحاكم في بريطانيا للكنيسة البريطانية، الى رعاية شاملة منه لكل الاديان السماوية السائدة في بريطانيا.

وفي الوقت الذي تفهّم فيه الرأي العام البريطاني هذه القضية، فإن تجار الاثارة نشروها على انه نوع من تخلي الامير عن ديانة بلاده ورفع حمايته عنها. واستشهد البعض على ذلك بالمحاضرة التي قدمها الامير في جامعة اكسفورد، حيث تحدث، وكأول مسؤول بريطاني بشكل ايجابي عن الاسلام.

وبدا واضحاً ان المشاهد البريطاني العادي كان يستمع الى الامير، وكأنه يستمع الى فصل اخر من فصول دراما تاريخية، لم يتعودها من امراء الامس وملوكهم.

 

رحلات الأمير

ولعل اكثر مكان يعشق الامير التجوال فيه، سهول اسكتلندا وتلالها المترامية، وهي المنطقة المفضلة لديه منذ الصبا. اما رحلاته الخارجية، فيزدحم برنامجه السنوي بها.

وفي العام الاخير ازدحم جدول اعماله اكثر من اي عام سابق. وأخذت رحلاته مدى ابعد بزيارته لأستراليا، ونيوزيلندا، ثم الى الدول الخليجية.

ورغم الاهمية الاستراتيجية الملحّة لرحلته الى استراليا، فإنه ابدى اهتماماً واستعداداً غير عاديبن برحلته الى المملكة العربية السعودية ودول الخليج، التي استقبلته بحفاوة.

وإذا كانت مقدمات التحضير لرحلة الخليج من اسباب نجاحها، فإن اول هذه الاستعدادات جاءت من جامعة اكسفورد العريقة التي دخلها الامير محاضراً عن الحياة العصرية. وفي سابقة لا مثيل لها في تاريخ هذه الجامعة خصّص الامير معظم محاضرته عن الاسلام، واتخذ حديثه نبرة الدفاع عنه بوعي ومعرفة نادرين. ونفى الكثير من المفاهيم الخاطئة عن الاسلام والمسلمين، ودعا البريطانيين الى نظرة واقعية جديدة. ولم تخف كلمات هذه المحاضرة ومعانيها عن الرأي العام الاسلامي داخل بريطانيا وخارجها، ولاقى الامير الكثير من الاستحسان، الذي صاحبه حتى رحلته الخليجية.

اما في استراليا، فقد واجه تحدياً سياسياً، عندما عرضت عليه مسألة مطالبة الحكومة العمالية هناك بالانفصال عن التاج البريطاني ومجموعة الكومنولث. وأمام حشود الجماهير لم يبد الامير امتعاضاً من التوجهات الحكومية السائدة، بل قال للاستراليين ان قرار الانفصال او الابقاء على العلاقة الوثيقة مع التاج البريطاني والكومنولث، انما هو قرارهم هم، وإن مثل هذا القرار يجب ان يكتسب احترام الجميع.

ورغم الشعبية التي حققها الامير بإثبات قدرته على التعامل مع المواقف السياسية الخطيرة، فإن استحداث توجه جديد على السياسة البريطانية في بعض القضايا لم يخلُ من نقد. فحتى دفاعه عن الاسلام والمسلمين أوجد اعتقاداً لدى البعض ان الامير انما يخفي اهدافا تجارية واقتصادية. وقد نفى ذلك بشدة في برنامجه، بل انه اضاف ان الوقت قد حان لكي يتحول التعبير الدستوري التقليدي في بريطانيا من ان يكون الملك "حامي الإيمان" لكي يكون "حامياً لكل إيمان".

وبالطبع استغل اعلام الاثارة هذه العبارة للهجوم على الامير تشارلز، واصفاً اياه بانه لا يصلح للعرش، لأنه تخلى عن دوره التقليدي في الدفاع عن عقيدة مؤسسة العرش البريطاني، ولم يخفف من حدة هذا الهجوم سوى تصريحات دينية داخل بريطانيا من رئيس اساقفة "كانتربري" اوضح فيها الحكمة الخفية في كلام الامير تشارلز، اذ قال: انما اراد الامير ان يرى نفسه راعياً لمعتقدات كل الرعايا البريطانيين الذين تجمعهم عقائد مختلفة، وأن مظلة هذه الرعاية يجب ألّا تقتصر على فئات بعينها.

لكن المجتمع البريطاني الذي اعتادت صحافته اصطياد اخبار الامير، خاصة الحساسة منها، تتحول في كثير من الاحيان من الهجوم الى التعاطف معه، خاصة عندما يواجه موقفاً خطراً، كما حدث في استراليا، وكما حدث كذلك، عندما كان يقود بنفسه، وفي رحلة داخلية الطائرة الملكية، حيث تعرضت الطائرة لعاصفة في مطار اسكتلندي كادت تمنع هبوطها، لكن الامير هبط بها وسط العاصفة، وأسفر الهبوط عن انفجار احد اطارات الطائرة التي انحرفت عن الممرّ وكادت تصطدم بمناطق وعرة في منطقة جبلية نائية. ثم لم يلبث ان تعرض ولي العهد البريطاني الى حادث اعتداء  آخر في ايرلندا الشمالية من احد المتطرفين الذين يطالبون بخروج الجيش البريطاني من المقاطعة.

الحسّ المرهف

وفضلاً عن مواقف الامير الثابتة ثقافياً وأكاديمياً وسياسياً، فإن الانطباع الذي يخرج به المشاهد له عن كثب، ذلك الحسّ المرهف لرجل يعرف ضخامة المسؤوليات الملقاة على عاتقه الآن وفي المستقبل، ولكنه لا يتخلى في الوقت نفسه عن النظر إلى كل الامور من وجهة نظر ذات تفكير عميق وحسّ مرهف.

فعلى سبيل المثال، رغم النشأة الملكية للامير، وتخصّصه في شتى العلوم العسكرية منها والسياسية، فإنه يعدّ الهندسة المعمارية عشقه الاكبر. وقد كتب فيها كتاباً عرض فيه افكاره عمّا يجب ان تكون عليه العمارة الحديثة في بريطانيا. وهو على معرفة وثيقة بكبار المعماريين في العالم، ومن بينهم المعماري العربي الشهير حسن فتحي، الذي تمنّى لو دعاه الى بريطانيا لكي ينفذ إحدى افكاره عملياً. ويناهض الامير بشدة طراز المعمار الذي كان سائداً في بلاده خلال الستينات، والقائم على فكرة اقامة المباني التجريدية العملية التي تشبه المكعّبات. ويستند في اعتراضه إلى هذا الاسلوب انه يفقد بريطانيا شخصيتها الاعتبارية ولا يضيف الا القبح لأشكال المدن البريطانية.

ويعرف عن الامير ايضاً حبه الدائم للكتابة، واذا توقف عنها توجه للرسم. وإذا اراد الاختلاء بنفسه اعتنى بالنباتات او خرج على ظهر جواده، خاصة أنه يعدّ احد امهر فرسان بريطانيا. وتعدّ لعبة "البولو" احدى اشهر هواياته، التي حصل من خلالها على بطولات عدة، وكذلك بعض الاصابات التي كان آخرَها كسرٌ في ذراعه.

وهو فوق كل ذلك لا ينسى واجباته أباً، فينصرف الى رعاية ولديه مثل اي اب عادي.

ويمكن القول ان اقبال الامير تشارلز على فتح قلبه للبريطانيين، كان بمنزلة المغامرة المحسوبة. فهو من ناحية يضع النقاط على الحروف في بعض الامور المتعلقة به شخصياً وبحياته الخاصة، لكي يقطع الشك باليقين ويقدم وجهة نظر مباشرة بلا وسطاء او مفسرين. ولكنه في الوقت نفسه اضطر إلى أن يكون صريحا الى اقصى درجة وأن يسمح لمذيع عادي ان يسأله عن ادق تفاصيل حياته الشخصية وعلاقته الزوجية.

لكن المغامرة اثبتت قدراً من الحصافة. فالأمير الآن اقرب الى قلوب البريطانيين من قبل. ويرى البعض انه مهما اهتزت صورة الامير، فإن المثل البريطاني يقول عن تشارلز انه "وُلد لكي يحكم". فهو الوريث الاول لعرش بريطانيا ولا يستطيع احد، سياسي او غير سياسي، ان يحول بينه وبين حقه الطبيعي في العرش. وتشارلز الذي يعلم جيداً، يتطلع إلى أن يكون ملكاً محبوباً له شعبية تتخطى كل الاجناس والفئات التي تعيش داخل بريطانيا.

كادر

الطلاق لا يحول دون العرش

اشارت لجنة برلمانية بريطانية الى ان طلاق الامير او حتى زواجه للمرة الثانية، لا يمنعانه دستورياً، من اعتلاء عرش بريطانيا خلفاً للملكة اليزابيث الثانية. ولكن اللجنة اضافت ان "الزواج من امرأة كاثوليكية المذهب يعدّ من موانع اعتلاء العرش، وفقاً للقانون الملكي البريطاني".

وجاء هذا التوضيح البرلماني بعد زيادة التكهّنات من احتمال وقوع الطلاق بين الامير تشارلز، الذي اعترف علناً بان له بالفعل علاقات اخرى، والأميرة ديانا، التي يمنحها هذا الاعتراف نظرياً حق طلب الطلاق.

وتتفق آراء هذه اللجنة مع قوانين الولاية البريطانية التي يعود تاريخها الى القرن الثامن عشر، ولكنها آراء غير ملزمة لرئيس الوزراء البريطاني جون ميجور، وإن كانت تعبّر عن آراء النخبة في الحكومة البريطانية الحالية.

وسوف يكون الطلاق ممكناً في شهر ديسمبر (كانون الأول) المقبل الذي يوافق ذكرى عامين على اعلان الأميرة ديانا الانفصال عن الامير تشارلز. وكان الامير قد ذكر انه لا يفكر حالياً في الطلاق وأن مثل هذه الخطوة لا تؤثر في مسألة اعتلاء العرش. من ناحية اخرى، عبّرت اللجنة عن ضرورة اجراء تغييرات دستورية معقدة، لو أصرّ الامير على توسيع نطاق الرعاية الملكية التقليدية، لتشمل كل الاديان في بريطانيا، وهذا الدستور هو نفسه الذي يمنع الأمير من الزواج بكاثوليكية.

وختمت اللجنة بتأكيدات ان الملكة اليزابيث الثانية في صحة جيدة وأنها تنوي البقاء على العرش لفترة اخرى قد تمتد الى نهاية القرن الحالي.

التعليقات

أضف تعليق