الاستثمار في الكفاءات.. المحرك الحقيقي لطفرة السياحة السعودية
لم يعد النمو الذي يشهده قطاع السياحة في المملكة يقتصر على افتتاح الفنادق والمشروعات العملاقة واستقطاب ملايين الزوار، بل امتد ليشمل الاستثمار في العنصر البشري، عبر إعداد كوادر وطنية مؤهلة قادرة على قيادة هذا التوسع ومواكبة طموحات القطاع خلال السنوات المقبلة.
"تحسين".. إعداد قيادات سعودية لقطاع الضيافة
وبالتوازي مع المشروعات السياحية العملاقة والفنادق الفاخرة التي تعيد صياغة المشهد السياحي في المملكة، تبرز ركيزة أخرى لا تقل أهمية، تتمثل في الاستثمار في العنصر البشري؛ إذ أحدث النمو المتسارع للقطاع طلبًا متزايدًا على كفاءات وطنية مؤهلة تمتلك الخبرة والمهارات اللازمة لقيادة هذه الطفرة التنموية.
وتجسّد أرقام الربع الأول من عام 2026 هذه الطفرة التنموية؛ خصوصًا في ظلّ استقبال المملكة نحو 37.2 مليون سائح، فيما بلغ الإنفاق السياحي 82.7 مليار ريال، ما يعكس نمو القطاع بوتيرة تجعل الاستثمار في الكفاءات السعودية ضرورة لا خيار.
وفي موازاة هذا المشهد المتنامي، توسّع شركات الضيافة العالمية استثماراتها في تنمية رأس المال البشري، إدراكًا منها بأن مستقبل القطاع لن يُقاس بعدد الغرف الفندقية أو حجم المشروعات الجديدة فحسب، بل بالقدرة على إدارة هذا النمو وصناعة تجربة ضيافة تنافس أفضل الوجهات العالمية.
ومن بين هذه المبادرات، يبرز برنامج "تحسين" الذي تطلقه "ماريوت" الدولية بوصفه أحد النماذج العملية لإعداد القيادات السعودية في قطاع الضيافة.
واحتفلت الشركة أخيرًا بتخريج أكثر من 40 مشاركًا من البرنامج، بالتزامن مع استقبال أكثر من 50 مشاركًا في دفعة جديدة، ما يعكس استمرار استثمارها في تأهيل المواهب الوطنية ودعم مستهدفات التوطين في القطاع.
ولا يقتصر البرنامج على تقديم تدريب مهني تقليدي، وإنما يعتمد على مسار يمتد 12 شهرًا يجمع بين الدراسة الأكاديمية والتدريب التشغيلي والتطوير القيادي، بالشراكة مع جامعة كورنيل، بما يهيئ المشاركين لتولي مناصب قيادية داخل منظومة الضيافة.
وفي إطار ذلك، يقول سانديب واليا القائد العالمي لعلامة "ديزاين هوتيلز" لدى "ماريوت" الدولية: "يواصل برنامج تحسين ترجمة التزام ماريوت الدولية الحقيقي على أرض الواقع بالاستثمار في الكفاءات السعودية وتمهيد الطريق أمام قادة قطاع الضيافة المستقبليين في المملكة".
أرقام تعكس نجاح البرنامج
لم يستهدف برنامج "تحسين" تخريج دفعات جديدة من المتدربين، بل بناء مسار مهني يفتح الباب أمام الكفاءات السعودية للوصول إلى مواقع القيادة داخل قطاع الضيافة.
وخلال سنوات قليلة، تحول البرنامج من مبادرة لتطوير المهارات إلى منصة لإعداد قيادات تتولى مسؤوليات تشغيلية وإدارية داخل فنادق ماريوت في المملكة.
وتحكي الأرقام جانبًا من هذه القصة؛ فمنذ إطلاق البرنامج عام 2017، انضم إليه ما يقارب 320 مشاركًا عبر 8 دفعات، فيما شغل نحو 70% من خريجيه حتى عام 2026 مناصب قيادية، إلى جانب تسجيل أكثر من 300 ترقية وظيفية، ما يعكس قدرة البرنامج على تحويل فرص التعلم إلى مسارات مهنية حقيقية.
ولا يأتي هذا التوجه بمعزل عن رؤية ماريوت الدولية للاستدامة، إذ يندرج البرنامج ضمن منصة "خدمة 360: عمل الخير في كل اتجاه"، التي تضع الاستثمار في الإنسان وبناء القدرات المهنية في صميم أثرها الاقتصادي والاجتماعي.
ويبرز تمكين المرأة السعودية كأحد ملامح التحول التي يشهدها قطاع الضيافة، فمع اتساع الفرص التي يوفرها القطاع، أصبحت النساء أكثر حضورًا في مختلف التخصصات والمستويات الوظيفية، بما في ذلك المناصب الإدارية والقيادية التي تسهم في رسم مستقبل الصناعة.
ويعكس برنامج "تحسين" هذا التغيير بشكل واضح؛ إذ شكلت النساء 55% من خريجي الدفعة الأخيرة، بينما بلغت نسبة مشاركتهن التراكمية 44% منذ تدشين البرنامج.
وتؤشر هذه الأرقام إلى تنامي حضور الكفاءات النسائية في قطاع الضيافة، بما يتماشى مع مستهدفات تمكين المرأة وتعزيز مشاركتها الاقتصادية ضمن رؤية السعودية 2030.
وفي ظل النمو المتسارع الذي يواصل القطاع تحقيقه، تبدو برامج إعداد وتأهيل القيادات الوطنية عاملاً حاسمًا في دعم استدامة هذا التوسع، حيث إن نجاح القطاع لن يقدر على الاستمرار من دون بناء كفاءات وطنية مؤهلة تقود هذه المنظومة، وترتقي بتنافسية الضيافة السعودية على المستويين الإقليمي والعالمي.
