لماذا يشتري المليارديرات عظام الديناصورات وغبار القمر؟
حين يمتلك الإنسان كل ما يمكن أن يشتريه المال من طائرات خاصة ويخوت وقصور، يصبح السؤال التالي: ماذا يشتري بعد ذلك؟ الإجابة، بالنسبة لبعض أثرى أثرياء العالم، مفاجئة تمامًا: عظام مخلوقات انقرضت قبل 150 مليون سنة، وحبات غبار جاءت من سطح القمر، وقرش محنّط في خزان فورمالديهايد.
هذه ليست مزحة، بل صفقات حقيقية بمبالغ تتجاوز عشرات الملايين من الدولارات، تُبرم في أرقى دور المزادات العالمية مثل Christie's وSotheby's.
في هذا التقرير نرصد أغرب وأغلى 5 مقتنيات اشتراها الأثرياء، ولماذا يتهافتون عليها بهذا الشكل.
لماذا يشتري الأثرياء أشياء "غريبة" أصلًا؟
بالنسبة للمليارديرات، السيارات الفارهة والمنازل الضخمة أصبحت "أمرًا عاديًا" لا يثير إعجاب أحد داخل دائرتهم. الندرة المطلقة - أن تمتلك الشيء الوحيد من نوعه في العالم - هي العملة الحقيقية للتفاخر في هذا المستوى.
حفرية ديناصور كاملة، أو أثر مادي من مهمة أبولو 11، لا يمكن تصنيعها أو تكرارها؛ إما أن تملكها أو لا تملكها إطلاقًا.
وبعيدًا عن الرمزية والتفاخر، أثبتت بعض هذه المقتنيات أنها استثمارات مربحة فعليًا، إذ ترتفع قيمتها بمرور الوقت أسرع من كثير من الأصول التقليدية.
1. Apex.. أغلى حفرية ديناصور بيعت في التاريخ (44.6 مليون دولار)
في يوليو 2024، دخل هيكل عظمي لديناصور من فصيلة الستيجوصور، يُدعى "Apex" ويبلغ عمره 150 مليون سنة، قاعة مزادات Sotheby's في نيويورك، ليُباع بمبلغ قياسي بلغ 44.6 مليون دولار، وهو أعلى ثمن يُدفع مقابل حفرية على الإطلاق.
المشتري كان كين غريفين، مؤسس صندوق التحوط الشهير Citadel، الذي فاجأ الجميع بعد الشراء بإقراض الهيكل العظمي لمتحف التاريخ الطبيعي الأمريكي في نيويورك، ليظل متاحًا للجمهور والباحثين بدلًا من أن يختفي في صالة استقبال خاصة.
يُعد Apex من أكثر هياكل الستيجوصور اكتمالًا التي عُثر عليها على الإطلاق، ما يفسر جزئيًا سعره الفلكي.
2. ستان.. ملك الديناصورات المتنقل من أمريكا إلى أبوظبي (31.8 مليون دولار)
في أكتوبر 2020، بِيع هيكل عظمي لديناصور "تيرانوصورس ريكس" يُعرف باسم "ستان" في مزاد Christie's بنيويورك مقابل 31.8 مليون دولار، ليصبح - في وقتها - أغلى حفرية ديناصور في التاريخ.
ظلّت هوية المشتري لغزًا محيرًا لعالم الأحافير لأكثر من عام، حتى كشفت مجلة ناشيونال جيوغرافيك، عبر تتبع سجلات الشحن التجارية، أن الهيكل نُقل من نيويورك إلى الإمارات العربية المتحدة، ليتأكد لاحقًا أن جهة الشراء هي دائرة الثقافة والسياحة في أبوظبي.
اليوم يستقر "ستان" - الذي يبلغ طوله نحو 11.7 مترًا وعمره 67 مليون سنة - كقطعة مركزية داخل متحف التاريخ الطبيعي في أبوظبي بجزيرة السعديات، الذي افتتح أبوابه للجمهور نهاية عام 2025.
3. هيكل عظمي لديناصور "سيراتوصورس" صغير (30.5 مليون دولار)
في يوليو 2025، عاد سوق الأحافير ليصنع عنوانًا جديدًا حين بِيع هيكل عظمي فتيّ من فصيلة "سيراتوصورس"، يعود تاريخه إلى ما بين 154 و159 مليون سنة، في مزاد Sotheby's بنيويورك، بسعر بلغ 30.5 مليون دولار - أي خمسة أضعاف السعر التقديري الأعلى الذي كان محددًا مسبقًا بـ6 ملايين دولار فقط.
الهيكل، الذي يبلغ ارتفاعه نحو مترين وطوله يقارب 3.3 متر، ظل هوية مشتريه طيّ الكتمان، في مؤشر إضافي على أن هذا النوع من المقتنيات بات مطلبًا متزايدًا لدى مجموعة صغيرة جدًا من كبار الأثرياء حول العالم، من أمريكا وآسيا وحتى الشرق الأوسط.
4. حقيبة غبار القمر من مهمة أبولو 11 (1.8 مليون دولار)
من بين كل قطع الفضاء التي عُرضت في المزادات، تبقى قصة "حقيبة غبار القمر" الأغرب على الإطلاق.
الحقيبة، التي استخدمها رائد الفضاء نيل أرمسترونغ لجمع أول عيّنات قمرية في تاريخ البشرية خلال مهمة أبولو 11 عام 1969، انتهى بها المطاف بطريقة غير متوقعة في يد سيدة أمريكية تُدعى نانسي كارلسون، اشترتها من مزاد حكومي بأقل من ألف دولار عام 2015 دون أن تعرف قيمتها الحقيقية.
بعد اكتشاف ناسا لأصلها الحقيقي، خاضت الوكالة معركة قانونية لاستعادتها، لكن القضاء حكم لصالح كارلسون باعتبارها المالكة الشرعية.
في يوليو 2017، بِيعت الحقيبة - التي ما زالت تحمل آثار غبار قمري حقيقي - في مزاد Sotheby's بمبلغ 1.8 مليون دولار، لتصبح أول عيّنة من غبار سطح القمر تدخل ملكية خاصة بشكل قانوني بالكامل.
5. قرش دامييـن هيرست المحنّط في الفورمالديهايد (8 ملايين دولار)
قد يبدو غريبًا أن يدفع أحدهم ملايين الدولارات مقابل سمكة قرش ميتة، لكن هذا بالضبط ما فعله مدير صندوق التحوط الملياردير ستيفن كوهين عام 2004، حين اشترى العمل الفني الشهير للفنان البريطاني دامييـن هيرست بعنوان "الاستحالة الفيزيائية للموت في ذهن شخص حي" - وهو قرش نمر بطول أربعة أمتار محفوظ داخل خزان زجاجي مملوء بمحلول الفورمالديهايد - مقابل ما يُقدَّر بثمانية ملايين دولار (تشير بعض المصادر إلى مبلغ أعلى وصل إلى 12 مليون دولار).
القرش الأصلي بدأ يتحلل بسبب سوء الحفظ، فتكفّل هيرست باستبداله عام 2006 بقرش آخر جديد، على نفقة كوهين الذي وصف تكلفة الاستبدال - التي تجاوزت 100 ألف دولار - بأنها "غير ذات أهمية" مقارنة بقيمة العمل نفسه.
لماذا هذه المقتنيات تحديدًا؟
يجمع بين هذه القطع الخمس خيط واحد: الندرة المطلقة وارتباطها بلحظة تاريخية لا يمكن تكرارها، سواء كانت لحظة انقراض عملاق قبل ملايين السنين، أو أول خطوة بشرية على سطح القمر، أو عمل فني أعاد تعريف مفهوم "الفن المعاصر" نفسه.
وبينما ينتقد بعض علماء الحفريات هذا الاتجاه، معتبرين أن بيع الأحافير النادرة لأفراد يحرم المجتمع العلمي من دراستها، يرى الأثرياء أنفسهم في هذه المقتنيات استثمارًا مزدوجًا: إرثًا شخصيًا يُخلّد اسمهم، وأصلًا ماليًا نادرًا لا يفقد قيمته بمرور الزمن - بل يزداد ندرةً كل يوم يمر.
من عظام ديناصور "أبيكس" التي استقرت أخيرًا في متحف عام، إلى حقيبة غبار قمري نجت من محكمة فيدرالية أمريكية، تكشف هذه القصص الخمس عن وجه آخر للثروة الفائقة؛ حيث لم يعد المال يُقاس بما يمكن أن يشتريه، بل بما يمكن أن يمتلكه المرء وحده دون منازع.
وسواء اعتبرنا هذا شغفًا حقيقيًا بالتاريخ والعلم، أو مجرد وسيلة جديدة للتفاخر، يبقى المؤكد أن سوق "الغرائب الفاخرة" لن يتوقف عن كسر أرقامه القياسية في السنوات القادمة.
