من العناق إلى الصدام.. كيف اختبر المونديال صداقات النجوم؟
لطالما صنعت غرف الملابس المشتركة في الأندية الكبرى روابط إنسانية تتجاوز حدود العقود والانتقالات، لكن كأس العالم تملك قدرة استثنائية على وضع هذه الروابط في اختبار مباشر وقاسٍ: أن يقف الصديقان وجهًا لوجه، كل منهما يحمل على كتفيه حلم بلد بأكمله.
في نسخة 2026، تكرر هذا المشهد الإنساني مرارًا، من عناق حار قبل صافرة البداية إلى مشادة غاضبة بعد صافرة النهاية. هذا التقرير يروي 5 قصص صداقة حقيقية وُضعت على المحك حين التقى أصحابها في "المستطيل الأخضر".
رودري وبيرناردو سيلفا.. حين يتحول الاحتفاء بالخصم إلى مشادة
جمعت سنوات مانشستر سيتي السبع بين الإسباني رودري والبرتغالي بيرناردو سيلفا في واحدة من أنجح شراكات خط الوسط بالبريميرليج، قبل أن يفترقا هذا الصيف برحيل سيلفا إلى ريال مدريد.
لكن اللقاء المباشر بينهما في دور الـ16 حمل مفاجأة غير متوقعة؛ فبعدما أضاع سيلفا فرصة خطيرة في الوقت بدل الضائع كانت كفيلة بمنح البرتغال التعادل، احتفل رودري أمامه مباشرة بإضاعة الفرصة، في مشهد أثار غضب البرتغالي ودخلا على إثره في مشادة كلامية حادة أمام الكاميرات.
لكن الحكاية لم تنتهِ عند هذا الحد؛ إذ سارع رودري فور صافرة النهاية (التي انتهت بفوز إسبانيا 1-0 عبر هدف قاتل لميكيل ميرينو) إلى تقديم اعتذار علني لصديقه، قائلًا: "أعتذر لبرناردو. احتفلت بفرصة ضائعة له في نهاية المباراة، وكان ذلك خطئي. لكن الثقة التي تجمعنا جعلت الأمر ينتهي عند هذا الحد".
مودريتش ورونالدو.. عناق قبل "المواجهة الأخيرة"
حملت مباراة البرتغال وكرواتيا في دور الـ32 طابعًا استثنائيًا؛ إذ جمعت للمرة الأولى في تاريخ كأس العالم لاعبَي ميدان تجاوزا الأربعين عامًا: كريستيانو رونالدو ولوكا مودريتش، رفيقي 6 مواسم ذهبية في ريال مدريد توّجا خلالها بأربعة ألقاب لدوري أبطال أوروبا.
وقبل صافرة البداية مباشرة، اقترب مودريتش من رونالدو وتعانقا بحرارة أكثر من مرة وسط ابتسامات صادقة، قبل أن تحسم البرتغال المباراة لصالحها لتواصل مشوارها، بينما ودّع مودريتش على الأرجح آخر بطولة عالمية في مسيرته.
ولم يخفِ رونالدو تقديره الكبير لمنافسه سابقًا، إذ وصفه بأنه "أسطورة في عالم كرة القدم"، وهو وصف نادرًا ما يطلقه على لاعبي خط الوسط.
ماك أليستر ومحمد صلاح.. وفاء تجاوز حدود "الأنفيلد"
قبل مواجهة الأرجنتين ومصر في دور الـ16، وجّه الأرجنتيني أليكسيس ماك أليستر كلمات مؤثرة إلى زميله السابق في ليفربول محمد صلاح، الذي كان قد أنهى رحلته مع "الريدز" بعد ثمانية مواسم ليصبح لاعبًا حرًا عقب نهاية البطولة.
وقال ماك أليستر: "أعرف محمد جيدًا، لقد ساعدني كثيرًا خارج الملعب أيضًا، وكان له دور مهم في تسهيل اندماجي مع ليفربول، ولذلك سأظل ممتنًا له دائمًا، من المحتمل ألا ألتقيه لفترة طويلة بعد هذه المباراة".
والمفارقة أن هذه الكلمات الدافئة قوبلت بجدل غير متوقع؛ إذ أثار منشور رسمي لحساب ليفربول على منصة "إكس" دعمًا لماك أليستر، دون أي ذكر لصلاح، غضب جماهير النادي، الذين اتهموا الإدارة بـ"نكران الجميل" تجاه أسطورتهم المصرية.
وانتهت المباراة بفوز الأرجنتين 3-2 وسط جدل تحكيمي واسع، ليودّع صلاح كأس العالم في مباراة حملت مشاعر متضاربة بين الوداع والامتنان.
هالاند وبيلينغهام.. من مزحة قبل الصافرة إلى دعم بعد الخسارة
تعود صداقة النرويجي إيرلينغ هالاند والإنجليزي جود بيلينغهام إلى عامي 2020 و2022 حين جمعهما نادي بوروسيا دورتموند الألماني، قبل أن يفترقا إلى مانشستر سيتي وريال مدريد.
وقبل انطلاق مواجهة ربع النهائي المصيرية، تداول متابعو "إكس" لقطة طريفة للثنائي في ممر ملعب "هارد روك"، حين ركل بيلينغهام صديقه هالاند من الخلف بمزحة خفيفة، ليلتفت الأخير ويتعانقا ضاحكين قبل بدء اللقاء.
لكن المباراة انتهت بفوز إنجلترا 2-1 بفضل ثنائية سجلها بيلينغهام، لتطيح بحلم هالاند ومنتخبه في بلوغ نصف النهائي لأول مرة في تاريخهما.
ورغم قسوة الخسارة، لم يبخل هالاند بالإشادة بصديقه بعد المباراة مباشرة: "جود صديق مقرب، قضينا عامين رائعين معًا في دورتموند. الانتقادات التي يتعرض لها غير مستحقة إطلاقًا، وإنجلترا محظوظة بامتلاك لاعب بمواصفاته".
مبابي وحكيمي.. صداقة توقفت 90 دقيقة فقط
بدأت قصة الصداقة بين الفرنسي كيليان مبابي والمغربي أشرف حكيمي بموقف طريف صيف 2021، حين رحّب مبابي بزميله الجديد في باريس سان جيرمان قائلًا: "أهلًا بك، إذا احتجت أي شيء فأنا هنا"، ليقابله حكيمي بصمت تام بسبب حاجز اللغة آنذاك، قبل أن يعترف لاحقًا بأنه "لم يفهم كلمة واحدة".
وسرعان ما تحوّل هذا اللقاء الأول إلى صداقة متينة امتدت لثلاث سنوات مشتركة في باريس، وتضمنت رحلات وإجازات مشتركة. وفي مواجهة ربع النهائي بين فرنسا والمغرب، وهي مواجهتهما الثالثة منذ توطد صداقتهما (بعد نصف نهائي مونديال قطر 2022 ومباراة أندية في 2025)، حسم مبابي المباراة لصالح "الديوك" بفوز 2-0، لكنه حرص بعدها على الإشادة بمستوى المغرب طوال البطولة، مؤكدًا أن صداقته بحكيمي "تتوقف بمجرد صافرة البداية" فقط، لتعود فور صافرة النهاية كما كانت.
كرة القدم تنافس، لكنها لا تُفسد الصداقة
من اعتذار رودري الفوري، إلى عناق مودريتش الأخير، ووفاء ماك أليستر، ودعم هالاند لمنافسه المنتصر، وصداقة مبابي وحكيمي التي "تتجمد" لمدة 90 دقيقة فقط، تثبت هذه القصص الخمس أن كأس العالم، رغم كل ما يحمله من ضغط وطني وحسابات فوز وخسارة، لم ينجح يومًا في محو الروابط الإنسانية الحقيقية التي تنشأ بين اللاعبين داخل غرف الملابس المشتركة.
فبينما تحسم صافرة الحكم نتيجة المباراة، تبقى الصداقة غالبًا هي الفائز الحقيقي بعد رحيل صخب الجماهير.
