هل حقًا الأرجنتين "الطفل المدلل" للفيفا في كأس العالم 2026؟
لم تكن مباراة مصر والأرجنتين في دور الـ16 هي الحادثة التحكيمية الوحيدة التي هزت مشوار حامل اللقب في كأس العالم 2026؛ إذ تكرر السيناريو ذاته تقريبًا في الدور التالي مباشرة، حين خرجت سويسرا هي الأخرى من ربع النهائي أمام الأرجنتين وسط احتجاجات مماثلة على أداء التحكيم.
وبذلك أصبح المنتخبان اللذان واجها الأرجنتين في آخر جولتين إقصائيتين متتاليتين (دور الـ16 ودور الثمانية) يشتكيان من القضية نفسها بالضبط: قرارات تحكيمية مثيرة للجدل صبّت في مصلحة "الألبيسيليستي".
فهل تحظى الأرجنتين بالفعل بمعاملة تفضيلية من حكام البطولة، أم أن الأمر لا يعدو كونه نظرية مؤامرة يغذيها الغضب الجماهيري بعد كل إقصاء مثير للجدل؟ هذا التقرير يحاول الإجابة بالأرقام والوقائع وآراء موثوقة من داخل عالم كرة القدم.
واقعة مصر.. الشرارة التي أشعلت الجدل
انتهت مباراة مصر والأرجنتين بدور الـ16 بفوز الأخيرة 3-2، بعد أن كان "الفراعنة" متقدمين بهدفين نظيفين. لكن الحكم الفرنسي فرانسوا ليتكسير عاد إلى تقنية الفيديو ليُلغي الهدف المصري الثاني، قبل أن يتجاهل عرقلة واضحة تعرّض لها محمد صلاح داخل منطقة جزاء الأرجنتين في الدقائق الأخيرة، لترتد الكرة ويُسجَّل هدف الفوز الأرجنتيني القاتل.
وتحوّلت المباراة إلى قضية رأي عام عالمية؛ إذ طالب الاتحاد المصري رسميًا بفتح تحقيق مع طاقم التحكيم، بينما انهالت الانتقادات من أساطير الكرة العالمية على القرارات، في وقت لم يصدر فيه "فيفا" أي بيان رسمي يؤكد وجود خطأ تحكيمي حتى وقت كتابة هذا التقرير.
واقعة سويسرا.. التاريخ يعيد نفسه في ربع النهائي
لم تكد الأصداء تخفت حتى تكررت القصة في الدور التالي مباشرة؛ ففي مباراة ربع النهائي أمام سويسرا على ملعب "أروهيد" بكانساس سيتي، وبعد أن تقدمت الأرجنتين بهدف أليكسيس ماك أليستر وعادلته سويسرا عبر دان نجوي، جاءت اللحظة الفاصلة في الدقيقة 72 حين أشهر الحكم البرتغالي جواو بينهيرو بطاقة حمراء لمهاجم سويسرا بريل إمبولو بعد مراجعة تقنية الفيديو المساعد، في قرار وصفه الجانب السويسري بأنه "نقطة التحول" التي حسمت المباراة لصالح الأرجنتين، التي انتهت بفوزها 3-1 بعد الأشواط الإضافية.
وعقب صافرة النهاية، أبدى لاعبو ومدرب المنتخب السويسري غضبًا شديدًا من القرار، في مشهد وصفته بعض الصحف الرياضية بأنه "تكرار لفضيحة التحكيم أمام الفراعنة" التي سبقتها بأيام معدودة فقط.
وزاد المشهد تعقيدًا تصريح لافت أدلى به بيرلويجي كولينا، رئيس لجنة الحكام في الفيفا والحكم الإيطالي الأسطوري السابق، الذي أكد بشكل قاطع أن مباراة مصر والأرجنتين كانت "خالية من الأخطاء التحكيمية"، وأنه "لا مجال للتشكيك في نزاهة الحكام"، في محاولة رسمية من الفيفا لإخماد الجدل المتصاعد حول الفريق حامل اللقب، لكن هذا التصريح لم يمنع تجدد الاتهامات ذاتها بعد أيام قليلة في مباراة سويسرا.
أرقام تثير الأسئلة.. لكنها لا تثبت شيئًا بشكل قاطع
بحسب تحليل نشرته الجزيرة نت، ثمة معطيات رقمية تستحق التوقف عندها: فمنذ تتويجها بلقب مونديال قطر 2022، ارتبط اسم الأرجنتين بعدد لافت من ركلات الجزاء، إذ حصلت خلال تلك النسخة على خمس ركلات جزاء، وهو رقم قياسي في تاريخ البطولة، بينما تتصدر أيضًا في النسخة الحالية 2026 قائمة المنتخبات الأكثر حصولًا على ركلات الجزاء بواقع ثلاث ركلات حتى دور ربع النهائي (أهدر ليونيل ميسي اثنتين منها أمام النمسا ومصر).
وزاد الجدل اشتعالًا مع تعيين الحكم الأرجنتيني فاكوندو تيو لإدارة مباراة فرنسا والمغرب في ربع النهائي، بطاقم تحكيمي كامل من الأرجنتين، في سابقة أثارت تساؤلات نظرًا لاحتمال مواجهة الأرجنتين لأي من الفريقين لاحقًا في البطولة، رغم أن تيو يُعد حكمًا دوليًا معروفًا لا تُنسب إليه شبهات تحيّز سابقة.
ورغم كل هذه المعطيات، تشدد الجزيرة نت على نقطة جوهرية: لا توجد حتى الآن أي أدلة قاطعة تثبت وجود تفضيل متعمد للأرجنتين من جانب الفيفا أو طواقم التحكيم؛ فما يحدث هو اجتماع عدة عوامل متزامنة، من قرارات مثيرة للجدل، إلى إحصائيات بطاقات، إلى مسار نسبيًا أسهل في البطولة، جعل منتخب ميسي محط أنظار ونقاش متواصل، دون أن يرقى ذلك بالضرورة إلى "دليل" على مؤامرة منظمة.
الأرجنتين في كأس العالم.. تاريخ حافل يمنحها مكانة خاصة لدى الفيفا
من المفيد لفهم حجم الجدل العودة إلى مكانة الأرجنتين التاريخية في البطولة؛ فـ"الألبيسيليستي" واحدة من أنجح ثلاثة منتخبات في تاريخ كأس العالم، بثلاثة ألقاب حتى الآن: 1978 (على أرضها)، و1986 بقيادة دييغو مارادونا وهدفه الأسطوري "يد الله"، ثم قطر 2022 بقيادة ليونيل ميسي في واحدة من أكثر النهائيات دراماتيكية في تاريخ البطولة أمام فرنسا.
كما وصلت الأرجنتين إلى النهائي في مناسبات أخرى (1930 و1990 و2014) دون أن تحقق اللقب.
هذا الثقل التاريخي والجماهيري الهائل، إلى جانب كون ميسي أحد أكثر الرياضيين شهرة وقيمة تسويقية على مستوى العالم، يجعل أي قرار تحكيمي يصب في مصلحة الأرجنتين عرضة لتفسيرات مضاعفة مقارنة بمنتخبات أخرى، بصرف النظر عن صحة القرار من عدمه.
آراء موثوقة.. منقسمة بين اتهام صريح وتحذير من التسرع
انقسمت الآراء داخل الوسط الكروي العالمي بشأن نزاهة القرارات التي صبّت في مصلحة الأرجنتين، تحديدًا في مباراة مصر:
مدرب ريال مدريد جوزيه مورينيو لم يخفِ غضبه، واصفًا ما جرى بأنه "سرقة في وضح النهار، تقنية الفار من المفترض أن تجلب العدالة لا أن تسبب الارتباك، واليوم بدا الأمر وكأن كل قرار مهم ذهب للأرجنتين".
وفي السياق ذاته، اعتبر أسطورة مانشستر يونايتد بول سكولز أنها "أكبر سرقة كروية رأيتها، منذ بداية المباراة وحتى نهايتها لم يُتخذ قرار تحكيمي واحد لصالح مصر"، بينما لفت زميله غاري نيفيل إلى ما وصفه بـ"ازدواجية المعايير" قائلًا: "لو سجل هدف زيكو لصالح الأرجنتين، فعلى الأغلب لن يتم إلغاؤه".
أما بعد مباراة سويسرا، فقد جاء الاعتراض هذه المرة من داخل المعسكر السويسري مباشرة، إذ هاجم الجهاز الفني السويسري قرار طرد إمبولو علنًا، معتبرًا إياه السبب المباشر في الخسارة، بينما لاحظ عدد من المتابعين والمحللين أن تكرار نمط "قرار حاسم يصب في مصلحة الأرجنتين" في مباراتين متتاليتين حاسمتين يستحق تدقيقًا أكبر من مجرد المصادفة.
في المقابل، وبعيدًا عن التصريحات الغاضبة عقب كل مباراة، يشدد محللون آخرون على ضرورة التمييز بين "خطأ تحكيمي فردي" و"نمط تفضيل ممنهج"؛ فحتى الجزيرة نت، رغم توثيقها للأرقام المثيرة للجدل، تخلص إلى أن الأدلة القاطعة على تفضيل متعمد غير متوفرة.
وجاء الموقف الأكثر حسمًا في هذا الاتجاه من بيرلويجي كولينا نفسه، الذي دافع رسميًا عن نزاهة تحكيم مباراة مصر بوصفها "خالية من الأخطاء"، وهو تصريح يحمل ثقلًا خاصًا نظرًا لموقعه الرسمي كرئيس للجنة حكام الفيفا، حتى لو لم يقنع ذلك الجماهير الغاضبة في مصر أو سويسرا.
وهذا التباين في الآراء نفسه يعكس جوهر الأزمة: الفارق الدقيق بين "الشك المشروع" الناتج عن قرارات فردية متتالية سيئة التوقيت، وبين "الاتهام الجازم" بوجود تواطؤ مؤسسي، وهو خط لم يتجرأ حتى أشد المنتقدين على تجاوزه بأدلة دامغة حتى الآن.
شكوك مشروعة لا ترقى بعد إلى يقين
يبقى مونديال 2026 حتى الآن الأكثر إثارة للجدل تحكيميًا في تاريخ البطولة الحديث، بحسب أوصاف عدة صحف رياضية عربية ودولية، وسط تزايد المطالبات بمراجعة آلية عمل تقنية الفيديو المساعد (VAR) نفسها لا الحكام فقط.
وبينما تبقى الأرجنتين في قلب هذا الجدل بحكم مكانتها التاريخية ونجمها الأبرز ميسي، فإن الإنصاف الصحفي يقتضي التفريق بين قرارات فردية مثيرة للريبة تستحق المساءلة والتحقيق، وبين إطلاق حكم قاطع بوجود "مؤامرة" منظمة لصالحها، وهو ما لم تثبته الوقائع بعد بما لا يدع مجالًا للشك.
