لماذا يرتدي منتخب هولندا اللون البرتقالي رغم غيابه عن علم الدولة؟!
يخطفُ المنتخب الهولندي الأنظار دائمًا بارتدائه اللون البرتقالي الزاهي، والذي تحول إلى رمز وطني إلى جانب لقب "الطواحين" الشهير؛ والمفارقة المثيرة للاهتمام تكمن في غياب هذا اللون تمامًا عن العلم الرسمي المعاصر لهولندا، والذي يتألف من ثلاثة خطوط أفقية بالأحمر والأبيض والأزرق، ويعود تاريخ تصميمه إلى حقبة السبعينيات من القرن السادس عشر تزامنًا مع إعلان الاستقلال، وهو ما يجعل الجماهير تتساءل عن سر هذا التناقض البصري.
الجذور التاريخية.. عائلة مالكة ومصادفة لغوية
تعودُ أصول هذا الارتباط الوثيق باللون البرتقالي إلى عائلة "أوراني-ناساو" المالكة في هولندا، ومنها القائد فيليم الصامت، الذي قاد الثورة ضد الاحتلال الإسباني؛ والمثير للدهشة أن اختيار هذا اللون جاء بمحض مصادفة لغوية وجغرافية فريدة، حيث يشتق اسم العائلة من إمارة "أورانج" ذات السيادة في جنوب فرنسا. وتزامن ذلك مع وصول فاكهة البرتقال الآسيوية إلى أوروبا، والتي كانت تسمى "نارانج"، فأُطلق عليها اسم الإمارة لارتباطها بها ولونها الذهبي، ليصبح اللون والفاكهة والعائلة الحاكمة في نسيج تاريخي واحد، وكان العلم الهولندي يحمل اللون البرتقالي أولاً قبل أن يتحول للون الأحمر بمرور العقود.
قطيعة سياسية وعودة الاحتفالات الوطنية
شهدت الساحة الهولندية تقلبات سياسية حادة عقب انتهاء حكم سلالة "أورانج" مؤقتًا، حيث استُبدل بعلم الأمير علم الدولة، ووصل الأمر بمجالس طبقات المجتمع إلى حظر ارتداء اللون البرتقالي علنًا في عام 1784 لقمع أي محاولة تمرّد سياسي.
غير أن الرابطة العاطفية العميقة بين الشعب والعائلة المالكة عادت لتنبض بالحياة مجددًا مع تولي الملكة فيلهلمينا مقاليد العرش في عام 1890، حيث تلاشت الانقسامات تدريجيًا، وتوجت هذه العودة بتوحد مختلف فئات المجتمع في عام 1933 لإحياء الذكرى الأربعمائة لميلاد فيليم الصامت بوصفه "أبو الأمة"، ليتحول البرتقالي من رمز ملكي مثير للجدل إلى ظاهرة اجتماعية وثقافية تجمع كل أطياف الشعب.
فلسفة المساحات والعبقرية الكروية للطواحين
يمتدُ تأثير هذا اللون اليوم ليتجاوز التاريخ السياسي ويصبح الهوية البصرية الأكثر شهرة في عالم كرة القدم، وهو ما تناوله الكاتب دافيد وينر في كتابه الشهير "برتقالي لامع.. العبقرية العصابية لكرة القدم الهولندية". ويوضح الكتاب كيف يعكس هذا اللون فلسفة عيش فريدة؛ إذ ارتبطت العبقرية الكروية الهولندية بقدرة هذا الشعب عبر التاريخ على استغلال المساحات الضيقة في أراضيهم المنخفضة والمهددة بالغرق تحت سطح البحر.
