بوجاتي "Atalante".. إرث فرنسي عريق يعود لأصله بعد قرن من الزمان
ثمة آلات تُصنع لتتحدى الزمن، فتخلع ثوبها الميكانيكي الجاف لترتدي روح الفن الخالص، وتختزل في تفاصيلها شغفًا بشريًا حرك التاريخ.
وفي صدارة هذه الأساطير، تتبختر سيارة Bugatti Type 57SC Atalante لعام 1937، بالشاسيه رقم 57551، كشاهد حي على عصر لم تكن فيه السيارات مجرد وسائل نقل، بل قصائد هندسية تُصاغ لتبهر العيون وتستأثر بالقلوب.
هذه التحفة المقبلة من دهاليز "مجموعة جيم باترسون" العريقة، ليست مجرد مركبة كلاسيكية؛ بل هي إرث تاريخي يقدر ثمنه اليوم بين 4.5 إلى 6 ملايين دولار، تستعد لإشعال الحماس وخطف الألباب في مزاد مونتيري لعام 2026 تحت مظلة دار "آر إم سوتبيز" العالمية.
مواصفات سيارة Bugatti Type 57SC Atalante
وبحسب ما جاء في الموقع الرسمي للدار، في أكتوبر من عام 1936، كشف معرض باريس للسيارات عن طراز بوجاتي الرياضي المذهل "57SC"، حيث يرمز حرف S للكلمة الفرنسية "Surbaissé" أي "المنخفضة".
وأعاد المهندسون تصميم الشاسيه بالكامل ليكون أقصر وأقرب إلى الأرض، وجعلوا المحور الخلفي يخترق إطار الهيكل نفسه، ما منح السيارة قوامًا منسابًا بكبرياء وثقة.
وتحت هذا الهيكل البديع، نبض محرك بثماني أسطوانات سعة 3.3 لتر، بنسبة ضغط مرتفعة بلغت 8.5:1، ونظام تشحيم بالحوض الجاف، مع مشعاع منخفض يزدان بشبكة أمامية على شكل حرف V.
ونجحت هذه الفئة في اكتساح حلبات السباق محققة انتصارات أسطورية شملت سباق "لو مان" الشهير بمعدل سرعة فاق 85 ميلاً في الساعة، مسجلة أرقامًا قياسية في 14 حدثًا مختلفًا لتستحق لقب "السيارة الخارقة" لثلاثينيات القرن العشرين.
وتوقف إنتاجها في مايو 1938 بعد تصنيع 42 نسخة فقط، حظيت 17 نسخة منها بلمسة العبقري جين بوجاتي الذي صمم لها هيكل "Atalante" الساحر بسقفه الدائري المميز وخلفيته الانسيابية المبتكرة.
أثرياء سيارة Bugatti Type 57SC Atalante
تبدأ الحكاية الخاصة لهذه النسخة الاستثنائية بطلب من جين ليفي، سليل عائلة ثرية تمتلك كبرى مطاحن منطقة ستراسبورغ، وتميزت سيارته بمصابيحها الأمامية المنخفضة والمدمجة بشكل فريد.
تسلم ليفي السيارة في يوليو 1937، ولم يهنأ بها طويلاً حتى قرعت طبول الحرب العالمية الثانية، فاضطر للفرار إلى الولايات المتحدة تاركًا رفيقته الفارهة مخبأة في مزرعته العميقة في منطقة دوردوني الفرنسية، مسجلة باسم صديقه موريس ويبر لحمايتها.
مع انجلاء غبار الحرب، انتقلت السيارة إلى باريس، وفي عام 1948 دخلت فصلاً جديدًا عندما اشتراها الفنان التشكيلي الفرنسي الشهير وعاشق بوجاتي أندريه ديرين لتلهم مخيلته لسنوات، قبل أن تنتقل في عام 1952 إلى مونيك ويمير في مدينة نيس، ومن ثم عبر وكيل بوجاتي الشهير إرنست فريديريش إلى السويسري جين لويس فاتيو في عام 1957.
مالكو سيارة بوجاتي الفاخرة
عبرت الأيقونة المحيط الأطلسي عام 1959 بفضل ضابط القوات الجوية الأمريكية كولين دوان، قبل أن تشتريها "مجموعة هارا للسيارات" الشهيرة في نيفادا عام 1961.
وهناك، خضعت السيارة لعملية ترميم كبرى، وتم تزويدها بشاحن توربيني فائق لتتحول رسميًا إلى الفئة الأعلى "57 إس سي"، وطُليت بمزيج جريء خطفت به جائزة "الأفضل في العرض" في مهرجان "ببل بيتش" لعام 1976، مسجلة الانتصار الأخير لمالكها بيل هارا قبل وفاته.
وبقيت السيارة في نيفادا حتى عام 1987 حين انتقلت إلى رائد التكنولوجيا الحيوية الدكتور هربرت بوير، ومن ثم استقرت في عام 2000 في كنف مجموعة "جيم باترسون".
ورغم جمال ترميم هارا، إلا أن باترسون أدرك أن سيارة بوجاتي تستحق العودة إلى أصلها النقي؛ فتولت شركة "آر إم لترميم السيارات" في أونتاريو المهمة الشاقة، وحافظت على الأخشاب الأصلية المكونة للهيكل.
وأعادت تشكيل السيارة بدقة متناهية بناءً على الصور التاريخية لمالكها الأول ليفي، وتوجت بطلاء أسود كلاسيكي متداخل مع الأخضر الداكن العميق بمقصورة مكسوة بجلد الخنزير الفاخر.
وفي عام 2014، حصدت كأس "جي بي نيثركات" كأكثر السيارات المغلقة أناقة في العالم، لتظل حتى يومنا هذا الشاهد الأسمى على العصر الذهبي لشركة بوجاتي.
