سؤال من تسع كلمات يعيد هندسة الذكاء العاطفي للقادة
"هذا أنا.. وما أنا عليه اليوم هو ما قادني إلى هذا النجاح"، كثيرًا ما تتردد هذه العبارة على لسان العديد من المديرين والتنفيذيين في مجتمع الأعمال، كدرع دفاعي لتبرير ردود أفعالهم الحادة أو نوبات الغضب التي ينفجرون بها في وجه موظفيهم عند الأزمات.
وفي ظنهم، فإن هذه القسوة وفقدان السيطرة اللحظي هما وقود الحسم الذي بنى مؤسساتهم، دون إدراك أنهم يدفعون ثمنًا باهظًا وخفيًّا يتجلى في خسارة الكفاءات ونفور الكوادر المبدعة.
تبرير السلوكيات السلبية بناءً على نجاحات الماضي هو الفخ الأكبر الذي يقع فيه قادة الأعمال؛ فما يجهله هؤلاء هو أن الاستراتيجيات التي تحل الأزمات العابرة على المدى القصير، قد تكون ذاتها السبب في بناء بيئة عمل مشحونة بالتوتر والاضطراب على المدى البعيد. وهنا، تبرير الغضب لا يحل المشكلة بل يؤجل انفجارها.
وفي تجربة واقعية استعرضها الخبير جاستن باريزو مع أحد عملائه يُدعى روجر، كان روجر يتصف بالذكاء والفكاهة والاتزان في الأحوال العادية، لكنه سرعان ما يفقد السيطرة عند شعوره بالإحباط، فيبدأ بالصراخ وتوجيه الشتائم لموظفيه، وهو ما دفع عديدًا منهم للاستقالة، وجعل بيئة العمل لمن بقي منهم متوترة ومربكة للغاية.
ورغم ذلك، لم يكن روجر مقتنعًا بضرورة التغيير، معتقدًا أن هذا الأسلوب العنيف ساعده في تأسيس وإدارة عدة شركات ناجحة، غافلاً عن الأثر المدمر طويل المدى الذي يتركه هذا السلوك على أهدافه الكبرى.
السؤال السحري: مواجهة الذات لتصحيح المسار
لمواجهة هذا السلوك القيادي، يطرح خبراء الذكاء وتطوير المهارات القيادية سؤالاً جوهريًّا ومباشرًا يتألف من تسع كلمات فقط، لكنه يملك قدرة هائلة على تفكيك العادات السيئة وإعادة ضبط البوصلة المهنية:
"ما هي الأهداف المهمة والطويلة المدى التي تريدها هنا؟"
يمثل هذا السؤال صدمة إيجابية للوعي؛ إذ يجبر القائد على التوقف الفوري عن الاندفاع، والانتقال من مربع الانفعال اللحظي إلى مربع التفكير الاستراتيجي.
قوة هذا السؤال تكمن في أنه لا يهاجم شخص القائد، بل يضعه في مواجهة مباشرة مع طموحاته الكبرى؛ فعندما يدرك المدير أن صراخه في وجه موظف سيؤدي حتمًا إلى تدمير الولاء المؤسسي، وضرب خطط التوسع المستقبلي للشركة، يبدأ العقل تلقائيًّا في البحث عن بدائل سلوكية أكثر حكمة ونضجًا.
هندسة العواطف وبناء العلاقات المستدامة
تطوير مستويات الذكاء العاطفي ليس رفاهية سلوكية، بل هو أداة حاسمة لإدارة الكيانات بنجاح؛ فالقائد الذكي هو من يملك القدرة على فهم انفعالاته وضبطها قبل أن تتحول إلى سلوك تدميري.
وممارسة هذا النوع من ضبط النفس تمنح المنظومة الإدارية انسيابًا ومرونة في مواجهة التحديات الاقتصادية والتشغيلية المتلاحقة دون إثارة أزمات جانبية مع الفريق.
وعندما يتخلى المسؤول عن نبرة الاستعلاء والاندفاع، ويبدأ في تطبيق هذا التقييم الذاتي بانتظام، تتغير ديناميكية العلاقات داخل المؤسسة بشكل جذري، فتتحول بيئة العمل من مساحة للخوف والترقب إلى بيئة حيوية قائمة على الثقة المتبادلة والابتكار البناء، ما يضمن صياغة قرارات ذكية تدعم استقرار الأعمال ونموها.
