كأس العالم 2026.. كيف تحولت البطولة إلى ماكينة أرباح لـFIFA؟
تتحول بطولة كأس العالم يومًا بعد آخر من مجرد حدث رياضي عالمي يقام كل أربع سنوات إلى مشروع اقتصادي ضخم تتداخل فيه الرياضة بالاستثمار والتسويق والعوائد المالية الهائلة.
ومع اقتراب انطلاق كأس العالم 2026، الذي تستضيفه الولايات المتحدة وكندا والمكسيك بمشاركة تاريخية تبلغ 48 منتخبًا و104 مباريات، تتجه الأنظار إلى الأرقام القياسية التي ينتظر أن يحققها الاتحاد الدولي لكرة القدم "FIFA"، وسط تقديرات تشير إلى دورة مالية قد تكون الأضخم في تاريخ اللعبة.
ويستند هذا الزخم المالي إلى الشعبية الاستثنائية لكرة القدم، التي تمارس في أكثر من 200 دولة حول العالم، ما يجعلها صاحبة القاعدة الجماهيرية الأوسع بين الرياضات المختلفة.
ومنذ تأسيس الاتحاد الدولي لكرة القدم عام 1904 للإشراف على اللعبة وتنظيم بطولاتها والترويج لها، تطور دوره تدريجيًا ليصبح منظمة غير ربحية مقرها سويسرا، تعيد استثمار الجزء الأكبر من إيراداتها في تطوير كرة القدم، لكنها في الوقت ذاته تمتلك قدرة استثنائية على توليد عوائد مالية بمليارات الدولارات.
ملامح مونديال استثنائي في 2026
ويعد مونديال 2026 محطة مختلفة في تاريخ البطولة، ليس فقط بسبب اتساع رقعة الاستضافة لتشمل ثلاث دول في أمريكا الشمالية، بل كذلك نتيجة رفع عدد المنتخبات المشاركة من 32 إلى 48 منتخبًا، وهو القرار الذي فتح الباب أمام طفرة مالية ضخمة ينتظر أن تعيد رسم اقتصاديات كأس العالم بصورة غير مسبوقة.
ورغم هذه العوائد الضخمة، فإن نموذج الاستضافة الذي يفرضه الاتحاد الدولي لكرة القدم يضع مسؤوليات مالية واسعة على الدول المضيفة؛ إذ تلتزم الحكومات بتطوير الملاعب والبنية التحتية وشبكات النقل والخدمات من أموالها أو عبر القروض، بينما لا يضخ الاتحاد استثمارات مباشرة في تلك المنشآت.
ومع ذلك، لا تتراجع المنافسة بين الدول على نيل حق التنظيم، أملاً في جذب الاستثمارات الأجنبية، وتنشيط السياحة، وتعزيز الاقتصاد المحلي، إلى جانب المكاسب المعنوية والسياسية المرتبطة باستضافة الحدث الكروي الأكبر في العالم.
توقعات تاريخية لإيرادات فيفا حتى 2026
وفيما يتعلق بالعوائد المنتظرة، تراوح التقديرات الرسمية لإيرادات دورة الاتحاد الحالية 2023ـ2026 بين 11 مليار دولار بوصفه الهدف المعلن في الميزانية، وتوقعات محدثة تتجاوز 15 مليار دولار، وهو ما قد يشكل أعلى رقم مالي في تاريخ الاتحاد الدولي لكرة القدم.
وتنظم ميزانية "FIFA" ضمن دورات مالية تمتد أربع سنوات، وهو ما يجعل المستثمرين والمراقبين الاقتصاديين يتابعون القوائم المالية المحدثة بصورة مستمرة.
وحتى السنة الثانية من دورة 2023-2026، بلغت إيرادات الاتحاد 483 مليون دولار، متجاوزة التقديرات الأولية بنسبة 65%، وهو ما يعكس قوة الزخم المالي المرتبط بالبطولة المقبلة.
ووضع الاتحاد في ميزانيته التقديرية هدفًا برفع الإيرادات بمقدار 4.36 مليار دولار مقارنة بدورة 2019-2022، لتصل رسميًا إلى 11 مليار دولار، غير أن مراجعة الميزانية خلال عام 2024 دفعت التوقعات إلى مستويات أعلى، خصوصًا مع القفزة المنتظرة في عوائد التذاكر والضيافة داخل ملاعب أمريكا الشمالية، ليرجح "FIFA" تجاوز الإيرادات الإجمالية حاجز 15 مليار دولار خلال الدورة الحالية.
وتوضح المقارنات التاريخية حجم هذا التطور المالي، ففي مونديال الولايات المتحدة 1994، بلغت الإيرادات الإجمالية نحو 700 مليون دولار مقابل ميزانية تشغيلية وصلت إلى 550 مليون دولار، مستفيدة بصورة رئيسة من مبيعات التذاكر واتفاقات الرعاية التي تجاوزت التوقعات، وهو النجاح الذي أدى دورًا في دعم مشاريع تطوير اللعبة وإطلاق دوري المحترفين الأمريكي.
أمّا كأس العالم في قطر 2022، فقد مثل قفزة مالية أخرى؛ إذ حددت الميزانية التقديرية الإيرادات عند 6.44 مليار دولار، بينما انتهت الدورة فعليًا عند 7.57 مليار دولار.
وجاءت الحصة الأكبر من هذا النمو عبر حقوق البث التلفزيوني والتسويق الرقمي، بل تجاوزت عوائد التذاكر التوقعات رغم محدودية سعة الملاعب، ما ساعد على رفع احتياطيات الاتحاد من 2.81 مليار دولار إلى 3.89 مليار دولار بنهاية البطولة.
وأوضحت ميزانية الاتحاد الدولي لكرة القدم مسارات إنفاق هذه العوائد الضخمة، إذ تصل القيمة الإجمالية للنفقات والاستثمارات المعتمدة لدورة 2023 ـ 2026 إلى نحو 10.9 مليار دولار.
وتستحوذ البطولات والفعاليات على الحصة الأكبر بميزانية تبلغ 5.62 مليار دولار، بينما تأتي برامج التطوير والتعليم في المرتبة الثانية بإجمالي 3.92 مليار دولار، إلى جانب تخصيص 727 مليون دولار كأكبر حزمة جوائز مالية شهدتها كرة القدم حتى الآن.
التمويل الكامل لتنظيم كأس العالم
ويتكفل الاتحاد الدولي لكرة القدم بالتمويل الكامل لإدارة وتنظيم البطولة، بما يشمل سفر وإقامة اللاعبين والوفود، ودعم الموظفين وحكام المباريات، إلى جانب تقديم مخصصات مالية للدول المضيفة من أجل مشاريع الإرث الكروي وتطوير اللعبة محليًا.
وتظهر تفاصيل الإنفاق أن البطولات والفعاليات المباشرة حصلت على 5.62 مليار دولار، من بينها 3.84 مليار دولار خصصت لتنظيم وإدارة كأس العالم 2026.
بينما جاءت نفقات التطوير والتعليم في المرتبة الثانية بقيمة 3.92 مليار دولار، مقارنة بـ2.8 مليار دولار خلال دورة 2019 ـ 2022، دعمًا لمشروعات تطوير كرة القدم في الدول النامية.
كما رصد الاتحاد 850 مليون دولار للإدارة والحوكمة العامة، و342 مليون دولار للتسويق والبث التلفزيوني، إضافة إلى 167 مليون دولار لحوكمة كرة القدم، وتشمل النفقات الإدارية والخدمات الخارجية ورواتب الموظفين واستهلاك الأصول.
