عبقرية تكره الضجيج.. لماذا لا يتحمل الفلاسفة الأصوات المرتفعة؟
غريب أن يكون أشد المدافعين عن التعاطف الإنساني هو ذاته من سجّل بالحرف اللاتيني، حين ماتت جارته: "Obit anus, abit onus" بمعنى "ماتت العجوز، رُفع العبء".
تلك الجارة، الخياطة كارولين ماركيه، كانت قد رفعت دعوى قضائية ضد الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور منذ عام 1821، حين طردها من ردهة شقته بعد أن رفضت الصمت.
ست سنوات من المحاكم انتهت بإلزامه بدفع نفقاتها الطبية ومصروفها السنوي حتى وفاتها. سبب الشجار؟ ثلاث نساء يتحدثن بصوت مرتفع.
وبحسب ما نُشر في موقع Psychology Today، فقد يبدو الأمر هزليًّا، لكن ثمة حقيقة مدفونة خلف هذه الحادثة: الضوضاء لم تكن عند شوبنهاور مجرد إزعاج، بل كانت اعتداءً على ما يعدّه أثمن ما يملك الإنسان، طاقة التركيز الخالص.
معاناة الفلاسفة مع الأصوات المرتفعة
قبل شوبنهاور، كان الفيلسوف إيمانويل كانط يعاني الأمرين ذاتهما؛ فذلك الرجل المرح الذي كان يحب الضحك والمجالسة، حين جلس ليكتب احتاج إلى صمت مطبق، ويُروى أنه انتقل من شقته مرة كاملة بسبب ديك يصيح في الصباح.
وفي مايو 1784، كتب رسالة رسمية يشكو فيها لمشرف الشرطة في كونيغسبرغ من أصوات السجناء وهم يؤدون صلواتهم بصخب، ولم يزعجه الدعاء فحسب، بل أزعجه أنه كان مصطنعًا ومرائيًا، وهو ما زاد من وطأته في نظره.
فيلسوفان من أعظم ما أنجبته أوروبا، وكلاهما لم يستطع تحمّل ما يتحمله الناس العاديون يوميًّا.
تأثير الضوضاء على التفكير
في مقالته "عن الضجيج والصخب" الصادرة عام 1851، لا يكتفي شوبنهاور بالشكوى، بل يضع نظرية متكاملة، يقول إن طرقَ المطارق ونباح الكلاب وصراخ الأطفال أمور مزعجة لا شك، لكن صوتًا واحدًا يعلو فوق كل ذلك في قائمة أعدائه: صوت السياط تُقرع في الأزقة الضيقة، وهو يصفها بـ"القاتل الحقيقي للفكرة".
ليس لأنها أعلى صوتًا من غيرها، بل لأنها لا معنى لها، وبلا معنى هي أشد وطأة، ثم يذهب أبعد من ذلك ليربط حساسية الأذن بحساسية العقل: "الأشخاص الذين لا يتأذون من الضوضاء هم ذاتهم من لا يتأثرون بالحجة الفكرية، ولا بالشعر، ولا بالفن، وهذا راجع لخشونة نسيج أدمغتهم".
قد تبدو هذه العبارة متعجرفة، لكنها في جوهرها تطرح سؤالاً حقيقيًّا: هل الحساسية تجاه الضوضاء علامة على عمق معين في معالجة الدماغ للمعلومات؟
ما هو التسرب الحسي للدماغ؟
باحثون في جامعة نورث وسترن الأمريكية درسوا ما يُعرف بـ"التسرّب الحسي" في الدماغ، وهو حالة يعجز فيها العقل عن تصفية المعلومات "غير الضرورية" ومنعها من الوصول إلى الوعي، وذلك وفقًا للدراسة المنشورة في مجلة Science Direct.
والمفاجأة أن هذا النمط من الأدمغة المنفتحة على كل شيء ارتبط بمستويات أعلى من التفكير الإبداعي والتداعي الحر بين الأفكار؛ فعقل لا يُغلق الباب بوجه أي محفز هو عقل يرى روابط لا يراها غيره.
لكن هذه المزية تحمل ثمنها: العقل ذاته يصبح أكثر هشاشة أمام الضوضاء الخارجية، فما يجعله مبدعًا هو ما يجعله عرضة للشلل حين تعلو الأصوات من حوله.
شوبنهاور وصف هذا بصورة شعرية دقيقة: العقل المبدع كالماس الكبير، إذا تشقّق فقد معظم قيمته، وكالجيش المنظّم، إذا تشتّت فقد قوته.
أضرار الضوضاء على العقل الذكي
ما يربط الفلسفة بالعلم هنا ليس مجرد الصدفة؛ فالضوضاء لا تزعج فحسب، بل تقاطع مسار الفكرة في لحظة نشوئها، وتُعيد العقل إلى نقطة الصفر.
وكل مبدع يعرف أن الفكرة الكبيرة لا تُولد في الصخب، تُولد في تلك اللحظة الهادئة التي يتوقف فيها العالم للحظة.
وأرسطو، ربما كان يصف من دون قصد الحالة الذهنية لكل من كتب فصلاً جيدًا أو حلّ معادلة صعبة أو لحّن موسيقى تستحق السماع، في صمت تام.
