العودة من الفضاء: لماذا يهبط الأمريكيون في المحيط والروس في البر؟
هناك لحظة يتجاهلها معظم الناس عند الحديث عن الفضاء: لحظة العودة. كل التركيز يذهب نحو الإطلاق، نحو الصاروخ الذي يشق السماء بصوت مدوٍّ وألسنة من اللهب، لكن ماذا يحدث حين تعود المركبة إلى الأرض؟ كيف تنزل من السماء بسلام؟ والأهم: هل يختار رواد الفضاء البحر أم البر؟
الجواب في الحقيقة ليس خيارًا حرًا بالمعنى اللفظي، بل هو إملاء صارم وصياغة فرضتها قسوة الجغرافيا وتضاريس الأرض.
المحيط وسادة طبيعية لامتصاص الصدمات
منذ عام 1961، طوّرت وكالة ناسا منظومتها الفضائية على افتراض واحد ثابت: المحيط موجود وقريب وآمن، وذلك وفقًا لما نشر في موقع "BGR".
وتقع مراكز الإطلاق الأمريكية الرئيسة على السواحل، مركز كينيدي للفضاء في فلوريدا المطلّ على المحيط الأطلسي، وقاعدة فاندنبرغ في كاليفورنيا قرب المحيط الهادئ، ما يجعل الهبوط البحري خيارًا منطقيًا وعمليًا في آنٍ.
والمنطق الهندسي هنا بسيط للغاية: الماء يمتص الصدمة. حين تنزل المركبة الفضائية معلقة بمظلاتها الضخمة وتضرب سطح المحيط بسرعة تقارب 80 قدماً في الثانية، يوفر الماء وسادة طبيعية هائلة تقلل وطأة الارتطام الحاد إلى حدٍّ آمن ومقبول.
وفور ملامسة الماء، تبدأ قوات البحرية الأمريكية بفرقها المتخصصة مهام الاستعادة؛ حيث يتم انتشال الطاقم وكبسولة القيادة من المياه بكفاءة عالية، صقلتها خبرات متراكمة وممارسات استمرت لعقود طويلة.
وصف طاقم مهمة أرتيميس الثانية تجربتهم بكلمات من قبيل "مجيدة" و"مبهجة"، إذ قال رائد الفضاء جيريمي هانسن إنها كانت "أفضل رحلة دوّارة ركبتها في حياتي"، مشبّهًا إياها بلعبة ملاهٍ ضخمة.
هذا الشعور ممكن جزئيًا لأن الماء يُلطّف القدوم الأخير.
لماذا تهبط مركبات روسيا الفضائية في البر؟
قد يبدو غريبًا أن روسيا، التي تمتلك عشرة آلاف ميل من الساحل أكثر من الولايات المتحدة، لا تستخدم البحر لاسترداد مركباتها.
لكن السر أن معظم تلك السواحل الروسية تطلّ على المحيط المتجمد الشمالي، وهو بيئة بالغة القسوة لا يمكن فيها إجراء عمليات استرداد آمنة وسريعة.
في المقابل، تمتلك روسيا شيئًا مختلفًا: مساحات شاسعة من الأراضي المفتوحة شبه الخالية من السكان.
لذا تطلق مركباتها سويوز من قاعدة بايكونور الفضائية في كازاخستان الحبيسة في عمق البر، وتُصمَّم المركبات للهبوط على اليابسة وفق منظومة دقيقة ومتكاملة.
الاستراتيجية الروسية للهبوط البري
لأن اليابسة لا تمتص الصدمة كما يفعل الماء، طوّر المهندسون الروس حلاً بارعًا: المحركات العكسية أو الرجعية.
قُبيل لحظة الارتطام بثوانٍ معدودة، تُشعل هذه المحركات وتضخ قوة دافعة نحو الأسفل تُبطئ المركبة بشكل حاد، خافضةً سرعتها من أكثر من ثمانين قدمًا في الثانية إلى ما دون خمس أقدام في الثانية، أي ما يعادل تقريبًا وتيرة المشي الإنساني.
ومع ذلك، يصف رواد الفضاء الذين جربوا الهبوط على الأرض في مركبة سويوز تجربةً بعيدة كل البعد عن الناعمة.
وصفها رائد الفضاء الإيطالي باولو نيسبولي، الذي أقلعت به سويوز ضمن بعثة إكسبيديشن 27 عام 2011، بأنها "تصادم مباشر بين شاحنة وسيارة صغيرة، حيث تكون المركبة الفضائية هي السيارة الصغيرة".
خطورة اختيار مكان هبوط غير مناسب
التاريخ يحتوي درسًا قاسيًا واحدًا عن ما يحدث حين يخرج الهبوط عن المخطط.
عام 1976، عادت مركبة سويوز 23 الروسية لكنها لم تهبط على البر الجاف المخطط له، بل سقطت في بحيرة تنغيز بكازاخستان الشبه متجمدة في ظروف مناخية صعبة.
ظل الرائدان محبوسَين داخلها لقرابة تسع ساعات في برد قارس قبل الإنقاذ، في حادثة كادت أن تنتهي نهاية مأساوية.
تلك الحادثة كانت الاستثناء الوحيد لمركبة سويوز بطاقم بشري تهبط في الماء، وكان هبوطًا اضطراريًا لا مخططًا.
وقد كشفت بوضوح أن نظام الهبوط البري ليس مجرد تفضيل هندسي، بل هو شرط تشغيلي يصعب التنازل عنه.
ما يبدو في الظاهر تنافسًا تقنيًا بين قوتين عظميين، يختزل في جوهره حقيقة أكثر هدوءًا: الطبيعة تفرض شروطها على التكنولوجيا.
لا الأمريكيون اختاروا البحر ترفًا، ولا الروس اختاروا البر تعنتًا، كلاهما أدار ظهره لما لا يملكه، وبنى منظومة على ما يجيده.
وفي نهاية المطاف، سواء استقبل المحيط الهادئ مركبة فضائية أو استقبلت سهول كازاخستان أخرى، الهدف واحد: إعادة الإنسان إلى الأرض حيًا. وهذا وحده يكفي.
