غريزة البقاء الرقمية: لماذا تعجز عقولنا عن غض البصر عن الكوارث؟
بينما تجلس في الصباح الباكر، تتصفح هاتفك وتنتقل من كارثة إلى أخرى، قد تشعر فجأة بوخزة من الذنب، وتلوم نفسك على هذا "الفضول المرضي" الذي يجعلك عاجزًا عن إبعاد عينيك عن مشهد حادث مروع أو خبر مرعب معروض على شاشتك الرقمية.
ولطالما أُخبرنا بأن هذا النمط من "التغذية السلبية" يضر بالصحة النفسية، لكن العلم الحديث يمتلك اليوم رأيًا آخر قد يخلصك من هذا الشعور بالذنب تمامًا.
وفقًا لدراسة حديثة نُشرت في دورية Psychological Review، فإن عدم قدرة البشر على غض البصر عن الكوارث أو "حطام الحوادث" ليست خللاً سلوكيًا أو رغبة غريبة في التلذذ بالمشاهد البشعة، بل هي آلية بقاء تطورية مغروسة عميقًا في تركيبة أدمغتنا البيولوجية.
المفارقة: لماذا نقترب مما يخيفنا؟
ولطالما ركزت الأبحاث السابقة حول الفضول المرضي على معضلة محيرة: لماذا ينجذب البشر طواعية نحو مسببات بيئية يُفترض بها موضوعيًا أن تثير لديهم مشاعر الخوف، وهي مشاعر تُترجم غريزيًا في علم النفس إلى استجابة "النفور والابتعاد"؟
طرحت الدراسة نموذجًا تكيفيًا يفسر هذه المفارقة؛ إذ ترى أن ميلنا للاقتراب من جثة ممزقة في طريقنا، بدلاً من الهروب في الاتجاه المعاكس، ليس سعيًا وراء الإثارة المبتذلة، بل هو "آلية معرفية متطورة مصممة خصيصًا لحل الغموض المحيط بالمؤثرات المرتبطة بالبقاء".
المشهد القديم: تهديد أم فرصة؟
لنفهم كيف تعمل هذه الغريزة، علينا العودة بالزمن آلاف السنين إلى حياة أجدادنا الأوائل وهم يسيرون في غابات ما قبل التاريخ؛ لذا تخيل أن أحدهم عثر على جثة حيوان ميت في طريقه:
رد الفعل الحديث: بالنسبة لثقافتنا الحالية، يثير المشهد اشمئزازًا فوريًا (بسبب رؤية الأجزاء الداخلية مكشوفة) أو خوفًا (من أن المفترس الذي قضى على هذا الحيوان لا يزال يتربص في الجوار). كلا الشعورين يدفعاننا للابتعاد.
المنظور التَطوري: في البرية، لم يكن الأمر بهذه البساطة؛ فالجثة تمثل حالة من "المنهج التحفيزي" بين أمرين:
تهديد: قد تكون الجثة موبوءة بمرض معدٍ، أو قد يكون القاتل قريبًا، وهنا يصبح الهرب واجبًا.
فرصة: قد تمثل هذه الجثة مصدرًا للغذاء (إن لم تكن ملوثة)، أو قد توفر "معلومات حيوية" للتعرف على سلوك المفترسات في المنطقة ومعرفة متى يجب توخي الحذر.
استراتيجية "تقليل الغموض"
أمام هذا الغموض المصيري في مواقف الحياة والموت، تتنحى استجابة النفور التقليدية (الخوف أو الاشمئزاز) جانبًا بشكل مؤقت، لتفسح المجال لدافع أقوى يدعى "تقليل الغموض" .
يشعر الدماغ البشري بأن هناك معلومات حيوية مخبأة في هذا المشهد المؤذي، فيتحفز للدخول في حالة "اقتراب" بهدف فك الشفرة: هل يحتاج هذا الموقف إلى الهروب، أم أن هناك فائدة يمكن جنيها؟
إذا قفزنا بالزمن إلى القرن الحادي والعشرين، سنجد أن البيئة المحيطة بنا قد تغيرت كليًا؛ فلم نعد نواجه خطر التعرض للافتراس أو التسمم من الحيوانات في حياتنا اليومية. لكن الأزمة تكمن في أن أدمغتنا تتغير وتتطور ببطء شديد مقارنة بالسرعة الهائلة التي يتغير بها العالم من حولنا.
عندما يعرض هاتفك الذكي صورًا لضحايا حادث مروري أو لقطات دمار من الحروب، فإن هذه المشاهد، رغم أنها لا تؤثر مطلقًا على سلامتك الشخصية المباشرة، توقظ في دماغك نفس الآلية القديمة.
يبدأ الدماغ فورًا بوضع "تقليل الغموض"، دافعًا إياك إلى التدقيق والنظر لحل لغز هذا الخطر الظاهري، متجاوزًا شعورك الطبيعي بالنفور.
