حوار خاص لـ«الرجل» مع العقل الهندسي خلف TAG Heuer ... كارول كاسابي
في قلب صناعة لا تغفر الخطأ وتتنفس الدقة، يبرز اسم كارول كاسابي كواحدة من أكثر العقول الهندسية تأثيراً وجرأة في عالم الساعات السويسرية الراقية. فبعد مسيرة حافلة بالإنجازات في تطوير الحركات المعقدة لدى دار كارتييه Cartier، انتقلت كاسابي في عام 2020 إلى دار تاغ هوير TAG Heuer لتتولى قيادة قطاع تطوير الحركات، حاملةً معها رؤية تجمع بين الوقار الميكانيكي والتمرد التكنولوجي.
وفي هذا الحوار الخاص مع «الرجل»، تأخذنا كاسابي إلى ما وراء ميناء الساعة، لتكشف كيف تعيد الدار صياغة هوية "الكرونوغراف" عبر ابتكارات ثورية مثل تقنية الآليات المرنة التي تجسدت في ساعة "موناكو إيفرغراف". ومن فلسفة التواضع أمام الميكانيكا إلى تحديات المواد المتقدمة كالتيتانيوم والكربون، ترسم كاسابي ملامح المستقبل الذي لا يكتفي بالاحتفاء بالتراث، بل يسعى لتطويع قوانين الفيزياء لخدمة الجيل القادم من عشاق الساعات.
نشأتِ في عائلة محترفة في صناعة الساعات، ما هو الدرس الأول الذي تعلمتِه في ورشة العمل ولا يزال يوجه قراراتكِ لليوم في TAG Heuer؟
أعتقد أن أول درس تعلمته كان الصبر، ربما حتى قبل التقنية نفسها. ففي ورشة صناعة الساعات، تتعلم سريعًا أن الحركة الميكانيكية لا تستجيب للقوة أو الغرور، بل للدقة، والملاحظة، واحترام كل مكوّن فيها.
أتذكر تمامًا كيف يمكن لتفصيل صغير جدًا، يكاد يكون غير مرئي، أن يغير سلوك الآلية بالكامل. هذا الدرس لا يزال يقودني اليوم في "تاغ هوير"؛ فعندما نطوّر حركة جديدة، وخصوصًا في الكرونوغراف، نعود دائمًا إلى الأساسيات: أين تذهب الطاقة؟ أين يمكن أن يظهر الاحتكاك؟ وكيف ستتصرف الآلية بعد سنوات طويلة من الاستخدام؟ باختصار، صناعة الساعات تعلّمك التواضع، لأن الحركة تكشف الحقيقة دائمًا. إذا كان هناك خطأ ما، فحتماً ستُظهره الآلية بنفسها.
❞صناعة الساعات تعلّمك التواضع، لأن الحركة تكشف الحقيقة دائمًا. إذا كان هناك خطأ ما، فحتماً ستُظهره الآلية بنفسها❝
في عالم الساعات المعقدة، هناك خيط رفيع بين الابتكار الوظيفي والتعقيد لمجرد الاستعراض التقني. كيف تحددين اللحظة التي يتوقف فيها التعقيد عن خدمة مرتدي الساعة ويصبح مجرد عبئًا ميكانيكيًا؟
بالنسبة إليّ، أركز دائماً على القيمة التي تضيفها هذه المضاعفة فعلًا للشخص الذي يرتدي الساعة. إذا كانت تحسن الدقة، أو التفاعل، أو وضوح القراءة، أو الموثوقية، أو حتى تثري التجربة العاطفية بطريقة حقيقية، فحينها يكون لوجودها مبرر. أما إذا كانت تضيف تعقيدًا فحسب من دون تحسين التجربة، فهي تتحول إلى عبء.
في "تاغ هوير"، وتحديداً في ساعات "الكرونوغراف"، نركز بشدة على الوظيفة؛ إذ لا ينبغي للتعقيد أن يجعل الساعة أكثر هشاشة أو أقل بديهية أو صعبة الاستخدام. فالتحدي الحقيقي يكمن في جعل التقنية المعقدة تبدو طبيعية وسلسة. وهذا غالباً ما يكون أصعب بكثير من إضافة المزيد من الأجزاء.
في معرض ساعات وعجائب 2026، قدمتم ساعة Monaco Evergraph بمحرك يعتمد على "الآليات المرنة". كيف تمكنتم من استبدال الأجزاء التقليدية بأجزاء مرنة لزيادة الدقة؟ وهل ترين أن هذا التوجه يمثل مستقبل الكرونوغراف في TAG Heuer؟
في ساعة TAG Heuer Monaco Evergraph والحركة TH80-00، كانت الفكرة تقوم على إعادة التفكير في كيفية التحكم في وظائف الكرونوغراف نفسها. ففي الكرونوغراف التقليدي، تعتمد عمليات البدء والتوقف وإعادة الضبط على تفاعل العديد من المكونات معًا، مثل الروافع والنوابض والمحاور ونقاط الضبط.
أما مع «الآليات المرنة»، فإن جزءًا من هذا المنطق يتغير. إذ يمكن لبعض المكونات المرنة ثنائية الاستقرار أن تؤدي عدة وظائف اعتمادًا على هندستها ومرونتها، مما يتيح لنا تقليل عدد الأجزاء وتقليل الاحتكاك، وتحسين الاستقرار على المدى الطويل. والنتيجة يشعر بها المستخدم مباشرة عبر أزرار التشغيل التي تصبح أكثر سلاسة وثباتًا في استجابتها
هل هذا هو مستقبل ساعات الكرونوغراف؟ اعتقد أنه يفتح اتجاهاً مهماً جداً للتطوير. ربما لا يستبدل كل البنيات الميكانيكية فوراً، لكنه يمنحنا طريقة جديدة تمامًا للتفكير.
❞التحدي الحقيقي ليس في إضافة المزيد من الأجزاء، بل في جعل التقنية المعقدة تبدو طبيعية وسلسة❝
نلاحظ هذا العام توجهاً واضحاً نحو استخدام التيتانيوم في ساعات موناكو. كيف يؤثر تغيير مادة العلبة على هندسة حركة الساعة من الداخل، وعلى تجربة مرتديها بشكل عام؟
التيتانيوم من الدرجة الخامسة يؤثر كثيرًا في تجربة ارتداء الساعة، لأنه يغيّر الوزن، والتوازن، والطريقة التي تستقر بها الساعة على المعصم. وفي ساعة مربعة مثل TAG Heuer Monaco ، يعد هذا أمراً بالغ الأهمية؛ فإذا كانت الساعة ثقيلة أكثر من اللازم، أو لم يكن مركز الثقل مضبوطًا ستشعر بذلك فورًا.
يساعد التيتانيوم على تحسين الراحة والثبات، مع الحفاظ على الصلابة واللمسات النهائية الراقية. أما على مستوى الحركة، فالمادة لا تغيّر البنية الميكانيكية بشكل مباشر أو معزول، لكنها تؤثر على البناء الكامل للساعة: سماكة العلبة، وتصميم الغطاء الخلفي، والتكامل، وسهولة الاستخدام. وأفضل نتيجة تتحقق عندما يتم تطوير العلبة والحركة وراحة المعصم كنظام واحد متكامل.
شكّل استخدام مركب الكربون في النوابض نقلة نوعية. إلى أي مدى تعتقدين أن المواد الكيميائية والفيزيائية الجديدة ستلغي مستقبلاً الحاجة إلى الزيوت والتشحيم التقليدي؟ بمعنى هل يمكن أن نصل يوماً إلى محرك "خالي من الصيانة"؟
المواد الجديدة يمكن أن تقلل الاعتماد على التشحيم في بعض المناطق، وهذا بالفعل أحد أكثر الاتجاهات إثارة للاهتمام في تطوير الحركات. فإذا قمت بتحسين الأسطح وتقليل الاحتكاك واستخدام مواد أكثر استقراراً ومقاومة للمغناطيسية أو التآكل، يمكنك تحسين الأداء طويل الأمد بشكل كبير.
لكن الوصول إلى حركة ميكانيكية "خالية تماماً من الصيانة" فكرة طموحة للغاية. الساعة تظل نظاماً ميكانيكياً يعتمد على انتقال للطاقة ونقاط التلامس وصدمات وتغيرات في درجات الحرارة بجانب عوامل التقادم. لذا يمكننا تقليل احتياجات الصيانة وإطالة أمد الاستقرار وحتى جعل الحركات أكثر قوة، لكن لنبقى واقعيين؛ فالهدف ليس هروب الميكانيكا من قوانين الفيزياء، بل فهمها بشكل أفضل، وتصميم الحركات بذكاء أكبر.
❞أحيانًا، لا يكون المستقبل في اختراع وظيفة جديدة بالكامل، بل في إعادة جعل الوظائف الموجودة أكثر معنى❝
بعد العمل على بعض أكثر الحركات تعقيداً في التاريخ، لو طُلب منكِ اختراع «مضاعفة» جديدة تماماً للعصر الحديث - بعيداً عن "التوربيون" أو "التقويم الدائم" - ما هي الوظيفة التي تفتقدها الساعة المعاصرة اليوم؟
أنا أقل اهتمامًا بابتكار مضاعفة جديدة فقط لأنها لم توجد من قبل. ما يثير اهتمامي بالفعل هو تحديد حاجة حقيقية معاصرة، ثم إيجاد طريقة ميكانيكية للتعبير عنها. اليوم، نحن نعيش مع أشكال مختلفة من الوقت: الوقت المقاس، الوقت الشخصي، وقت السفر، وقت الأداء، ووقت التعافي. ربما يمكن لمضاعفة حديثة أن تستكشف هذه العلاقة بطريقة أكثر بديهية وسلاسة.
بالنسبة إلى "تاغ هوير"، أفكر بطبيعة الحال في الوظائف المرتبطة بالقياس والإيقاع والأداء. فما يزال الكرونوغراف يتمتع بإمكانيات هائلة؛ فهو مألوف بالفعل، ولكن يمكن جعله أكثر دقة وتفاعلاً وذكاءً ميكانيكياً. أحياناً يكون المستقبل ببساطة في اختراع طريقة جديدة لجعل وظيفة موجودة أكثر مغزى.
في عصر "الفخامة الهادئة"، يقدّر الرجل التفاصيل التي تشعره بلمسة بشرية. هل تتعمدون أحياناً ترك "بصمة ميكانيكية" أو صوتًا معينًا للتروس يميز الساعة عن الكمال الرقمي البارد؟
لا نضيف صوتاً أو "نقصاً" بشكل مصطنع، ولكن كل حركة ميكانيكية لها شخصيتها الخاصة. ملمس زر التشغيل، مقاومة التاج، صوت الدوّار، ونقرة إعادة ضبط الكرونوغراف.. كلها أجزاء من التجربة العاطفية لصناعة الساعات. ففي ساعة "موناكو إيفرغراف" على سبيل المثال، تكمن البصمة في الإحساس اللمسي للأزرار الضاغطة؛ فهي أكثر سلاسة ودقة مقارنة بالكرونوغراف التقليدي.
وبالنسبة لي، هذا النوع من البصمات أكثر أهمية من مجرد الزخرفة، لأنه ينبع من البنية الهندسية نفسها. الساعات الميكانيكية نابضة بالحياة لأنك تتفاعل معها جسدياً، وهذا ما لا تستطيع الساعات الرقمية إعادة إنتاجه بالطريقة نفسها.
❞الساعات الميكانيكية تبدو حيّة لأنك تتفاعل معها جسديًا، وهذا أمر لا تستطيع الساعات الرقمية إعادة إنتاجه بالطريقة نفسها❝
نعيش في عصر الرقمنة، حيث ينجذب الشباب الأصغر سنًا إلى البرمجيات أكثر من التروس. كيف تضمنين انتقال "الشغف بالمحركات" للجيل القادم من المهندسين لضمان ألّا تصبح هذه الحرفة مجرد فن متحفي؟
علينا أن نظهر أن صناعة الساعات الميكانيكية ليست مجرد إرث، بل أيضًا بحث وهندسة ومواد وفيزياء وإبداع. يزداد فضول المهندسين الشباب عندما يدركون أن حركة الساعة ليست غرضاً قديماً، بل هي نظام تقني معقد ومتطلب للغاية. في "تاغ هوير"، مشاريع مثل (TH80-00) أو (TH-Carbonspring) مهمة لأنها تظهر أنه لا يزال هناك الكثير من المشكلات الحقيقية التي تحتاج إلى حلول. والكثير من البنى الجديدة التي يمكن تخيلها.
كما أن نقل الخبرة يحدث من خلال العمل الجماعي؛ إذ يحتاج صانعو الساعات والمهندسون الشباب إلى الانخراط في مشاريع تسمح لهم بالتجربة والفشل والتحسين وفهم أهمية كل تفصيل. تبقى الحرفة حيّة طالما أنها تستمر في التطور.
بعد هذا النجاح الكبير في معرض ساعات وعجائب 2026، ما هي "العجيبة" القادمة التي تخبئها كارول كاسابي لمحبي العلامة؟ وهل سنرى تقنيات "Evergraph" تنتقل إلى مجموعات أخرى قريباً؟
لا يزال لدينا الكثير من الأفكار والكثير من العمل ينتظرنا. تعدّ "TAG Heuer Monaco Evergraph" علامة فارقة لأنها تفتح طريقة جديدة للتفكير في بناء الكرونوغراف، لكن هذا النوع من التكنولوجيا يحتاج إلى الوقت، والاختبارات، والتطوير الدقيق قبل توسيع استخدامه.
نحن لا نطبق الابتكار لمجرد وجوده، بل يجب أن يكون منطقياً للساعة والمجموعة وللمستخدم. ما هو مؤكد هو أن ابتكار الكرونوغراف يظل جوهرياً بالنسبة لـ "تاغ هوير"؛ فلا يزال هناك الكثير لتحسينه وتبسيطه وصقله، وهذا بالضبط ما يجعل العمل ممتعًا.
